كانت الوهابية دعوة إصلاحية في مهدها، متطرفة في صباها، وصولية سلطوية في نضجها، ثم ظلامية مرفوضة من العالم في شيخوختها، أفرزتها الحاجة لتجديد العقيدة بجزيرة العرب، وكانت قد انحرفت في ذاك الوقت نتيجة للأمية المتفشية بين الناس، تحول بينهم وبين الفكر الديني في منابعه، فيصبحون نهبا سائغا للبدع والضلالات، حتى كادت الوثنية تبعث من جديد في مهد الإسلام، فظهرت هذه الدعوة التي كان التوحيد شغلها الشاغل، وفيه كتب مؤسسها "محمد بن عبد الوهاب" مصنفه الأول، فأسماه "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، وقد بقيت دعوة مصلحة ما بقيت دعوة محلية لتأصيل التوحيد في نجد وما حولها، يأخذ منها الناس ما أرادوا ويطرحون منها ما خالف رأيهم، حتى دخلت طرفا في حلف سلطوي فانحرفت لطريق الخوارج، يوم تصور مؤسسها – بكل أسف - أن الخير كل الخير في فرض دعوته على رقاب الناس بالإكراه، وليته اتبع منهج الإمام "مالك بن أنس" حين طلب منه "أبو جعفر المنصور" أن يكتب كتابا يجمع فقهه وما صح عنده من حديث رسول الله ليحمل الناس عليه، فقبل المهمة وكتب الموطأ، لكنه رفض أن يفرض مصنفه على رقاب المسلمين[1]، مصرا على ثقافة التعدد التي كانت عمادا من عمد الفكر الإسلامي القويم
تولى "محمد بن سعود بن مقرن" إمارة الدرعية[2] عام 1727م، لكن طموحه كان أكبر من إمارة صحراوية منعزلة، فعقد حلفا مع مؤسس الوهابية بعد أن استقدمه من العيينة للدرعية عام 1744م فيما عرف باتفاق الدرعية[3]، والذي نص على مناصرة "محمد بن سعود" للمذهب الوهابي، بما في ذلك فرضه بالقوة الجبرية على مناطق حكمه، مقابل دعم شيخ الوهابية لحكم "ابن سعود" للجزيرة العربية كمملكة موحدة، بتوفير الحجة الشرعية التي تؤهله لذلك، وضمان ولاء من له من أتباع ومريدين في أرجاء نجد والإحساء، والأهم من هذا كله أن يقر الشيخ لأمير الدرعية بصلاحية جمع الزكاة قسرا من كافة أرجاء جزيرة العرب بصفته ولي الأمر الشرعي، المؤسسة شرعيته على الحكم بشرع الله، بينما بقية الحكام يخالفون الشرع فلا سمع لهم عند الناس ولا طاعة، وهكذا توفر لابن سعود الدعم المالي والأنصار فضلا عن الغطاء الشرعي لمشروع دولته الموحدة، فضم جيشه بعد هذا الاتفاق نجد والإحساء، وأسكر النصر السعوديين، كما راقهم دور المدافعين عن الإسلام وحماة بيضته، فانصرفت أعينهم من الجزيرة القاحلة إلى العراق الخصب، والذي عانى من فراغ السلطة في ظل الوهن العثماني، وكانت ذريعتهم لغزو العراق هي مناهضة ما أسموه بدعا شيعية والقضاء عليها، فتوجهت حملة بقيادة "عبد العزيز بن محمد بن سعود" لكربلاء والنجف لتدمير العتبات المقدسة الشيعية، فهدموا الضريح الحسيني وذبحوا ألفين من شيعة كربلاء[4]، وترتب على هذه المذبحة اغتيال "عبد العزيز الأول" بيد شيعي عراقي[5] ينتقم لأهله المغدورين، فخلفه ولده "سعود الثاني" في الحكم، وفي عهده امتدت سلطة السعودية الوهابية للحجاز، ونتيجة الفوبيا المرضية من الأضرحة، تجرأ الوهابيون على هدم قبر أم المؤمنين "خديجة" بمكة وهدم أضرحة "حمزة بن عبد المطلب" و"مصعب بن عمير" وجميع أضرحة البقيع مثوى وجوه الصحابة والشهداء، ثم هدموا مسجد السيدة "فاطمة" الذي بني مكان بيتها، وحتى مسجد النبي لم يسلم من هجمتهم البربرية، فنهبوا نفائسه الروحية والتاريخية، وكان بينها تاج "أنوشروان" الذي غنمه المسلمون في القادسية، وسيف ذهبي أهداه "هارون الرشيد" للمسجد، فضلا عن كل سجاد المسجد النفيس وقناديل من ذهب كانت تضيء للمصلين في سقفه، وادعى الوهابيون أنهم باعوا كل هذا وفرقوا ثمنه على فقراء المسلمين[6]! وبلغ السيل منتهاه حين منعوا الحجاج المصريين والشوام من الحج عام 1807م بدعوى أنهم أهل شرك، لوجود أضرحة في بلادهم! وتكرر هذا عام 1810م، استجاب "محمد علي" والي مصر مع هذا الخطب الجسيم للدعوات المتكررة من الآستانة، والتي علمت ألا قاهر لآل سعود غير جيش مصري، فألحت تطلب هذا من والي مصر ومؤسس نهضتها الحديثة، وقد أرسل "محمد علي" ولده "طوسون" على رأس حملة تحركت من مصر عام 1811م، فحققت بعض الإنجازات العسكرية، تصالح "طوسون" بعدها مع الوهابيين على شروط معقولة، لكنهم لم يلتزموا بها وحاولوا التدخل في شئون الحجاز مرة أخرى، فرماهم "محمد علي" عام 1818م بحملة جعل على رأسها أعظم قواده، ابنه الأكبر "إبراهيم" باشا، فكانت الفاقرة! .. استرد منهم نابليون الشرق الحجاز ونجد وحصرهم في الدرعية، ثم أصلاهم فيها وابل المدفعية حتى استسلم السعوديون وسلموا عاصمتهم، فأخلاها "إبراهيم" باشا ثم دمرها رمزا لدمار دولة التطرف، فكان يوم التاسع من سبتمبر عام 1818م هو يوم النهروان الثانية، وفي نهاية الحملة المظفرة - والتي عطلت الزحف الوهابي على العالم العربي والإسلامي لعدة عقود – أرسل "إبراهيم باشا" كبار الأسرى ومنهم "عبد الله بن سعود" وأعيان عائلته لأبيه في القاهرة، فأكرمهم "محمد علي" كما ينبغي للأسرى أن يكرموا، ثم أرسلهم للسلطان العثماني في استانبول، حيث أعدم "عبد الله بن سعود" بعد محاكمته في ديسمبر من نفس العام، وبنهاية العام كانت الحجاز ونجد والإحساء تابعة للدولة المصرية[7]، فعاد القائد الجليل لمصر مظفرا بعد أن فتح الحجاز لكل الحجيج المسلم من جديد، لا فرق فيه بين سني وشيعي، أو بين مصري ونجدي
قامت الدولة السعودية الثالثة بعد المعاهدة الأنجلو-نجدية الشهيرة عام 1915م[8]، فساعدت القوات الإنجليزية أمير الرياض "عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود" على إنهاء حكم الأشراف في الحجاز، ثم وحدت المملكة تحت رايته عام 1925م، حيث قاد الكابتن الإنجليزي "ويليام شكسبير" ثم البريجيدير "جون فيلبي"[9] قواتا إنجليزية مع بعض أفراد القبائل المسلحين، وسمي هذا الجيش مجازا بجيش "ابن سعود"، وهو الاسم الذي يظهر به الملك "عبد العزيز آل سعود" في المكاتبات البريطانية والأمريكية الخاصة بتلك الحقبة، واستمرت مصر في تقديم العون لشعب الجزيرة الذي نسب لآل سعود فأصبح اسمه الشعب السعودي، فاستمرت التكية المصرية تقدم الطعام لفقراء الحجاز على مدار العام فضلا عن الحجيج في الموسم، واستمر طبيبها مصدرا وحيدا للخدمة الطبية الحديثة لأهلها، واستمر الخزان المصري في منى مصدر الماء العذب الوحيد الكافي للحجاج في الموسم، وظل المحمل المصري يحمل كسوة الكعبة كل عام لأم القرى، إذ كانت المشاركة في نسجها شرفا تتنافس فيه بنات العائلات والأميرات المصريات، والشكل الذي ألفه العالم لكسوة الكعبة بلونه الأسود والآيات المشغولة بخيوط الذهب عليه تصميم مصري
