Thursday, September 18, 2008

انهيار برج بابل- 35-36

(35)
اغتيال رؤية

الجمعة، الحادي و العشرون من سبتمبر
في الصباح، تناولا فطورا مهجنا من أصناف سورية ولبنانية، مناقيش الزعتر وجبن قشقوان بزيت الزيتون، وجبن حلومي مقلي، فضلا عن الكنافة النابلسية، كانت إذاعة المطعم الداخلية تذيع أغنية من التراث السوري تقول كلماتها: "لعبوا الفرسان ع خيول الأصايل .. والملعب لان لحلو الخصايل" فاستدعت كلمة الفرسان إلى ذهن "علي" حلم الليلة الماضية، حتى في ليالي زفافه الأولى لا يريد طيف الإمام أن يفارقه؟ وقد شهدت ليلته الماضية جوانبا من أم معارك الفتنة الكبرى، صفين
...
رأى الإمام "علي" يدعو الله وهو يلبس لأمته للحرب فيقول "اللهم إن أظهرتنا على عدونا فجنّبنا البغي وسدّدنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة، واعصم بقيتنا من الفتنة"[1] ثم رآه وقد اصطف الجيشان وتهيأ الناس للقتال، يخرج فيقف بين الصفوف، ويدعو "معاوية" للمبارزة حتى لا يقتتل الناس بينهما، فلا يجد مجيبا[2]، فقد ضربت لمعاوية خيمة في مؤخره جيشه، ليقي نفسه بجيشه لو جد الجد، ثم رأى الإمام وقد التقى الجمعان، ممتطيا صهوة جواد أدهم[3] وممتشقا سيفه "ذو الفقار"، فكأن الشمم والإباء والشجاعة تجسدوا جميعا، فكانوا فارسا نبيلا يدافع عن الحق كما علمه، يوغل في صفوف العدو بجرأة من اتخذ على الموت عهدا، يردد بينهم عبارة ذات صدى، كأنها تتردد في صدره قبل أن تخرج من فمه: "أقاتلكم على تأويله كما قاتلكم النبي على تنزيله"[4]
...
سألته "ماري" عما شرد فيه، فلم يرد أن يخبرها بحلمه حتى لا يزعج عروسه بحلمه الدامي بعد ليلة عشق من ليالي الجنة، لكنه أراد ألا يكذبها، فاختار التعبير عن حلمه رمزا، وقال: ذكرتني الأغنية عن الفارس حلو الخصال بمثل شامي يقول "الرجال عند أغراضها نسوان" - مع كامل احترامي للنسوان - فالغرض حين يتمكن من الإنسان يصبح كمرض حل بعقله، فيجعله يرى الحق باطلا والباطل حقا، ولطالما كان تاريخ البشر في مجمله صراع بين أهل الرؤية وأهل الغرض، بين رؤية التطور والنماء والحب، وأغراض المال والسلطة والنفوذ، عذرا للمثل المناهض للمساواة
ردت عابثة وضحكاتها الهادئة تتخلل كلماتها: مثل متوقع من العقلية العربية بتكوينها الذكوري
- هذا تعميم مخل، فوضع المرأة هنا في سوريا اتسم دوما بالمساواة مع الرجل، حتى في زمن الاحتلال العثماني المتفنن في قهر الحريم، لم يكتسب الرجل السوري تراث قهر المرأة من الترك
- بسبب الأصل الفينيقي، فقد اشتهرت المرأة الفينيقية في العالم القديم بقوة الشكيمة وعظمة أثرها في مجتمعها، و"بيير هوبك" يقول في هذا قولا جميلا مفاده أن الرجل الفينيقي لم يكن يتزوج المرأة .. بل يقترن بها
- لكن هذا ليس محدودا في سوريا، فللسودانية والتونسية كذلك وضع اجتماعي مميز نتيجة لتراث شعبي مختلف، فليس كل التراث الشرقي مجحف للمرأة، في حالة تونس مثلا تأثر وضع المرأة إيجابا بطبيعة المجتمع الزراعي، وبتميز مكانة المرأة عند البربر، فبعض المؤرخين اعتبر البربر مجتمعات شبه-ماترياركية[5]، وتعريب تونس بالكامل لا ينفِي جذورها الحضارية البربرية
- أحبك
قالتها وهي تميل لترتكز على حافة الطاولة بذراعيها، مغيرة دفة حديث التاريخ الذي طال، فابتسم خجلا وقال: آسف للحديث عن التاريخ على مائدة الإفطار، لكني حين أحدثك أجدني مسترسلا كأني أفكر وأحادث نفسي .. فقد توحدت معك يا .. يا أنا
- كم تمنيت أن أكون شاعرة لأعبر عن خفقات قلبي مثلك
- عيناك تعبران يا مريمي، وإنما أحاول أن أكسب كلامي مذاقا لعله يجاري بلاغة عينيك
- حسن جدا
قالتها بلهجة مزاح متوعدة، وهي تقوم مرتكزة على الطاولة بينهما، وتميل بجزعها عبر الطاولة، لتمسك برأسه وتقبله قبلة خاطفة، ابتسم وهو يداعب شعرها بيديه، فقالت وهي تعود لجلستها الأولى: لو كنت تخجل من تقبيلي إياك أمام الناس فلا تتغزل ثانية أمامهم
- فليذهب الناس للجحيم، الجحيم يا غاليتي هو الآخرون كما كان خالك "سارتر" يقول
قالها مداعبا، فسارتر أحد أعمدة الفكر الوجودي الذي كانت والدتها تعتنقه، ضحكت للدعابة بفتور، ثم ذكرت أمها فاربد وجهها سريعاً، فطن لذلك في وجهها، وقرر في نفسه أن عليه ألا يذكرها بوالدتها كثيرا حتى لا يثير بداخلها الصراع القديم، فالفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، فكر للحظة أن يغير الموضوع ليخرجها من الذكرى، لكن السنين علمته أنه شاعر أكثر منه دبلوماسي، وحين يتحدث لمجرد تصحيح ما يفلت من لسانه عفوا، غالبا يقول ما هو أسوأ! .. مرت لحظة قبل أن تستعيد صفاء وجهها وتسأله عن برنامجهما لذلك اليوم، فيجيبها بأنه خطط للمرور على قلعة دمشق سيرا على الأقدام ثم زيارة ضيعة يقضيان بها بقية اليوم، ولما احتجت على إهدار يوم كامل بمكان واحد في تلك الزيارة القصيرة، وعدها بأن يمد الزيارة يوما لو لم يرق لها المكان، بدا واثقا وهو يعدها بينما بدت هي غير مقتنعة بالفكرة المهدرة للوقت، وانطلقا نحو القلعة
فريدة هي قلعة دمشق، ممتدة التاريخ من العصر الروماني قبل الميلاد وحتى اليوم في غير انقطاع، بنيت بعقلية المدينة-القلعة، فاختار لها الرومان هذا السهل المنبسط في مستوى المدينة، وخلال زيارتها أخذهما الحديث للسلطان المملوكي "ركن الدين بيبرس" الذي استخدم هذه القلعة يوما، فقد كانت "ماري" معجبة به، بينما كان لعلي العديد من التحفظات عليه، أهمها اعتلائه كرسي السلطنة على جثة المظفر "سيف الدين قطز"، كانت "ماري" تنتقد في "علي" دوما نزوعه لعواطف شبه شخصية نحو الشخصيات التاريخية، وكانت ترى في هذا عيبا خطيرا فيه كمؤرخ، أما هو فكان يرى أن المؤرخ إنسان لا يستطيع تحييد مشاعره في تقييم الحدث أو الشخصية التاريخية، فأمانته ألا يخفي أو يبرز في رواية الحدث وفقا لهواه، أما تحليل الحدث وشخوصه المحورية فمنطقي أن يعكس مجمل قناعاته الذاتية، وحين خرجا من القلعة متجهين نحو ساحة انتظار السيارات ليستقلا تاكسيا كان يقول: التاريخ يسجل عبر عيون المؤرخ، ويتأثر بقناعاته دوما، لهذا نحتاج للمقارنة بين نصوص مختلفة لتحصيل رؤى مختلفة للحدث والخروج بقناعاتنا الشخصية حوله
- أرى حكمك على "بيبرس" بالانتهازية غير موضوعي تماما، فهو ابن زمنه وبيئته كما تقول أنت دائما، المماليك كانوا يقتلون بعضهم بعضا كما يتنفسون[6]! و"ٌقطز" ذاته شارك في قتل الأتابك "أقطاي"، فعلى أي أساس نصنف "قطز" بطلا و"بيبرس" ميكيافيلِّيا؟
- كانت آفة المماليك قتل بعضهم بعضا كما يتنفسون .. هذا صحيح، كان هذا شأنهم قبل اللحظة الفارقة التي هددت فيها جيوش "هولاكو خان" مصر، فارتفع "قطز" لمستوى اللحظة وعفا عن المماليك المتهمين بقتل أستاذه "أيبك"، وعاهدهم على توحيد الجيش تحت قيادته لمواجهة الغزو على أن يتنحى عن السلطة بعد المعركة ليختاروا من يريدون عليهم سلطانا، ثم تنازل عن جميع ممتلكاته لصالح المجهود الحربي قبل أن يطالبهم بالتبرع له، وشارك بنفسه في القتال في الصفوف الأمامية، فحقق الله على يديه النصر، وظن أن نفوسهم قد تطهرت من الصغار مثله فصاروا إخوانا، لهذا خرج معهم للصيد منفردا بغير حرس، لكن كل هذا لم يثنِ "بيبرس" ورفاقه عن عزمهم الغادر، فقتلوه وبايعوا "بيبرس" سلطانا ليوزع عليهم الإقطاعيات مكافأة على وصوله لكرسي السلطنة[7]، لهذا ينتمي "قطز" لأصحاب الرؤى الكبيرة في الحياة، وقد حقق ذاته بتحقيق هدف كبير هو حماية مصر والبشرية من خطر التتار، أما "بيبرس" فينتمي لمدرسة الغرض، وطريقه لتحقيق الذات لم يتجاوز السلطة والثروة فتآمر للوصول إليهما مع من يبيعون ولاءهم بالمال، فكان وصوله للحكم بيعا لا بيعة
- فكرة أهل الرؤية وأهل الغرض هذه دواليزمية[8] جدا، والدنيا ليست خيرا وشرا .. ليست أبيض وأسود، فبينهما طيف واسع من الدرجات الرمادية
- الرؤية والغرض أعبر بهما عن الخطوط العريضة في حياة الإنسان، لكنهما ليسا نقيضين بنقاء الخير والشر، فرؤية "قطز" مثلا لم تعصمه من المشاركة في خطأ إغتيال "أقطاي"، وأغراض "بيبرس" لا تنزع عنه شرف مواجهة التتار والجيوب الصليبية في الشام، الفارق أن رؤية "قطز" التي اغتالوها معه كان من شأنها تغيير مصير دولة اللماليك البحرية كلها، خصوصا فكرته في التخلي عن السلطة وتطبيق مبدأ البيعة بالاختيار بين عدة مرشحين لكرسي السلطنة
- مازلت غير مقتنعة
- لماذا أشعر أنني منذ تزوجتك فقدت قدرتي على الإقناع؟
قالها مازحا وهو يربت على كتفها قبل أن يتركها ليتفاوض مع سائق التاكسي، وحين سمعت اسم المكان الذي يتجهان إليه من حديثه مع السائق، دق قلبها بشدة وتغير رأيها في الفكرة تماما، وابتسمت بكل خلية في وجهها الجميل، فما أن انتهى زوجها من التفاوض ودعاها للركوب حتى نظرت إليه بود غامر وشكرته على المفاجأة التي اختارها، فقد كانت وجهتهما هي ضيعة معلولا الساحرة، أجابها زوجها بأن خبيرة لغة آرامية تزور سوريا لابد لها من قضاء يوم في هذه الضيعة التي فرت من يد الزمن!
...

