Monday, September 15, 2008

انهيار برج بابل- 30

(30)
الله محبة

تنبه لصوت باب الغرفة المضاءة يفتح وتطل منه حبيبته في منامتها القطنية وهي تداعب مؤخرة رأسها بيدها، ثم تبتسم ناظرة له وتقول: بدلنا الأدوار اليوم، صحا ساهر الليل قبل الطائر المبكر .. صباح الخير
تنفس الصعداء بعد أن تأكد من إطلالتها أنها بخير .. ثم رد التحية وأتبعها بقوله: أرعبني النور المضاء على غير عادتك، فكرت أن أقتحم الغرفة لأطمئن
- ولماذا لم تفعل؟
قالتها مداعبة بدلال وقد أولته ظهرها متجهة للحمام، ثم استدارت فنظرت له من فوق كتفها نظرة زينتها بابتسامة ساحرة .. ابتسامة شعر فيها بشيء جديد تماما، شيء يشبه دلالا مثيرا لم يره منها قبل اليوم، حتى غلب على ظنه أن الكاريزما الأكاديمية طردت منها دلال الأنثى، ولم تبقِ إلا على دلال طفولي مرح، كم تمنى أن يرى هذا الجانب منها؟ أن يقترب من "ماري" الأنثى والزوجة والأم .. ترى ماذا غير نظرتك يا "ماري"؟ هل أوحت لك الخلوة بما لم تفكري فيه قبلاً؟ لو كان الأمر كذلك فلا ريب أن أمامي تجربة كتجربة المسيح في البرية، اختبار مشكلته أن الرسوب فيه أحب من النجاح وأشهى! هكذا فكر "علي"، فربما لا يأبه لألف امرأة ولو في خلوة، ولكن هي .. "ماري" التي انتظرها بظمأ السنين وأرادها بشوق العمر، لا يعتقد أن مقاومته لو نوت أمراً ستكون كما ينبغي، لو كانت هناك مقاومة على الإطلاق، دعاء من إنجيل لوقا يقول "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ"[1]، لا يظن أنه بحاجة لشر الشيطان، فنفسه الأمارة كفيلة به جدا، مسح وجهه بيده ليطرد ما تردد برأسه من أفكار، وحاول أن يقنع نفسه أن "ماري" مستيقظة لتوها وحسب، ولهذا تتصرف بعفوية أنثوية لن تلبث أن تفيق منها مع الماء البارد وتعود لطبيعتها، الصديقة الجادة وحسب
شعر بحاجة لشراب ساخن، فرفع صوته يسألها لو كانت تحب أن تشرب شيئا، أجابت بأنها تريد شايا بالحليب فقام للمطبخ ليعد لها الشاي ولنفسه قهوة فرنسية سوداء بقليل من السكر، فقط ما يكفي لقتل مرارتها دون أن يطغى على نكهتها، شغل غلاية الماء الكهربائية ثم تلهى بوضع الشاي والقهوة الجافة والسكر في الأكواب حتى غلت المياه، سمع صوت خطواتها خلفه وهو يصب الماء الساخن، كاد يلتفت ليراها، حين وجد كفين باردتين من أثر الماء تطوقان وجهه وتغطيان عينيه .. لا .. هناك شيء ما .. ليست "ماري" التي عرفها طوال هذه السنوات! هكذا فكر "علي" بينما دقات قلبه تتسارع في ترقب لذيذ، عندما تكون سرعة ضربات القلب بهذا الجمال فهل من العدل أن نحسبها عرضا مرضيا؟ تزايدت سرعة قلبه وزاد اندفاع الدماء في وجهه وفروة رأسه حين تحركت يداها لتحيط جذعه بذراعيها من الخلف، ثم وضعت رأسها على ظهره متناومة كقطة رقيقة، انتابت جسده قشعريرة محببة .. لقد ثبتت الرؤية ودخل في عمق التجربة ولا يرى له منها نجاة! تسللت قطرتان من عرق بارد من جبهته نحو أذنيه، ومع وصولهما لشحمة أذنه وصله صوتها الهامس وهي تقول: كم تستغرق اجراءات زواج الأجانب هنا؟
- نعم
هكذا أجابها لا شعوريا وهو يشعر بقلبه ينخلع من صدره طربا ولهفة وشوقاً، فأعادت عليه ما قالته تواً، هتف باسمها وهو يستدير ليواجهها، وعلامات فرح كمن بُشِّرَ بملك الدنيا ترتسم على وجهه، نظرت في عينيه نظرة أسكرته .. يا الله! أي جنة أبقيتني خارجها دهرا يا حوائي الحبيبة؟ .. هكذا فكر قبل أن يسألها سؤالا ساذجا لدرجة العبط قائلا: تعنين أنا وأنت؟