حين استقر الأمر لحلفائهم من آل سعود عام 1925م، أعاد الوهابيون ما اقترفوه في نهايات القرن الثامن عشر، فهدموا قبور السيدة "خديجة" والسيدة "آمنة" أم الرسول بعد أن كان الأشراف قد أعادوا بناءها، وردموا غار حراء وسدوه بالحجارة! قاموا بهذا بغير إذن الملك "عبد العزيز" الذي صرح بحزنه على هذه الآثار الروحية، ووعد بإعادة بنائها، لكنه لم يفعل أبدا! لأنه مقيد بحلف أجداده مع الوهابيين من نسل "محمد بن عبد الوهاب" المسمون بآل الشيخ، مما جرأ الوهابيون على المضي قدما فاعتدوا على المحمل المصري عام 1926م بإطلاق الرصاص عليه، فسارع الأمير "سعود بن عبد العزيز" لزيارة الملك "فؤاد" ملك مصر في القاهرة معتذرا عن هذا السفه الوهابي[10]
واستمرت التفاعلات بين مصر والسعودية، فكان صراع الستينات حين كانت مصر مناوئة للسيطرة الأمريكية على موارد النفط العربي في الخليج، صراع مرير حاربت فيه مصر كلا من السعودية واسرائيل في ذات الوقت عام 1967م[11]، ثم جاء شهر العسل المر في السبعينات، حين أصبحت أمريكا حليفا مشتركا يملك 99% من أوراق اللعبة، وقارب الحلف المخابراتي الشيطاني المسمى بنادي السفاري[12] بين مصر "السادات" وسعودية "فيصل"، فسمعنا أن أخانا "فيصل"[13] يستشار في أمور الدولة المصرية! وبدأ تصدير الوهابية لمصر مع طوفان عقود العمل للفئات غير المتعلمة والنصف متعلمة، ممن سهل غسل دماغهم وإعادة شحنهم للوطن بجلباب قصير وشماغ ولحية وفكر معوج! كل هذا فضلا عن طوفان الشرائط والكتيبات المجانية التي ملأت الأرصفة ورفوف المكتبات ومازالت، وهكذا تم إجهاض المقاومة المصرية لأمركة المنطقة، بل وإجهاض النهضة الحديثة التي بعثتها الثورة اقتصادا وسياسة وفكرا، فإذا بنا نعيش في زمن ينكر فيه مصريون من مريدي النفط علاقة الاستعمار بعروش البترول، فيدافعون عن تلك العروش ويدعونها حامية للعروبة والإسلام، فليتهم يسمعون "جون فيلبي" ضابط المخابرات الانجليزية والعقل المخطط لقيام الدولة السعودية الحديثة وهو يقول "أصبحت مهمتي المكلف بها هنا بعد مقتل الكابتن شكسبير قائد الجيش السعودي، هي الدعم والتمويل والتنظيم والتخطيط لإنجاح ابن سعود في مهمته"[14] ، وليتهم يقرأون ما كتبه "حاييم وايزمان" رئيس اسرائيل السابق في مذكراته "إنشاء كيان سعودي كان مشروع بريطانيا الأول[15] في المنطقة"، أو يعون قول "ونستون تشرشل" في مذكراته "أريد أن أرى ابن سعود سيداً على الشرق الأوسط، ومتى أمكنني التنسيق مع روزفلت لتحقيق هذا فليس هناك مستحيل حين نعمل لتحقيقه معا"[16]
ومن نافلة القول أن فصائل وجماعات الإسلام السياسي كانت عراب شهر العسل المر بين الأرضين، والحليف المخلص للعروش البترو-أمريكية، وكان دورها في تغيير المجتمع حيويا لتضمن قوى اليمين المتطرف عالميا ألا تخرج من مصر ثورة جديدة تجابه خططهم بمقاومة عنيدة، وتلهم الشعوب التابعة بإلقاء نير التبعية من عنقها كما فعلت مصر الخمسينات والستينات .. وكم تشبه الليلة البارحة؟ التطرف وملاك الحقيقة المطلقة[17] هم ذاتهم في النهروان وحروراء والدرعية والرياض والزاوية الحمرا وإمبابة وجبال أفغانستان، لكن من لنا اليوم بيقين "علي بن أبي طالب" أو عزم "إبراهيم" باشا؟ ولو حدثت المعجزة وولد بيننا القائد، فهل تتوفر له الإمكانات لمواجهة الخوارج الجدد وحلفائهم؟ في إجابة هذا السؤال تكمن مأساتنا، نحن أهل الأرض الواقعة غرب البحر .. كانت هذه يا سادة حكاية أرضين يفصل بينهما بحر!