(36)
مخرج النجاة

معلولا ضيعة مسيحية تبعد قرابة الستين كيلومترا عن دمشق، فوق هضبة مرتفعة عليلة الهواء، وهي المكان الباقي فوق الأرض الذي يتحدث الناس فيه باللغة السريانية في حياتهم اليومية، لغة المسيح المميزة آرامية المصدر التي تميز المذهب السرياني حتى اليوم، فغير معلولا لا توجد سوى جماعات إثنية متفرقة في العراق وتركيا وغيرهما تتحدث السريانية، لكنها لا تكون مجتمعا كاملا كهذه الضيعة الرائعة
وحين كانت السيارة تجتاز المروج الخضر حول دمشق، ربتت "ماري" على ساق "علي"، فقبل باطن كفها بإعزاز وهو يقول: اليوم تكونين أنت دليلنا، فمعلولا تقع في نطاق تخصصك أكثر
- لدي فكرة عن تاريخ المكان بالطبع، لكن تذكر أنني متخصصة في اللغات وليس التاريخ، فلا تتوقع الكثير
- كلي آذان صاغية
- القرية ضاربة في القدم، مسكونة قبل ميلاد المسيح، حين كان اسمها سركوبوليس أيام الرومان، والدير الأساسي بها هو دير تقلا البطريركي، والذي كان بدوره معبدا وثنيا كالمسجد الأموي وهيا صوفيا، وهناك تلك النقوش المميزة داخل الكهوف، الباقي سأتذكره حين أرى المكان
من بعيد بدت جبال قلمون وعلى قممها تستقر الثلوج البيضاء، مرت ربع ساعة أخرى على طريق جبلي قبل أن تظهر بيوت معلولا البيضاء بعمارتها المميزة من بعيد، وبعد لحظات كان العروسان يغادران السيارة نحو القرية الوادعة، فأخذا يصعدان ممرا جبليا معبدا بحجارة بيضاء، تسارعت أنفاس "ماري" قليلا، مقارنة بحركة صدر "علي" العنيفة صعودا وهبوطا، والتي جعلتها سنون التدخين متسارعة مع كل خطوة، تذكرت شيئا فانطلقت تقول: لفظة معلولا تعني مخرج النجاة، وسبب التسمية غير معروف، لكن يرجح أنه بسبب الممر الجبلي فيها، يردد الرهبان أن بركة الرب شقته في الجبل كمهرب للقديسة "تقلا" من مطاردة الرومان، فصار مخرجا للنجاة، وعمارة البيوت المبنية في قلب الصخور فيها تتميز بارتفاع موحد، فلا يرتفع أي بيت عما حوله أكثر من ارتفاع طابق واحد، وذلك أنهم يعدون أسطح البيوت ملكية عامة كالشارع يستخدمها الناس للتنقل بلا قيود، فتصبح بمثابة دور ثان للضيعة الجبلية يتميز بسهولة السير عليه مقارنة بالممرات الجبلية الوعرة
أشارت بسبابتها نحو شق جبلي يبدو مظهره غريبا بالفعل، وإن كان حدوثه في الجبال يحدث طبيعيا بغير خوارق، وقالت: هذا هو الشق الجبلي، أعتقد أن الطريق للدير من هنا
- نعم
قال "علي" و هو ينظر لها بإعجاب لأنها استنتجت جغرافية المكان في أول زيارة له، بينما سألته هي: هل زرت الضيعة من قبل؟
- نعم
- ومع ذلك تركتني أشرح كل هذه التفاصيل التي لابد أنك سمعتها من قبل؟
- بالعكس، كنت مستمتعا جدا بمتابعة شرحك
- لا بأس، من أين نصل لدير تقلا؟
- من هنا كما استنتجتي تماما
وصلا للفج الصخري الضخم الذي يشق طريقا في الجبل بين جانبين، وفيه حفرت بيوت، عاشت القديسة "تقلا" في واحد منها فرارا بدينها لهذا المكان النائي، ثم تفجر الماء من سقف البيت الصخري الذي سكنته، فظنه الناس شافيا من الأمراض ورددوا عنه المعجزات
دلفا لدير تقلا أسفل الفج الجبلي، كان تردد اللغة الآرامية حولها بين الناس يسبب لماري شعورا رائعا، فتسري بجسدها قشعريرة إثارة ودهشة، وكلما شعرت بهذا أثناء اليوم كانت تضغط على يده في امتنان، فلو كانت معلولا لكل شخص تجربة رائعة، فهي بلا شك لمتخصصة الآرامية تجربة فريدة ولحظات لا تتكرر في العمر كثيرا، تماما كدارس لتاريخ الفراعنة يجد نفسه فجأة في الأقصر عام 3000 قبل الميلاد! .. حين دلفا من بوابة الدير، أخذت تترجم له ما تسمعه بالسريانية حولهما، وكان معظمه دعوات من أجل الشفاء أو رد الغائب وما إلى ذلك، فقد اعتاد الناس طلب شفاعة القديسة ورفاتها المدفون بالدير لقبول الدعوات، ويبدو أن واحدة ممن يلقون الأدعية كانت تعرف العربية جيدا فقالت بلهجة سورية محببة: عجائب كثيرة تحدث هنا على يدي الطاهرة "تقلا"، وببركة صلوات الآباء، وعجائب أكثر تحدث في دير صيدنايا في طريقكما للشام
- شكرا يا أمي
أجابها "علي" باسما في رقة وامتنان، وحين ابتعدا بخطوات قالت "ماري" معلقة: ظنتنا زوجين مسيحيين لهذا نصحتنا بزيارة دير صيدنايا
- ليس بالضرورة، هنا وفي مصر يزور الناس مسلمون ومسيحيون مساجدا وكنائسا وأديرة يظنون أنها مباركة طلبا للمعجزات، يزورون الأولياء والقديسين بل والحاخامات أحيانا كأبي حصيرة لتحقيق حاجاتهم، فأصحاب الحاجات وصوليون تماما فيما يتعلق بهذه الحاجات، المهم .. ألن تحكِ لي قصة القديسة "تقلا"
- كانت تلميذة صديقك القديس "بولس"
ابتسم وهو يوميء مشجعا لها على الاسترسال، فاستأنفت حديثها قائلة: اضطهدها أهلها فجاءت هنا وعاشت حتى ماتت في التسعين من عمرها
- ولماذا اضطهدها أهلها؟
- بسبب دينها الجديد، لقد كانوا وثنيين
أحاط كتفها بود بالغ وهو يقول: متخصصو اللغات يتعاملون مع سطح التاريخ لا باطنه، وثنية أهلها ليست سببا كافيا للاضطهاد، فالديانات الوثنية متعددة الآلهة لم تكن تضيق بإضافة مقدسات جديدة، واقع الأمر أنها كانت تنتمي لأسرة غنية في أيقونيا، وكانت فضلا عن ذلك خطيبة لشاب من النبلاء، وعندما مر "بولس" بأيقونيا عام خمسين للميلاد بعد سماح القديس "جيمس" له بالتبشير للجينتيلز[9]، وكان بصحبته "برنابا" الرسول، سمعت القديسة واحدة من خطبه التبشيرية، فآمنت وعمدها "بولس" بنفسه، فوهبت بتوليتها للرب وأسرت لأمها برغبتها في فسخ خطبتها لأنها وهبت عذريتها للمسيح، وهنا ثار عليها أهلها وأهل خطيبها من أعيان أيقونيا، فهربت لتلحق ببولس في أنطاكية، لكنها حين وصلتها قبض عليها، وتقول الأسطورة أن حاكم أنطاكية ألقاها للأسود عارية، فسترها الله برداء من نور، ونامت الأسود عند قدميها كالنعاج! لهذا تظهر الأسود دوما في أيقوناتها، ولما رأى الحاكم كرامتها، حررها لتأت هنا وتعيش متفرغة للعبادة[10]
كانت "ماري" تتابعه في دهشة، وغضبها يتصاعد برغم محاولتها ألا يبدو هذا عليها، حين انتهى لم تتمالك نبرة الغضب في صوتها وهي تقول: تعاملني كطفلة وتطلب مني الشرح لترضيني؟ أم أنك أردت أن تختبرني وتظهر لي ضعف معلوماتي مقارنة بك؟
- من قال هذا؟
- لا بأس، شرحك كان مفيدا، لذا سأطلب منك العودة لدورك المفضل كراوٍ للتاريخ
هكذا قالت وهي تتأبط ذراع "علي" الذي أدرك أن موضوع تركها تشرح لمجرد إرضاءها هذا قد ضايقها فعلا، لكنها لم تحب أن تجعله موقفا حادا في شهر العسل، هذا ما يحبه فيها، تعرف كيف ومتي ولأي درجة تقف وقفة لتحدد ما يسرها وما يضايقها بدون تحويل الحياة لمسلسل نكد، وضحت أمرا يضايقها بذكره مرتين متتاليتين بصيغة المرح، في رسالة واضحة وذكية، قال "علي" ليمرر الموقف: هناك نبع مياه يخرج من بين الصخور هناك، فما رأيك في دش بارد؟
أشار للطريق فتقدمته فيه حتى وصلا للكهف الصخري عدواً، فوقفا أسفل نبع المياه الصافية المنهمرة من سقف الكهف وهما يتبادلان دفع الرذاذ، ثم شربا من ماء النبع العذب البارد، الذي يترك في النفس إحساسا عميقا بالنقاء، لا ريب أن إحساس كهذا يساعد على شفاء المريض لاعتقاده في قداسة ما شرب، هكذا فكرت "ماري" فقالت وهي تنظر لعلي بعد أن ارتكنت متأبطة ذراعه ثانية وهما خارجان من المغارة كالخارجين من حوض سباحة، وبعض الزوار العجائز ينظرون إليهما بشيء من الدهشة: هل تصدق موضوع الشفاء بالشرب من ماء مقدس؟ أم تراه مثلي إيحاءً
- إيمانٌ وليس إيحاء
- وما الفارق يا فيلسوفي العزيز؟
- الإيمان تحرير طاقة داخلية جبارة في الإنسان، أما الإيحاء فهو سقوط في بئر الوهم، الإيمان نور والإيحاء ظلام
شرح لها رأيه في أن الإيحاء يحتاج لوجود الوسيط، كراسبوتين الذي كان يبيع الوهم مقابل ثمن مادي أو سلطة أو جسد امرأة، أما الإيمان فهو تجربة فردية بحتة بين الفرد وربه، بغير وسيط، فلما عارضته بأن البعض يخضع للإيحاء بغير وسيط، أسهب موضحا أن الوسيط ليس قاصرا على البشر، بل قد تلعب الأساطير المترددة حول مكان ما أو شخص ما دور الوسيط في التمهيد والايحاء، وقد يلعب الواقعون في الوهم دور الوسيط نحو غيرهم، فأي تمهيد سابق للتعرض المباشر للمكان أو الحدث أو الشخص يعد وسيطا، ثم ضرب مثلا فقال: رويت لمحمد بن سيرين[11] نادرة تبين الفارق بين الإيمان والشعوذة، فقد سألوه في أمر رجل إذا سمع القرآن أو قرأه يبكي حتى يغشى عليه، فقال لهم: ميعاد ما بيننا وبينه[12] أن يجلس على حائط عال ثم يقرأ عليه القرآن، فإن وقع فهو كما قال[13]، وتكمن مهارة "ابن سيرين" هنا في كون أغلب المبالغين في مظاهر الإيمان واقعين بين أمرين، شعوذة مقصودة أو هستيريا، وفي الحالتين سيفيق الموهوم مع الشعور بالخطر فوق سور عالي
- حيلة بسيطة وذكية، لعلكم تحتاجون لتطبيقها مع الكثير من البكائين في فضائياتكم اليوم
- زرت مسجد السيد البدوي في طنطا مع والدي طفلا، فأشار يومها نحو إطار خشبي بجوار الضريح قائلا أنه أثر لقدم الرسول على الصخر، اقتربت من الأثر متأملا، ليلفت نظري خلوه من أي تضاريس لقدم، فضلا عن حجمه الهائل الذي ينم عن عملقة صاحبه، وكنت أعرف أن الرسول كان ربعة بين الرجال، صحت أقول لوالدي ببراءة أنها مزيفة، فوجدت وجوها متنمرة تنظر إلي نظرتها إلى شيطان صغير، فما كان من والدي إلا أن اعتذربأني طفل غرير، ثرت باكيا حين عدنا للمنزل لأنه أهانني بقوله هذا، وحين سألته لو كان ما قلته صوابا أم خطأ قال لي أنه صواب، لكن ليس كل صواب يجوز مواجهة الناس به، فعلينا مخاطبتهم على قدر عقولهم، صدمت هذه الحكمة الحياتية عقلي الطفل، الحكمة التي صورها "يحيى حقي" رحمه الله أروع تصوير
- قنديل أم هاشم رواية رائعة بحق، العلم والحقيقة في غلاف من الوهم يتقبله البسطاء
نظر لها نظره تفيض إعجابا وعجبا وهو يقول: لو أنني تمنيت من الله أن يخلق لي حبيبة كما أريد لما فزت بأكثر منك! لطالما أعجبت بالكثير من عناصر تكوين المرأة الأوروبية، لكنني كنت أرى الخلفية الحضارية المشتركة كذلك جوهرية من أجل التفاهم بين الزوجين، فقسم لي الله زوجة إنجليزية تعرف قنديل أم هاشم، فما أروع ما قسم لي!
دخلا بعد ذلك دير "سرجيوس" و"باخوس"، قائدان رومانيان خسرا مكانتهما ثم رأسيهما عقابا على التمسك بالمسيحية في عهد الإمبراطور "مكسيميانوس هرموليوس"، وانتهيا من هذا الدير سريعا لأنهما لم يجدا ما يسترعي الاهتمام، ثم هبطا نحو بلدة صيدنايا، حيث تناولا غذاء سوريا تقليديا في مطعم جبلي، تكون من ورق العنب والسمبوسك مع كبة السفرجل الحلبية المميزة والقاورمة، ثم استقلا سيارة عادت بهما لدمشق، مدينة التاريخ، مدينة ينتمي إليها رجلان بارزان في تاريخ الأديان، "بولس" الرسول، الرجل الذي غير دفة التاريخ المسيحي، و"معاوية بن أبي سفيان" الذي انطلق منها ليغير اتجاه التاريخ الإسلامي! فما أكبر أثرك على حياة العالم الروحية يا دمشق؟