لم تجب بكلمات ولكنها هزت رأسها موافقة وهي تعض على شفتها السفلى في خفر محبب فما كان منه إلا أن أمسك بوجهها بين كفيه وهو لا يكاد يملك زمام نفسه من الجذل، وما أن نظر في عينيها لحظة حتى رأي العينان النافذتان تهبطان برقة على وجهه، لتستقرا عند شفتيه، في هذه اللحظة تبخر الكون فلم ير غير شفتيها، فاقترب من ثمرة الجنة فوق شفتيها بثغره ورجفة تعصف بكيانه، ثم اندفع يقبلها بظمأ السنوات، سنوات الحب والحرمان وأحلام اليقظة، قبلة طالت فذاب فيها الحبيبان كالسكر في ماء ساخن، هل أتت الموسيقى لحظتها من مكان قريب؟ أم ترددت بجوفه فوصلت لأذنيه؟ أم كشفت عنه الحجب فاستمع لموسيقى السماء؟ أي أجسام نورانية تتراءى لعينيه المغمضتين؟ كأنها ملائكة الحب ترقص حولهما على عزف الحور! لم يصمت عقله لسنوات حتى في نومه إلا بهذه اللحظة، لحظة التقاء الشفاه بظمأ العمر، فبهذه اللحظة أختصر كيانه كله في شفتين!
...
"هذه ليلتي و حلم حياتي .. بين ماض من الزمان و آتِ .. الهوى أنت كله و الأماني .. فاملأ الكأس بالغرام و هاتِ" .. هكذا انبعث صوت كوكب الشرق في غرفة المكتب، وقد حلت أضواء الشموع الوسنانة محل النور الكهربائي، وعلى الفوتيه الضخم بزاوية الحجرة جلس "علي" و"ماري" على ساقيه وقد واجهته تلعب في خصلات شعره، أو ما عفا عنه الزمن من هذه الخصلات، وليس الزمن بصاحب عفو كبير!
منذ عانقته وقالت ما قالته، خطر لعلي ألف مرة أن كل هذا قد يكون حلما من أحلامه، فدعا الله في قلبه مناجيا لو كان حلما أنعم عليه به، أن يتم نعمته فيقضبه إليه من فوره، فمن الأحلام من يشعر المرء لو صحا منها وكأنه سقط من الجنة في نار السعير، لكن الحلم يطول ومع كل لحظة جديدة يزداد يقينا بحقيقته، لهذا قرر أن يعيشا معا كل لحظة في تلك الحقيقة الرائعة للحد الأقصى كما تخيلها لسنوات، نظرت في عينيه باسمة وقالت بدلال وحنان: هل اكتملت الطقوس السحرية؟
- بل اكتمل الحلم .. فقد حلمت بهذه اللحظة دهرا، بكل التفاصيل .. هذه ليلتي .. ضوء الشموع، نسيم البحر يهب من الشاطيء البعيد .. وأنت وأنا .. والسحر من عينيك يلون الكون حولي بلون الحنين، فقولي الآن ما طاب لك أيتها الأميرة
- رسالة وصلتني من السماء
- لتقبلي الزواج مني؟
- رأيت "يسوع" في حلمي، أو ربما كانت أيقونة ليسوع، لكنه حدثني .. أو هكذا خيل إلي
- أدركتك عدوى الأحلام إذا؟
ضحكت بدلال رائق كعسل مصفى وهي تقول: لكن محتوى حلمي كان واضحا جليا، عبارة من كلمتين .. الله محبة، أعقبها صوت الراهبات يترنمن بنشيد الأنشاد: "إنْ كُنتِ لا تَعرِفينَ أيَّتها الجميلةُ بَينَ النِّساءِ، فاَتْبَعي آثارَ الغنَمِ، واَرعَي جداءَكِ هُناكَ عِندَ مَساكِنِ الرُّعاةِ"[2]
يغمض عينيه ليتذكر بقية النشيد فيتمه لها قائلا: "كفرَسٍ أنتِ يا حبيبتي في مَركباتِ فِرعَون، ما أجملَ خدَّيكِ بالحِلي وعُنقَكِ بِعُقودِ الخرَزِ"[3]
نظرت في عينيه الوالهتين وهي تقول: لم تكن السنوات أقل قسوة علي منها عليك، كنت كمن غطت عينيها بكفيها لتتخبط في الظلام، وهي عاجزة عن اتخاذ القرار برفع كفيها ورؤية النور
- وجاء النور مع الرؤيا؟
- الحلم مجرد دعم روحي جاء في وقته، جاء من داخلي، من عقلي ووجداني الذي تمناك دهرا، فأمس .. شعرت به بقوة .. كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بوجوده الطاغي في كل شيء حولي، كنت أبحث عنه بعقلي فلم أهتد لطريقه، لكن قلبي هداني، فعرفت الله