بهذه العبارة أنهى مقاله الذي كتبه لفوره على اللابتوب، ثم أغلقه ليكتشف أن شايه أصبح مثلجاً، فطلب من النادلة تغييره، وانتبه لأنه أهدر قرابة الساعة في كتابة مقال من وحي مسجد "إبراهيم" باشا، لا يحتاج للمقال ولن يتمكن في الأغلب من نشره، فنشر المقال في أي جريدة سيوقف توزيعها في العديد من الدول العربية، والأهم أنه خرج من بيته لغير هذا! لكن .. هذا هو "علي"، رجل يركبه عقله ويحركه، ولا يستطيع لهذا الفارس القابض على لجامه إلا طاعة وخضوعا!
هكذا كان يفكر بينما نادلة شابة تصب له الشاي الساخن في كوب زجاجي، شكرها ثم أشعل سيجارة، وعاد بأفكاره للأمر الذي دفعه للخروج، لقد بدأت الأحلام في لندن حين وصل ببحثه للمرحلة الثالثة من طرحه التاريخي، كانت أول ليلة يرى فيها الإمام "علي" في نومه هي الليلة التي انتهى فيها من كتابة بحثه عن السياسة الاقتصادية لأبي بكر و"عمر" وتوافقها مع سياسة "علي" في خلافته، وتوافق الثلاثة مع السياسة النبوية، في تلك الليلة رأى في نومه الإمام "علي" يصافح شيخا في ستينات العمر ويربت على عضده بود ظاهر وصفاء، فرسخ بذهنه أن هذا الشيخ هو أحد الخليفتين "أبو بكر" أو "عمر" رضي الله عنهما، ثم غلب على ظنه أنه "عمر" لطول قامته، الإمام والفاروق يقفان في صحراء واسعة، ويطول بينهما الحديث، فلماذا في هذه الليلة تحديدا رأى هذا الحلم؟ لقد اعتبره وقتها نتيجة لنشاط عقله الباطن، فهو يرى أن عداء الإمام "علي" للشيخين فرية تاريخية، ولهذا صور عقله اللاواعي الإمام مصافحا أحدهما، لكن اليوم وبعد أن طالت الأحلام وتعددت، أليس له أن يعيد النظر في هذا التأويل المبسط لحلمه؟ لقد ربط الحلم بالنقطة التي تناولها يومها عن السياسة الاقتصادية للشيخين، لكنه في ذات اليوم وفي معرض بحثه لذات المرحلة، تناول دور الخوارج فيها، فهل يكون الحلم تعزيزاً لهذه الرؤية؟ لماذا ترتبط أحلامه بالخوارج والأمويين تحديدا وبمعارك الإمام معهما؟ لم يحلم بمعركة الجمل[18] مثلا، فهل هناك رابط مباشر بين الخوارج والأمويين؟ بين المتطرف دينيا والبرجوازي بلغة زماننا؟ هل كان التحالف قديما لهذه الدرجة؟ أم أنه متأثر بأفكار مقاله الذي كتبه تواً عن تحالف الوهابية مع الاستعمار الاقتصادي الأنجلو-أمريكي؟ كل الاحتمالات ممكنة، لكن استمرار الأحلام حول الخوارج والأمويين يدعم الربط بينهما، فالشر أمه واحدة!
...
(22)
شرخ في محور الشر
على حافة الفراش جلس الشاب الأسمر منطويا على ذاته، يدفن رأسه بين ركبتيه، خليجي في مطلع العشرينات من عمره، عارِ إلا من بوكسر[19] صغير مخطط بألوان العلم الأمريكي، تحتل النجوم التقليدية فيه المساحة فوق إليته اليمنى، يشي اهتزاز جسده النحيف ببكاء صامت، ويظهر خلفه "زياد" ممددا فوق الفراش بجذعه العاري، بينما تغطي البطانية الصوفية الرقيقة بقية جسده، صامتا يدخن سيجارا وهو غارق بعرقه، تمر دقائق قبل أن يرمق الشاب ويقول بضيق ظاهر: لماذا تبكي؟
- وهل تتوقع أن أرقص طربا لما حل بي؟
قالها الفتى بعد أن رفع رأسه قليلا وانحرف بها جهة اليسار ليسمعه "زياد" الذي أجابه قائلاً: أنت مرهق فقط، هذه أمور تحدث و ..