Wednesday, September 17, 2008

انهيار برج بابل- 34

(34)
يا مال الشام

خرج "علي" و"ماري" من مطار دمشق الدولي فاستقلا تاكسيا إلى فندقهما، وما أن تحرك التاكسي خارجا من زحام المطار حتى بدأت أنسام دمشق المحببة تهل عليهما، لله درك من ساحرة يا دمشق، هكذا كان "علي" يقول إذا تذكرها، اختلف الناس في أصل اسمها، فقيل أنها سميت دمشق لأن من بناها دَمشَقَ في بنائها، أي أسرع، كأن يقال ناقة دمشق أي مسرعة[1]، وقيل بل سميت على اسم "دماشق بن قاني بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح" وهذه خرافة قال بها "ابن الكلبي"[2]، تماما كخرافة "مصراييم"، ودمشق واحدة من أقدم المدن المعمورة في عالمنا، أثبتت حفريات تل الرماد أنها سكنت قرابة عام 6000 قبل الميلاد، وحولها دارت أساطير بلا حصر، فمن قائل أنها كانت مستقرا لنوح عليه السلام لتنافس الكوفة في هذا، لقائل أنها كانت موطناً لإبراهيم أبي الأنبياء لتنافس العراق، غير أنها أقوال مرسلة لا يستقيم عليها دليل، وفي دمشق الحدائق الغناء من أشجار الفاكهة، تتخللها مكونة غوطتان شرقية وغربية، تعرفان بغوطة دمشق، تلك التي وصفها الأقدمون بأنها جنة الله في أرضه، وما كذبوا في هذا ولا جاوزوا الحق، ففيها أطيب هواء وأرق منظر يمكن للعين أن تراه في الوطن العربي بأكمله، تذكر "علي" والسيارة تمر في طريقها بين المروج بيت شعر يقول "سَقى اللّه أرض الغوطتين وأهلَها .. فلي بجنوب الغوطتين شجون" فحاول أن يتذكر الشاعر ولم تغنه المحاولة، وفي غضون أقل من ربع الساعة وصل التاكسي بالعروسين إلى قلب دمشق القديمة، ولها روحها الدافئة الخلابة التي تحسها في المدن العربية القديمة في المشرق والمغرب على اختلاف النسق والمشاهد، روح محملة بعبق التاريخ وذاكرة الزمن وتلاطم أمواج البشر، جاب السائق بهما بعضا من الطرقات المزدحمة الضيقة نوعا، حتى وصلوا لتل الحجارة في شارع الأمين الطويل الممتد، فتوقف السائق أمام مبنى رائع العمارة على الطراز الدمشقي، هو فندق تاليسمان حيث ينزل العروسان، وكان الفندق محببا لعلي لتفرده المعماري وإن لم يرق له اسمه أبداً، فالعمارة الشرقية الفريدة والرونق الدمشقي الجريء الصريح لا يناسبه اسم يعني الطلسم! فليست كالعمارة الهندية الموحية بجو سحري مثلا، لكن هذا لا يقلل روعة الفندق بداية من واجهته الخارجية مرورا بكل مرافقه وانتهاء بغرف النوم فيه، فكلها تتشابك لتشكل تحفة من الفن السوري الجميل، وفضلا عن هذا النسق الفريد، يمتاز الفندق بموقعه في قلب دمشق النابض الذي لم ينم منذ قرون، ولهذا قرر "علي" و"ماري" القيام بجولة في دمشق القديمة بعد راحة قصيرة أخذا فيها دشا منعشا وتناولا وجبة خفيفة من مقبلات شامية في مطعم الفندق، فقصدا أولا لسوق "مدحت باشا" المسمى باسم الوالي العثماني الذي أنشأه، ثم سوق الحميدية الأسطوري الشهرة، ومنه اشترت "ماري" عباءة دمشقية من حرير داكن الحمرة بلون النبيذ، مطرزة بخيوط بنية متعددة الدرجات، ولها منديل للرأس وشال للأكتاف من نفس قماشها، وكذلك علبة مصدفة لتقديم الشيكولاتة، ثم قصدا قصر النعسان، الذي كان صاحبه "جرجس نعسان" كبير أسطوات الآرابيسك والموزايك والتطعيم والمنمنمات في دمشق القرن التاسع عشر، قيل أن النعسان لقبه الحقيقي وقيل أنه سمي كذلك لنعس في عينيه، وفي القصر شاهدا روائع المنمنمات والنسق المعماري الرفيع الذوق، فلم يكن للأثرياء من أسطوات سوريا في ذاك الزمان ما لكبار الأسطوات في زماننا من ذوق مؤسس على ألوان السلاطة الخضراء وأحجام الديناصورات في اختيار الرياش والأثاث
ثم دلف العروسان لحي مئذنة الشحم، حيث مسقط رأس الشاعر العربي الأشهر "نزار قباني"، هناك حدثها "علي" بما خطر له وهو يراها تتهادى في مطبخ الدار ذاك اليوم، وكيف ذكره منظرها بقصيدة "نزار" عن "مايا" التي تحت الدش، ثم ألقى عليها ما أسعفته به الذاكرة من القصيدة الطويلة، فتضاحكا سويا وهما يمشيان عاقدي الذراعين، و"علي" يحيطها بذراعه كمن يخشى فقدها بعد طول اشتياق، سألته باسمة وهي لا تخفي سعادتها بما تسأل عنه: أنوي البقاء إلى جوارك لآخر العمر، فلماذا تضمني بقوة وتتأملني كل حين؟ كأنك تتأكد أننا في حقيقة، أو تخشى أن أضيع منك؟
- ربما لأنك تأخرت كثيرا، فأصابتني عقدة تجعلني أستكثر ما أنا فيه من سعادة لم يألفها القلب أبدا!
هكذا أجابها باسما، ثم ارتجل بيتين من الشعر من وحي اللحظة قائلا:
لا تعجبي من عشقه
من حرص قلب .. كالصلاة أوجبك
فحرصي عليك مريمي
كحرص أب .. بعد العقم .. أنجبك
تعلقت بعنقه في ضمة والهة يحبها منها كحبه للحياة أو أكثر، ثم نظرت بعينيه وهي تقول: لا أجد ما أقوله، وأشعر بالعجز، لكنك توقن كم أحبك، أليس كذلك؟
- لا يجب أن تقولي أي شيء، كم من الرومان صلى للربة فينوس في مجدها؟
- ملايين
- فهل سمعت أن فينوس ردت على صلاة أحدهم فصلت عليه؟
- فينوس! لم أتصور أن يقال لي هذا يوما، فالشقراوات ممن يقضين عشرون ساعة من أربع وعشرين أمام المرآة هن من يشبهن بفينوس، لا باحثات اللغات الشرقية
- لست فينوس وحدها، بل ثلاثتهن معا، فينوس الجميلة وهيرا القوية القادرة وآثينا نبع الحكمة والعبقرية، ولابد أن الراعي المسكين الذي طلب منه أن يختار بينهن قد دعى الله أن يخلصه من حيرته فيجمعهن في واحدة، واستجاب الله بعد آلاف السنين، فولدت أنت يا مريمي
- هل يمكن أن أكون قد مت يوم تأخرت في نومي في بيتك بالإسكندرية؟ ما أعيشه الآن لا يشبه الدنيا التي عشتها بضع وثلاثون عاما!
قبل يدها فرحا وممتنا لسعادتها، ثم توجها للمسجد الأموي، وحين اقتربا من ساحته الخارجية، ظهرت علامات الدهشة على وجه "ماري"، كان المسجد أكبر مما تخيلته كثيرا، وندت منها كلمة تدل على انبهارها وتصفه بالروعة، فعلق "علي": الأروع منه تاريخه، تاريخ توارث الأديان عبر العصور
هكذا أجابها وهما يدلفان لساحة المسجد، ثم استأنف يقول: خطأ شائع في بعض الكتابات المعاصرة يعد عمارة المسجد الأموي نموذجا للعمارة العربية الإسلامية، والحقيقة أنه مؤسس على طراز كنسي، يوم كان كنيسة "مار-يوحنا"[3]، أكبر كنائس دمشق المسيحية يوم فتحها الجيش العربي