- كنت واثقا منذ اليوم الأول أن هذا سيحدث
- كيف؟
- كان ما يفصلك عن الإيمان هو لحظة وجد، وفيها تشعرين الله في قلبك كحال "ابن عربي" يوم قال "ليس بجوهر متحيز فيقدر له مكان ولا بعرض فيستحيل إليه البقاء ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهات والأقطار، مرئي بالقلوب والبصائر"[4]
اقتربت منه فوضعت خدها على خده وهمست في أذنه: انهارت مقاومتي، أمنية اقتحمتني وملكت على كياني وأنا أقرأ مقالك في هدأة الفجر، تمنيت أن أكون زوجتك وأما لطفلك، كل شيء كان ذا قيمة عندي رأيته يتضاءل فجأة، وتكبر أنت بقلبي على حسابه، ووعدي لأمي كان أول ما تضاءل وهان بقلبي
- كنت أنتظرك، وكنت واثقا أن ربي لن يخزيني فيك يا مريمي، فقد طلبتك منه خمس مرات في اليوم والليلة
- والآن وقد أتيتك رافعة رايتي البيضاء، ما خطتك؟
ارتسم الجد على ملامحه كأنه يذيع خطة عسكرية وقال: سنتصل بعزة حتى تستعد، وفي الصباح نتجه للقاهرة ونصحبها لنشتري خاتم الزفاف، وفي المساء نتم العقد الشرعي فنصبح زوجين أمام الله، الاثنين القادم نطلب إفادة بحالتك الاجتماعية من سفارتك، وحين تأت الإفادة نأخذها لوزارة العدل في لاظوغلي بقسم زواج الأجانب ونتم الزواج في يوم واحد إن شاء الله
- كيف عرفت كل تلك التفاصيل؟
- عرفتها لأني كنت أنتظرك
ضربت الأرض بقدميها وهي تمثل التذمر كطفلة وتقول: مازال علينا أن ننتظر أوراقا تأتي من بريطانيا لتفيد أنني لست متزوجة!
- من قال أننا سننتظر؟ بعد تقديم الطلب سنعود لعشنا ونبدأ شهر العسل يا عروسي الرائعة، سنكون زوجين شرعا قبل الزواج المدني
- أحبك
قالتها بسرعة وعفوية، قبل أن تستدرك ضاحكة فتقول: قلتها أنا قبلك! هل تصدق أنك لم تقلها لي صريحة قبلا؟ ربما كان تفسيرك للحرفين بعد اسمي منذ قليل أصرح ما قلت لي، لكنك أبدا لم تقل لي "أحبك" بملأ فمك!
- أحبك .. بل أوحِّدك، وأعظم الحب التوحيد، ربي واحد في السماء، وأنت واحدة في النساء
قالها وهو ينظر بعينيها، قبل أن تقترب منه فتقبل وجنته ويقبل جبينها ثم يتم خطته قائلا: سنقضي يومين في الاسكندرية، ثم نطير إلى دمشق فنكمل أسبوعا من العسل المصفى، وبعدها نطير من دمشق لآربيل ومن آربيل لبغداد
- نعم؟
قالتها بعفوية تملأها الدهشة وقد قطبت حاجبيها فجأة، فشرع يحكي لها عن مكالمته مع "كاظمي" وكيف خطط لاصطحابها معه قبل أن يعرف بقرارها الزواج منه، فهو يعرف كم تتمنى المشاركة في عمل كشفي وبحثي كهذا، قبلته في سرور طاغ وهي تقول: الإشتراك في عمل كهذا هو هدية زواجي الحقيقية يا زوجي الرائع، لهذا سأتغاضى عن عدم خوفك على عروسك من قضاء شهر عسل في أسخن بقعة في العالم
نظر لعينيها نظرة عميقة، ثم قال وشبح ابتسامة يفيض غموضا على شفتيه: ستكونين بألف خير، لولا يقيني من هذا ما طلبت أن أصطحبك معي، أما قلت لك قبلا .. حدثتني عنك الكروم؟ حدثتني عنك النجوم؟ وزهر الفل وهبات النسيم؟ ستكونين بكل خير، وستكون تلك الرحلة نقطة فارقة في حياتنا، هكذا حدثني قلبي، وأنا أصدق كل ما قال قلبي
- تتغلب روحك على منطقك كثيرا يا مؤرخي الحبيب، لكنني أحب ذلك أيضا
- المنطق اخترعته أرواحنا لتخلق مبررا لما تهفو إليه، ولهذا تبقى الروح مهيمنة على المنطق في كل حال، ما تهفو إليه القلوب هو المنطق وهو الحق يا مريمي

No comments:

Post a Comment