- لكنه اليوم الثالث، لست أنا .. لم يحدث لي هذا أبداً
هكذا قال الفتي منفعلا وهو يجهش ببكاء علا صوته، ليزيد من توتر "زياد" وضيقه بالموقف كله، لكنه حاول أن يسيطر على نبرته، فهذا الفتى كان جيدا بما يكفي بالفعل حتى الأيام الأخيرة، وهو لا يكلفه مليما على عكس سلفه، كل ما تكلفه لأجله بعض المساعدة الدراسية، لهذا قال متكلفا الحنان وهو يلمس كتف الفتى من الخلف: أنسيت أني طبيب؟ غدا سآتي لك بعلاج تنسى بعده ..
ينتفض الفتى مع لمسة يد "زياد" واقفا ويرد بحزم وسرعة رغم البكاء: لا غدا ولا بعد غد، سأرحل للأبد، قاتل الله شيطانك
هنا لم يعد اصطناع الهدوء والحنان مجديا، فصارت لهجة "زياد" حادة قاسية وهو يقول: لا داعي لهذه النغمة السخيفة، لم أجبرك على شيء، وتذكر أنك تحدث أستاذك
- لن تسمعها ولن تسمعني ثانية
قالها الشاب وهو يندفع فيلملم ملابسه ويتجه للحمام ليرتديها قبل أن يخرج، فلتذهب درجات العملي والشفوي والبكالوريوس نفسه للجحيم لو كان هذا هو الثمن، هكذا فكر الفتى وهو يستقل سيارته الجي إم سي الأمريكية الحمراء عائدا لشقته المؤجرة في المهندسين، وحين وصل طالب الطب المغترب لبيته، وضع رأسه تحت الماء البارد فترة ليطرد أثر الخمر منها! نوى أن يعود للانتظام في الصلاة، وأن يقوم بالعمرة فور عودته في الإجازة الصيفية حتى يمحو أثر الخطيئة التي عاشها مع أستاذه الجامعي الهلوك، فقد ارتكب ذنبا كبيرا يهتز له عرش الرحمن، فعلها مرة منذ سنوات عندما خرج مع رفاقه للبر[20] ثم تاب واعتمر كما نصحه شيخه وقتها، ولم يعد إليها حتى أغواه هذا الشيطان، أغرته فكرة مضاجعة أستاذه المصري، وشعر كأنه ينتقم من مدرسه المصري في المدرسة المتوسطة، والذي كان يسخر منه حين يتعتع في اللغة العربية، لم يتصور أن يكون انتقام الله منه فادحا لهذه الدرجة
في هذا الوقت، كانت "عزة الإمام" في بيتها بالمنيل قد صنعت لنفسها كوبا مترعا بعصير الليمون الذي تحبه، واستلقت على أريكة الأنتريه العتيقة من طراز لويس الرابع عشر، أمامها على طاولة الأنتريه نسخة من رواية "مدن الملح"[21]، وفي يدها كتاب تقرأه للمرة الثالثة، "شرخ في محور الشر" هو كتاب نشر لأخيها عام 2003م بعد الغزو الأمريكي للعراق، ذبحه الألم مع أحداث الغزو فسجل صراخه في هذا الكتاب الذي نشره في لبنان حين أعجزه النشر في مصر، فقد شعرت بحاجتها لمراجعة بعض النقاط في كتاب أخيها وهي تقرأ "مدن الملح"، أو لعلها اشتاقت كلماته بعد أن طال غيابه في الإسكندرية، بلد المحبوب كما كانت تقول له مداعبة، بعد أن قرأت ما أرادته من نقاط في فصل الكتاب الخامس بعنوان: المظهر الإسلامي والجوهر الأمريكي في حياة المدن النفطية، عادت لتقرأ مقدمة الكتاب التي تكاد تسمع صوت "علي" ينطق بها
...