حدثها كيف دخل القائد "خالد بن الوليد" المدينة من جهتها الشرقية بقوة السلاح، ولما تردد الخبر فيها، توجه مجموعة من أعيانها لأبي عبيدة بن الجراح، والذي كان على رأس جناح من الجيش يحاصر الجهة الغربية، وعاهدوه على التسليم والصلح، فاعتبر المسلمون أن دمشق فتح نصفها عنوة ونصفها تسليما، وكان عرفهم أن يحرموا سكان المدينة من المكاسب المدنية لو فتحوها عنوة، ومن هذه المكاسب الحفاظ على دور العبادة، أما المدن التي تسلم لهم فكانوا يحافظون لأهلها على كافة دور عبادتهم بل وأحيانا يبقون على حكامهم الإقليميين وموظفيهم، ولما كان وضع دمشق مختلفا، فقد قرروا أن يأخذوا نصف كنيستها الشرقي ويحولوه إلى مسجد، ويتركوا الباقي كنيسة، ويؤمنوا المسيحيين فيها على أربعة عشر كنيس لهم في ربوعها تبقى على حالها، ومن هنا كانت بداية المسجد الذي سمي بالأموي[4] رغم تأسيسه في عهد "عمر بن الخطاب"، لأن "الوليد بن عبد الملك" هو من وسعه وجعله مسجدا خالصا، فقبل خلافته كان المسلمون يصلون في الجزء الذي يعرف اليوم بمحراب الصحابة، فأحب "الوليد" أن يوسعه، وفاوض القسس أن يضيف لعهدهم كنيسة القديس "توما" خارج أسوار دمشق، ويأخذ بقية المسجد مقابلها، فوافق بعضهم ورفض بعض، وقال الرافضون أن من يهدم مذبح الكنيسة سيجن بسحر مرصود، وسمع الوليد بهذا فعلق بقوله "أنا أول من يحب أن يجن في سبيل الله" وضرب أول ضربة في المذبح، ثم صعد إلى المنارة الغربية مع حرسه، فوجد فيها راهبا متوحدا رفض أن يغادرها، فرماه الحرس من فوقها[5]، وهدم الأمويون الكنيسة من الداخل مخالفين العهد العمري، واحتفظوا بالجدران الخارجية، والتي بقي الجزء الأكبر منها موجودا حتى اليوم، ثم أرسل الوليد إلى قيصر في روما يطلب منه مائتين من أسطوات الرخام لعمارة المسجد، وتوعده لو لم يرسلهم بالهجوم على الكنائس القريبة من الحدود وتخريبها، فآسر قيصر السلامة وأرسل ما طلبه الأموي من صناع مهرة، أخذ "علي" بذراعها نحو المئذنة الشرقية التي تعرف بمذنة "عيسى" وقال: أول مئذنة أقيمت في الإسلام في الرأي الغالب تاريخيا[6]، ومن فوقها انطلق الأذان لأول مرة من منارة بعدما كان المؤذن يؤذن فوق سطح المسجد أو في ساحة، والبعض ينسبها لمعاوية بن أبي سفيان، أو لعبد الملك بن مروان، فلكل رجاله ومريدوه، لكن الرأي الأغلب أنها شيدت بأمر "الوليد بن عبد الملك" وتحت إشراف أخيه "سليمان"
اتجه الزوجان ليدخلا المسجد، بعد أن استأجرا عباءة لماري ارتدتها فوق ملابسها، طلب "علي" منها أن تقوم بجولة سريعة ريثما يصلي العصر، ولما انتهى من صلاته بحث عنها بعينيه ليجدها تتأمل مسبح المعمودية الرخامي شمال شرقي المسجد، اتجه نحوها وأحاط كتفها بذراعه وهو يقول: حوض معمودية في مسجد، فأين من يتهمون الإسلام بكراهية الآخر؟
- ألم تكن منذ لحظة تتحدث عن القاء راهب من فوق منارة!
هكذا ذكرته بما قاله منذ قليل، فأجابها مرحاً: في تاريخ كل دين وكل دولة تجدين ما تبحثين عنه! خير وشر، سلام وحرب، كرامة وذل، لأن كل دين يعتنقه البشر، وكل دولة يحيا فيها البشر، والبشر خليط من الأضداد
- ولماذا لم يفكر أحد في إزالة الحوض بعد أن صار المسجد كنيسة في زمن "الوليد"؟
- لا أعرف تحديدا، فالحوض مكتشف منذ أعوام معدودة خلال أعمال ترميم، وقبله اكتشفوا نفقا يصل المسجد بكنيسة قريبة، كانت تصل الكنيستان فيما قبل، ووجدوا في النفق آثارا لمذبحة قتل فيها عشرة أشخاص، لكن سوريا تكتمت الخبر حتى لا تتهمها أمريكا بقتلهم بسلاح دمار شامل!
قالها ممازحا وهو يأخذ بذراعها ويوجهها نحو الضريح الذهبي في المسجد، والذي أقيم فوق ما يعتقد أنه رأس "يوحنا المعمدان"[7]، قال وهما يخطوان نحوه: افتراض أن الرأس هو رأس "يوحنا" مصدق لحد كبير، لدرجة أن البابا "يوحنا بولس" الثاني زار المسجد بسببه منذ أعوام[8]، فبرغم عدم وجود تحقيق أثري لكون الرأس أو بقاياها ترجع للقرن الأول للميلاد، إلا أن ما يدعم الظن بهذا هو تواتر خبر عن القديسة "هيلينا" التي أمرت بالتنقيب عن الرأس في حديقة قصر "هيرود" ووجدته، ثم وهبته لكنيسة "مار-يوحنا" وهي في رحلة العودة من فلسطين لإستانبول[9]، فضلا عن أخبار إسلامية تدعم الظن بإنه ليحيى عليه السلام
- كم أنا محظوظة بدليلي الخاص!
قالتها وهي تنظر نحوه باعتزاز، فلاحظت أنه شرد بعينيه وهو ينظر للضريح الذهبي، سألته: أين ذهب خيالك المسافر دوما؟
- قد تكون زيارتي العاشرة للضريح، ومازالت مشاعر متضاربة تنتابني حين أراه، فيوحنا ليس مجرد نبي كغيره من الأنبياء، فهو نبي ورمز فريد، قال عنه القرآن الكريم "يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً"[10] وفي الإنجيل "فطلب لوحا وكتب قائلا اسمه يوحنا، فتعجب الجميع"[11]، وقال المسيح "الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان"[12]، فلماذا أفرده الله باسمه، وقال المسيح أنه أعظم من ولدت النساء؟
- البتولية والنبوة والشهادة
- نعم .. واجه "يوحنا" كل طواغيت عصره في وقت واحد وبمفرده، واجه الطاغية "هيرود" حين صرخ في البرية بأن "هيروديا" أرملة أخيه التي قتلته لا تحل له[13]، وتمرد على الفريسيين والطقوس اليهودية المعقدة حين خرج يكرز في البرية بمغفرة الخطايا ويعمد الناس بمعمودية التوبة في نهر الأردن، وواجه طغيان الرومان بتحريضه على الثورة قبل أن يأت ملكوت الرب، شاب بسيط في رداء من صوف خشن، طعامه الجراد وما يصادفه من عسل بري[14]، لكنه واجه الجميع بالحق وفي الحق شامخا كجبل من كبرياء، وكانت حكمته في صباه كحكمة الشيوخ، كما قال تعالى "يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً"[15]، اسمه في السوريانية معناه "الله رحم"، كان عليه السلام رحمة من الله، لأن هذا النموذج من البشر هو ميزان العالم، ولولا "يوحنا" ومن ينتهجون نهجه لانحدر العالم جيلا فجيل حتى وصل للحضيض! كذلك اسمه في العربية مرتبط باستمرار الحياة، لأن شهيد الحق وحده من بين البشر هو من يخلد حيا كما يخبرنا القرآن
- ذكرني حديثك عن النبي "يوحنا" بزميلة دراسة لي، كانت تقرأ قصص الأبطال الأسطوريين وترسمهم من خيالها، الملك "آرثر" والقديس "جون" وغيرهم، كانت صورها مختلفة عن تصورهم التقليدي القريب من الكمال في كل شيء، وكنت أنا المعجبة الوحيدة بفنها
تابعها بنظراته مهتما في سكتتها القصيرة، فواصلت تقول: الناس يرون البطل ملاكا عاش لغيره وحسب، والحقيقة برأيي أنه رجل حقق ذاته من خلال التضحية، فهو ليس ملاكا، لكنه بشر يختار أسلوبا نادرا لتحقيق الذات
- تصورك وأسلوب صاحبتك لهما وجاهتهما، لكن تقديرنا للروح السامية التي تحقق ذاتها بتحقيق منظومة من القيم هو أمر طبيعي كذلك، ولهذا نضفي عليها إهاب الملائكة، وكذلك احتقارنا للروح الدنيئة التي تقتل كل شيء لتحقق ذاتها بأرخص الوسائل أمر طبيعي، فنظهر الاحتقار في بشاعة منظرها حين نصورها، لا أتخيل صورة ليهوذا لا تشي ببشاعته مثلا
ابتسما وتشابكت أيديهما، ثم واصلا جولتهما حول معالم المسجد حتى وصلا لقبر الملك الكامل، وهناك قالت: هنا يرقد الرجل الذي لم تغره القوة بفرض نفوذه على مالا يحتاج
- أنت ترين هذا، لكن لآخرين رؤى مغايرة تماما
وسبب تعليقها عليه بالرجل السمح، أن الملك الكامل بن الملك العادل أخو السلطان "صلاح الدين الأيوبي" ووارث ملكه كان صديقا للإمبراطور "فريدريك"، صاحب تاج الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي اضمحلت وتضاءلت، وحفيد "فريدريك ذو اللحية الحمراء"[16] الذي مات أثناء الحملة الصليبية الثانية، وقد استعان به الكامل في حربه مع أخيه الملك الأشرف "عيسى" ملك دمشق، ووعده أن يسلمه مدينة القبر المقدس جزاء معاونته بالهجوم على الأشرف من البحر هجوما يتزامن مع زحفه بجيشه من البر، فركب "فريدريك" البحر في أسطول صغير وجيش محدود لمساعدة الملك الكامل، لكنه حين شارف ساحل عكا كان الأشرف قد مات واستولى أخيه الكامل على ملكه في الشام، ومع ذلك فقد سلمه الملك الكامل القدس، في ملابسة محيرة للمؤرخين، إذ كان جيشه وأسطوله المعروفين بالحملة الصليبية السادسة أهون من أن يخشى منهما الكامل وقد توحدت تحت يده جيوش مصر والشام، ولهذا سألت "ماري" قائلة: ما رأيك فيما حدث بينه وبين "فريدريك الثاني"
افتر ثغر "علي" وهو يسألها: هل أقنعك ما قاله المؤرخون من أن "فريدريك" استعطف الكامل حتى لا يعود لأوروبا صفر اليدين فأشفق عليه الكامل ووهبها له؟
- لم أقتنع وإلا ما سألتك، فلا عواطف في السياسة ولا تجدي فيها التوسلات
- رقة كلمات "فريدريك" في رسائله[17] هي سبب انطباع الاستعطاف والشفقة هذا، لكن الحقيقة أن كلا منهما لم يكن بوسعه أن يحارب الآخر إلا بثمن فادح، لهذا آثرا السلامة
شرح لها "علي" كيف كانت ظروف الملكين حرجة في ذلك الوقت، فأما "الكامل" فكان مهددا بخطر فلول الخوارزميين التي فرت أمام غزو التتار، ثم تجمعت في أصفهان وبدأت تناوش الحدود الشامية، آملة في تعويض ما خسرته شرقا في الشام[18]، وأما "فريدريك" فكان مؤيدا لبدايات الفكر العلماني الآخذة في الظهور بين ملوك أوروبا، تدفعهم للتمرد على البابا، وحين جاء للشام كان بالفعل محروما من التناول بقرار بابوي مقدس، ولهذا لم يتمكن من حشد جيش أوروبي ضخم كالحملات الصليبية السابقة، فهو محروم من بركات البابا[19]، لكن الكامل كان يدرك تماما أن خط الدفاع الأخير لدى صديقه القديم لو لم يتسلم المدينة المقدسة سيكون إعلان الخضوع للبابا "إنوسنت الثالث" وطلب المدد والبركات منه، فيعود بجيش يجعل الكامل بين الخوارزميين برا من الشرق والصليبيين بحرا من الغرب، ولأن الكامل أراد التفرغ للخطر الخوارزمي، ولأن "فريدريك" لم يرد أن يحني رأسه للبابا ثانية، فقد اتفقا على ما يشبه تدويل القدس بمصطلح زماننا في معاهدة يافا عام 1229م، فتكون للصليبيين كنيسة القيامة وبيت لحم والأماكن المسيحية المقدسة بشكل عام، وكذلك القرى الواقعة على الطريق من عكا لبيت المقدس، دون قرى القدس نفسها، ويبقى الأقصى والقدس الشرقية في يد المسلمين، وتقوم بهذا هدنة لمدة عشرة أعوام بين الطرفين[20]، وكانت حجة الكامل في هذا أن جده "صلاح الدين" نفسه تنازل عما بين صور ويافا لقلب الأسد في صلح الرملة على إثر انتكاسة طفيفة مني بها في معركة "أرسُف"، وكان السبب الرئيسي فيها هو إنهاك جيشه من النضال في الشام، حتى ظهر التململ على ضباطه[21]، كان هذا من حنكة "صلاح الدين" الذي أعطى الجيش هدنة لثلاث سنوات ليستعيد قدرته على القتال لو لزم الأمر، لكن الفارق الأساسي بين "الكامل" و"صلاح الدين" يكمن في تنازل الأول عن القدس بما لها من قيمة روحية في دينه، وحفاظ الثاني عليها
مرا بعد ذلك على المقام الذي يدعى بأن فيه رأس "الحسين"[22]، وكذلك قبة المال[23]، ثم اتجها للخروج من البوابة الجنوبية حتى يمرا على قبر "صلاح الدين الأيوبي" الذي يقع خارج المسجد، وفي مرورهما على البوابة أشار للنقوش الحجرية فوقها وقال: نص يوناني من المزامير يقول "ملكك أيها المسيح ملك كل الدهور وسلطانك في كل دور فدور"[24]، وعلي البوابة التالية لها وجدت صورة المسيح وعلى رأسه تاج الشوك، تذكارات من زمن كانت فيه الجدران تضم كنيسة مار "يوحنا"
- إذن فليست أياصوفيا فقط، لقد غصبتم العديد من الممتلكات المسيحية
قالتها مبتسمة في لهجة مزاح فرد عليها قائلا: نسيت أن أخبرك .. قبل الكنيسة كانت الجدران لمعبد الإله "جوبيتر"، ولم تدشن ككنيسة إلا في القرن الثالث الميلادي[25]، "هياصوفيا" كذلك كانت معبدا قبل أن تتحول إلى كنيسة
- ياله من رمز لصراع الأديان
- البشر وليس الأديان، وحتى قبل "جوبيتر" الروماني كان معبدا للإله الآرامي:حدد، والذي عبده الدمشقيون منذ القرن العاشر قبل الميلاد، ثم حوله الرومان معبدا لجوبيتر، وحين اعتنقوا المسيحية صار كنيسة مار-يوحنا، وجاء المسلمون فصار مسجدا لا ينسب لأحد، ثم جاء الأمويون فنسبوه لجدهم[26]! الأيام دول
تلفت يمنة ويسرة وقطب حاجبيه وهو يقول: التبس علي الطريق، القبر يقع خارج الجهة المقابلة، علينا عبور صحن المسجد لنصل لضريح الفارس الكردي الطموح الذي وحد العرب!
اتجها يقطعان المسجد حتى خرجا من بوابته الشمالية، وانحرفا يسارا متجهين نحو فناء المقام، وهو فناء صغير مشجر، يتفاعل اللون الأخضر فيه مع لون البناء الأبيض وقبته البنية المائلة للحمرة، ليعطي تناغما لونيا أنيقا برغم البساطة الشديدة لمعمار الضريح مقارنة بالثراء المعماري للمسجد الأموي، وعندما دخلا المقام، فوجئت "ماري" برؤية ضريحين وليس واحداً، الأول عليه شاهد من رخام فاخر والثاني عليه شاهد من خشب مشغول بسيط وأنيق، فتساءلت: هل الضريح الثاني لزوجته؟
- لا زوجته ولا لغيرها، فضريح الرخام فارغ، وجثمان "صلاح الدين" هنا تحت الشاهد الخشبي، أما الرخامي فهدية من "ويليام" الثاني إمبراطور ألمانيا حين زار الضريح معبرا عن إعجابه ببطولة وشهامة صاحبه، لكن السلطات السورية رغبت عن نقل الرفات احتراما لحرمة القبر، فاحتفظت بالضريح الجديد فارغا بجوار الأول
ابتسما وابتسم معهما الحارس السوري ابتسامة فاترة تنم عن ملل مَن سمع ذات السؤال وذات الإجابة آلاف المرات، ثم خرجا من الضريح فاتجها لسوق الحميدية القريب لينفذا منه للفندق، وفي الطريق قالت "ماري": العالم واسع بما يكفي ليجد كل إنسان مكانا يصلي فيه، فلماذا الاستيلاء على دور عبادة دين سابق؟ سواء قام بهذا الرومان أو المسيحيون أو المسلمون؟
- الاستيلاء على إنجازات الغير أسهل بكثير من تحقيق إنجاز جديد، أضيفي لهذا أن عملية التحول نفسها ترمز لتسود الجديد على القديم، وهذا إحساس تحبه الجماهير، إحساس بالانتماء للفريق الأقوى والأصح والأكتر عددا ونفوذا، فمشاعر تحقيق الذات الجماعية بقهر الآخر مهمة للغاية لكل فرد يعجز عن تحقيق ذاته الفردية
- لكن العالم اليوم سيطر نسبيا على نزعات قهر الآخر
- ربما يصدق قولك على مستوى الأفراد، أما على مستوى الدول والجماعات، فمازالت الكثرة العددية توحي برفض الأقلية حتى في العالم الأول، إنها غوغائية الكثرة، ولعل جنود المارينز في حرب الخليج وفضيحة أبو غريب أفضل دليل على هذا
سكتت للحظة كأنها ترددت في قول شيء، ثم استمرت قائلة: الإشكالية الفكرية التي حيرتني دوما في الطرح الإيماني للأديان الإبراهيمية هي قدم العالم وقدم الإنسان، عاش البشر على الأرض منذ مائتي ألف عام، فلو أن النبوات لم تنقطع من عهد آدم حتى محمد، فلماذا لم تحقق تطورا ملموسا في تحضر الإنسان والسيطرة على نزعاته لسفك الدماء والحرب والقضاء على الآخر؟ بينما نجح العلم والفكر الإنساني في تحقيق هذا في أقل من خمسين عاما بعد الحرب العالمية الثانية؟
- لأننا احتجنا لآلاف السنين حتى ننضج روحيا ونتهيأ لاستيعاب روح الدين وفلسفة الخلق، ولتحقيق مستوى علمي وتكنولوجي يعظم الاستفادة من موارد الكوكب، فلا نتصارع على الموارد المحدودة، وكذلك للوصول لمستوى من الفقه القانوني يصلح لتأسيس مجتمعات ومؤسسات مدنية بمستوى الاتحاد الأوروبي، وبكل هذا توصل البشر لآليات تحسن توزيع الثروة، فيتحقق الهدف من خلقهم وهو عمران الأرض
عندما وصلا لغرفتهما بالفندق، قالت باسمة في دلال أنثوي بينما يرتدي "علي" منامته: من تتزوج مؤرخا لابد أن تتوقع شهر عسل أثري للغاية
- الآثار كانت البرنامج الصباحي، أما في المساء، فالأمر يختلف
- حقا؟ ماهو البرنامج للمساء؟
قالتها بدلال زائد فأجابها ممازحا: النوم فورا استعدادا لجولة الغد