"كانت طائرات الإرهاب التي صدمت مركز التجارة وصفعت كبرياء البنتاجون تابعة بالفعل لمحور الشر كما قال الرئيس الأمريكي، لكن هذا المحور يبدأ من الساحل الشرقي للولايات المتحدة ذاتها، حيث تقع مؤسساتها الاقتصادية المتعملقة التي تحكم العالم، ثم يمتد عابرا المحيط الأطلسي ليأخذ راحة ترانزيت قصيرة في لندن، قبل أن يتجه للجزيرة العربية، ومنها تتفرع منه روافد صغيرة لمصر والأردن والسودان، لتغذي جماعات الإسلام السياسي في هذه البلاد، وقبل 1979م كانت المحطة التالية للجزيرة هي إيران الشاه، أما اليوم فمحور الشر يتخذ طريقه مباشرة نحو مركز الدعم اللوجيستي في كراتشي، مدينة المال والتجارة الباكستانية، والتي طالما تعاونت على استحياء مع الحلف الذي تقوده أمريكا، ثم يصل إلى محطته الأخيرة في كابول، حيث مفرخة الإرهاب التي صنعتها أمريكا في الماضي لاصطياد السوفييت، فقد تطلب تكوين هذا المحور جهدا كبيرا بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهايات السبعينات، حتى صار كأفعى أسطورية، ثم بدأ التوتر يظهر عبر جسد الأفعى الممتد والمتعملق في الثمانينات والتسعينات، فكأي تحالف يقوم على المصالح بغير مبدأ أو قيمة مشتركة، كثرت الانقسامات الداخلية والصراعات الطرفية في محور الشر ذاك، حتى وقعت الواقعة في الحادي عشر من سبتمبر، وانقلب ذيل الحية ليلطم رأسها، فما كان من أمريكا إلا أن قصفت مفرختها الخاصة في أفغانستان، ثم استدارت تصرخ في وجه السعودية - والتي انتمى اليها أغلب مرتكبي جريمة سبتمبر - قائلة: إن الوهابية السعودية هي السبب، فدافعت السعودية عن وهابيتها، وأجابت على الأمريكان قائلة: بل جماعات الإسلام السياسي في مصر وغيرها، والتي طلبتم منا رعايتها منذ الستينات وحتى اليوم هي السبب، وخرجت تصريحات وزير الداخلية السعودي بمثابة اعلان رسمي لنهاية شهر العسل بين هذه الجماعات وبين السعودية، إذ أعلن وزير الداخلية الجالس على كنوز المعلومات أن الإرهاب في الشرق الأوسط وما سمي بالإرهاب الإسلامي في العالم هو الافراز المباشر لتلك الجماعات"[22]
...
وضعت "عزة" الكتاب مفتوحا على الطاولة وأطرقت في وجوم طفيف، أكثر ما يضايقها أن يلصق فرد أو جماعة سلوكه بالدين ظلما وعدوانا، ربما لتجربتها الخاصة وربما لما شهدته في العشر سنوات الأخيرة من تحور مرضي في المجتمع، رفعت كوب العصير لتجرع ثمالته قبل أن تقوم لتصلي العشاء وتنام مبكرا كعادتها، عن هذا كانت تقول: أنا كمصر التي رأيتها وأنا طفلة في قرية أبي، سمر قصير بعد العشاء وبعده تنام لتقوم مع أذان الفجر، فتملأ البيت برائحة الخبز الساخن وتغسل هموم الدنيا بصفاء الحليب، ثم تملأ أرض الحقل بالبذور التي تطرح الخير غدا وبعد غد
في شقته التي خصصها لمجونه في مرتفعات القطامية، استلقى "زياد" على ظهره في سأم وفي يده كأس الفودكا الممزوجة بعصير البرتقال، يفضلها لأنها لا تترك رائحة قوية في الفم، كان يواسي نفسه لخسارة الفتى، فلم يعد الصيد من المحلات العامة والشوارع ولا ارتياد مقاهي الشواذ في مصر الجديدة أو المعادي مناسبا له منذ سنوات، فعليه الاعتماد على الصدفة لتلقي أمامه بمن يصلح، وهذا يعني شهور من الحرمان، ربما عام أو أكثر، فقد شارف على الخمسين ولم يعد يجد من يقبل بسهولة، سحقا لهذا الغبي الذي ارتعد مع أول منعطف وقرر أن يتركه .. سحقا لكل شيئ
...

No comments:
Post a Comment