Tuesday, September 16, 2008

انهيار برج بابل- 33

(33)
دماء على المصحف

الخميس، العشرون من سبتمبر
ودع العروسان "عزة" أمام صالة المغادرة في مطار القاهرة الدولي، وفي غضون الساعة كانت طائرة مصر للطيران تقلع بهما باتجاه دمشق، أسندت "ماري" رأسها لكتفه وأخذت تتصفح إحدى الجرائد الإنجليزية الصادرة في مصر والتي وزعت على متن الطائرة البوينج 767، لفت نظرها مقال عن الرئيس الراحل "محمد نجيب" تتوسطه صورة له بالزي العسكري، وصورة أخرى بملابسه المنزلية وقد تقدمت به السن، قرأت شيئا من المقال ثم قالت وهي تلتفت لزوجها: ظلم هذا الرجل كثيرا
نظر "علي" لحيث تشير ليرى صورة الرئيس السابق فيرد بقوله: نعم، إلى حد كبير
- لماذا فعل "ناصر" هذا؟
- كان الرئيس "نجيب" رجلا صالحا، ضابط منضبط وقائد عسكري من طراز ممتاز، نظيف اليد وحسن السمعة وله قبول اجتماعي كبير، لكن بكل أسف كانت تنقصه حنكة السياسي وقدرته على تمييز الأصوات حوله، واكتشاف الغرض وراء كل صوت، فوجد بعض الساسة القدماء وقتها، فضلا عن عناصر الإسلام السياسي في طبيعته هذه بابا خلفيا للانقضاض على الثورة وتصفيتها من الداخل، وأتاح لهم "نجيب" هذا بحسن نية أولا، ثم بخصومة مقصودة ضد الضباط الأحرار فيما بعد
تمهل لحظة ليرتب أفكاره، ثم أخذ يشرح لها منذ البداية، كيف عرض مجلس قيادة الثورة على قادة حزب الوفد تسليمهم السلطة بشرط واحد، وهو الالتزام بقانون للاصلاح الزراعي، وكيف رفض زعماء الوفد الشرط، وكان بينهم آنذاك العديد من الاقطاعيين المنتظر تضررهم من الإصلاح الزراعي لو طبق كما يراه الضباط الشباب، فبدأوا محاولة لإقناع "نجيب" باتخاذ قرارات منفردة بسلطاته الرئاسية بعيدا عن مجلس القيادة، وكان أهمها قرار بحل مجلس قيادة الثورة وعودة الضباط لثكناتهم، فانفجر الصراع بينه وبين مجلس القيادة ليصل لما عرف بأزمة مارس التي استقال فيها "نجيب" ثم تراجع في استقالته، وانتهى الأمر بتحديد إقامته في بيته، لمنعه من الإتصال بالوفديين والإخوان، بين "علي" بعد هذا الشرح رأيه فيما حدث، مقرا الثورة والضباط الشباب من حيث المبدأ، لكنه تحفظ على الأسلوب الذي عومل به "نجيب" لما له من سابقة وطنية ودور في نجاح الثورة على مستوى القبول الشعبي، سألته "ماري": قائد خلوق لكنه يفتقد للرؤية ومقومات الزعامة!
- بالضبط، أتذكرين يوم سألتني عن تقديري لعثمان بن عفان رضي الله عنه؟ سابقة "عثمان" وفضله لا ينكرهما إلا جاحد، وكذلك خلقه يربو فوق الشبهات، لكنه بدأ الولاية في عمر السبعين وتوفي عنها في الثمانين، وهذه سن لا تناسب أعباء القيادة، وزاد من خطورة هذا كونه أموي[1] النسب، وإن لم يكن أموي الخصال، لكنه كان يرى في تولية أهله مناصب الدولة برا بهم وصلة لرحمه، فاشتعلت الفتنة
- هذا يعني أن لثورة الأمصار عليه منطقا، كنت أعتقد هذا دوما
- الثورة نعم، أما اغتياله فلا، فالثورة على الحاكم ومطالبته بالرجوع عن أي مظلمة حق للجميع، لكن الاغتيال يبقى جريمة نكراء وغير مبررة
- فلماذا لعن "ابن حزم" وغيره الثوار كلهم ووصفوهم بأقذع الألفاظ[2]؟ برغم أن منهم صحابة الرسول
ضحك للملحوظة الذكية، وأجابها: سب معاصرو الدولة الأموية الثوار ولعنوهم ارضاء للخلفاء، ووصلت هذه البدعة لمن بعدهم ممن لم يعاصر الفتنة مثل الإمام "ابن حزم" فقالوا قولهم
- ودفاع التراث عن تولية "عثمان" لأقاربه بأنهم كانوا من أكفأ الناس للولاية، واستدلالهم بولاية بعضهم قبل خلافة "عثمان" هل كان لارضاء الخلفاء كذلك؟
أومأ برأسه وهو يجيب: تولى "معاوية" وحسب على دمشق في خلافة "عمر"، لكن مع ولاية "عثمان" أضيف إليه "عبد الله بن عامر" ابن خال الخليفة على البصرة بدلا من "أبي موسى الأشعري"[3]، و"سعيد بن العاص" ابن عم الخليفة على الكوفة بدلا من "سعد بن أبي وقاص"[4]، ثم تولاها "الوليد بن عقبة" أخو الخليفة من والدته[5] بعد "سعيد"، فضلا عن ولاية "عبد الله بن أبي السرح" أخوه في الرضاعة على مصر بدلا من "عمرو بن العاص"[6]، وتنصيب صهره "مروان بن الحكم" رئيسا لديوان[7] الخلافة، وتولية "يعلي بن منية"[8] ابن عمومته على صنعاء، ليصبح ولاة الشام والعراق والحجاز ومصر - وهي الولايات الرئيسية – كلهم من الأمويين
سألته باسمة وهي تعبث بإصبعها في شيب فوديه: كيف تتذكر كل هذه التفاصيل؟
أجابها: التاريخ عندي ليس مهنة وحسب، لكنه المنظار الذي أرى منه الحاضر وأشرف به على المستقبل، فالناس منشغلون في أمر الغيب بالعلم حينا وبالشعوذة أحيانا، وهو منا قاب قوسين، بوابة المستقبل هي الماضي الذي ينجبه
قبلت وجنته فقبلها وهو يربت على كتفها، ثم توسدت ذراعه ونامت بعد دقائق، وأخذ هو يفكر فيما استحضر بذهنه عن عصر "عثمان"، لديها كل الحق، فوصف ثورة الأمصار بأنها تمرد مغرض من حديثي الإسلام تسطيح مخل للأمور! فقد كان فيهم العديد من الصحابة، وكانت المآخذ على الولاة الأمويين في الأمصار كثيرة بالفعل ولم تكن فرية كاذبة، ولهذا ثار عليهم رجال بحجم "أبي ذر الغفاري"، فارس الثورة الاشتراكية في التاريخ الإسلامي، والرجل الذي لحق برسول الله سيرا على قدميه ليجاهد معه، فقال عنه الرسول: "رحم الله أبا ذر، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده"[9]، وقال له ذات يوم "يا أبا ذر، كيف أنت إذا أدركك أمراء يأكلون الفئ بعدي؟" فأجابه الفارس الشجاع في الحق قائلا "إذا والذي بعثك بالحق لأضربن بسيفي" فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم "أفلا أدلك على خير من ذلك؟ اصبر حتى تلقاني"[10]، ولهذا لم يضرب الصحابي الفارس بسيفه، لكن ذلك لم يمنعه من الثورة على "معاوية" في الشام لبذخه مع الخاصة وأثرته على العامة، حتى شكاه "معاوية" للخليفة واتهمه بتأليب أهل الشام عليه، فاستدعاه "عثمان" للمدينة، حيث واجه الصحابي الخليفة في عاصمته بما كان يواجه به "معاوية" في دمشق، معترضا على السياسة المالية للدولة ومخالفتها للمنهج النبوي ومنهج الشيخين بعده، فنفاه "عثمان" إلى الربذة، فمات في صحرائها وحيدا، وصدق فيه قول الصادق المصدوق الذي قاله قبل عشرين عاما، وكذلك عارض الخليفة في سياساته المالية "سلمان الفارسي" و"عبد الله بن مسعود" و"عمار بن ياسر" وإن لم ينضموا للثائرين عليه، أما من ثار واشترك في الحصار من الصحابة فكانوا "مالك الأشتر"، و"ابن عديس"[11] و"فروة بن عمرو"[12] و"ابن أبي حذيفة"[13]، و"جبلة بن عمر"[14] الذي عارض دفن "عثمان" في البقيع بعد اغتياله، و"محمد بن أبي بكر"[15] و"ابن الحمق" و"ابن بديل"[16] و"حُكَيم بن جَبَلة"[17] و"حرقوص بن زُهَيْر"[18]، وهؤلاء ليسوا بالنفر القليل
انتبه "علي" للمضيفة تسأله وزوجته عما يفضلان من قائمة الطعام، فلم يجد بنفسه شهية للأكل، فالرحلة أقصر مما يقتضي تناول الطعام وقد بقي من زمنها أقل من ثلاثين دقيقة، بعدها تستقبلهم دمشق الساحرة بأحضانها العربية الدافئة، ربت "علي" رأس زوجته الناعسة فوق كتفه وهو يتطلع لغلاف مجلة انجليزية، رسم عليه كاريكاتير يصور تكالب الأثرياء على امتلاك أدوات الرفاهية، وما يؤدي إليه من تضخم يضير الفقراء في النهاية لاستنفاذ الناتج القومي في سلع وخدمات استهلاكية واستفزازية لا تخصهم، المال .. دائما المال .. كم من حلم كبير دفنته عواصف المال التي تعصف برؤوس الناس فتقتلع ما عداها؟ ولطالما كان التطلع المادي هو البذرة الأولى لانحراف كل دعوة فاضلة؟ ألم يقل الرسول يوما "إن لكل أمة فتنه، وفتنه أمتي المال"[19]، وفي عودته من غزوة حنين، أول غزوة شارك بها طلقاء الفتح، حين تألف قلوبهم بالمال وقال لأصحابه "إنكم ستجدون بعدى أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"[20]، فما جدوى الدفاع عن قضية خاسرة؟ ومحاولة تسفيه عشرة آلاف إنسان لإبراء الخليفة من خطأ اعترف به هو نفسه؟ كان "عثمان" يرى أول الأمر أن المسلمين عابوا عليه ما لو فعله "عمر بن الخطاب" لأطاعوه، وهذه طبيعة الرجل الحيي، يحسب أن الناس تستضعف حياءه فتتجرأ عليه[21]، وكان يظن في المتظلمين الكذب على ولاتهم، ولم يكن هذا الظن بعيدا، فقد تظلم بعض أهل البصرة من أميرهم "سعد بن أبي وقاص" في زمن الفاروق، فلما انتدب الخليفة لجنة لتقصي الحقائق، ظهر بطلان شكواهم[22]، وأحسب أن رجلا كمروان بن الحكم كان يذكر الخليفة بهذه الواقعة وأمثالها دوما، ليسوغ له سوء الظن برعاياه[23]، ومع ذلك، وفي مرحلة تالية بعد أن كثرت القلاقل، بدأ الخليفة يقتنع بوجود انحرافات من جانب عماله، فبعث بخطاب قرأ في مساجد الأمصار يدعو الناس للقدوم بمظالمهم في موسم الحج لينظر فيها[24]، شعر الخليفة الراشد بما أخطأ فيه، وأصغى لوصية "علي"[25]، فصعد المنبر وأعلن رجوعه عما دفع الناس للخروج عليه[26]، فكان هذا دلالة جديدة على عظمة معدنه، فلا يرجع لخط الصواب إلا من طلب الحقيقة، ولو أنه فقط ثبت على نيته تلك، لانتهت الفتنة في مهدها، لكن "مروان" استأذنه في الخروج للناس، يشتد عليهم حتى لا يظنوا بالخلافة ضعفا، فأذن له الخليفة، فخرج للناس يهدد ويتوعد من يحاول نزع ملك الأمويين من أيديهم[27]! ملك الأمويين! "ابن الحكم" يصف الخلافة بالملك هكذا جهارا نهارا؟ يسمع "علي" بهذا فيرى فيه تراجعا من الخليفة عما اتفقا عليه، فيقرر ألا ينصح له بعدها أبداً
"كان مروان بن الحكم وحده ثلاثة أرباع الفتنة" .. بهذه الجملة استهل "علي" الجزء الرابع من رسالته للدكتوراة، وفي يوم المناقشة، بدأ عرضه لهذا الجزء بالحديث عن "الحكم بن العاص"والد "مروان"، وهو من طلقاء الفتح كأبي سفيان، وكانت له عادة فاجرة، إذ اعتاد أن يقلد الرسول ساخرا في مجالس المنافقين، حتى رآه الرسول مرة متلبسا بهذا[28]، كما تكرر منه افشاء ما يسمعه من ابن أخيه وصهره "عثمان" من مشاورات الرسول، فنفاه الرسول للطائف[29]، وحاول "الحكم" العودة للمدينة خلال خلافة الشيخين فرفض كلاهما، حتى تولى "عثمان" فسمح له بالعودة، فكان هذا أول ما كره الناس من خليفتهم الجديد! [30]
ثم عرض على هيئة المناقشة عرضا سريعا لدور ابنه "مروان" في الفتنة، فهو من أوغر صدر "عثمان" ضد "عبد الله بن مسعود"، فأمر بضربه حتى كسر ضلعه[31]! وهو من أوغر صدره كذلك ضد "عمار بن ياسر" يوم قدم له عريضة بمظالم الناس، فقال له مروان: إن هذا العبد الأسود قد جرأ عليك الناس، وإنك إن قتلته نكلت به من ورائه[32]، لكن الخليفة لم يعمل بتلك المشورة السوداء، فوقاه الله من الوقوع في دم صحابي كعمار، وصفه الرسول بأن قتله يكون على يد الفئة الباغية، والأهم أن "مروان" هو من جرأ الناس على الخليفة بما ارتكبه باسمه من مظالم دون علمه، ومن هذا أنه أصدر خطابا ممهورا بخاتم الخليفة لبيت المال يأمر فيه بتوزيع عدد ضخم من إبل الصدقة على أبناء "الحكم بن العاص"، فعلم "عبد الرحمن بن عوف" بهذا، وأرسل من استحوذ على الإبل من بيت المال ووزعها بين الناس بالعدل[33]، فكسر هذا هيبة الخلافة بنقض أمرها، ومع تكرار مظالم "مروان" والولاة الأمويين، انضم بعض أهل المدينة لثوار الأقاليم، وحاصر الجميع الخليفة في بيته، حتى أرسل لعلي يوسطه بينه وبينهم ليمهلوه ثلاثة أيام حتى يعزل من كرهوا من الولاة ويرد المظالم، ففعل "علي" وأمر "الحسن" و"الحسين" أن يقوما على باب الخليفة فلا ينفذ إليه أمر يكرهه، ووقف معهم "عبد الله بن الزبير" و"سعيد بن العاص" و"محمد بن طلحة" يحرسون الخليفة، لكن هذا لم يمنع الشوط من بلوغ نهايته، فتسور الثوار الباب، وقتل ثالث الراشدين وسال دمه طاهرا على مصحفه، ولعل ما قاله "علي" في هذه الفتنة كان أفضل الأقوال وأوجزها، حين قال "استأثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع"[34]
انتبه "علي" من غفوة أخذته للحظات على ارتطام عجلات الطائرة بأرض مطار دمشق، ففتح عينيه وضم زوجته الحبيبة بذراعه ضمة حميمة وهو ينظر إليها كمن لا يصدق أنها أصبحت زوجته في النهاية! وأنه معها الآن في دمشق كما تمنى في أحلام يقظته .. فما أحلى الأحلام حين تتحقق!

انهيار برج بابل- 31-32


(31)
عش الدبابير

السبت، الخامس عشر من سبتمبر
أمام أحد المشارب الصغيرة في ميدان السوق القديم أو "جروت ماركت" في بروكسل، وقف الأمريكي يتناول قهوته السوداء ويطالع على الناحية الأخرى من الشارع ذلك التمثال البرونزي الذي يتخذه البلجيكيون رمزا لعاصمتهم، تمثال لطفل يلبي نداء الطبيعة، تقول الأسطورة أنه وارث لقب الدوق "جودفري" الثالث دوق ليوفين، وقد وقف على فرع شجرة ليعين حامية الدوق على أعدائها بالتبول عليهم، وببركة البول الملكي حلت اللعنة بالأعداء فهزموا هزيمة منكرة، جميلة ومسلية هي الأساطير القديمة بشرط أن ندرك أنها أساطير ولا نعود لادعاء واقعيتها كل حين، وألا يوجب أحد علينا الإيمان بها لنصبح رجالا طيبين! اليوم يوم مهرجان، ومهرجانات بروكسل كثيرة، وهاهم الشباب والصبايا يملئون أكوابهم الورقية بالبيرة الباردة التي تندفع من تمثال الطفل الملبي لنداء الطبيعة بدلا من الماء في بعض أمسيات السبت
ابتسم الأمريكي ولوح لرجل ذو وجه أحمر وشعر بني كثيف كان يعبر الطريق نحوه، كهل في نحو الخمسين من العمر تبدو على عينيه آثار صداقة وطيدة مع المشروبات القوية كعادة الكثير من البلجيكيين، استدار الأمريكي فابتاع لصاحبه مشروبا قبل أن يصل إليه، فلابد أنهما على ود قديم حتى عرف الأمريكي كيف يفضل الآخر قهوته!
عبر البلجيكي الطريق ومد يده مصافحا وهو يقول: مساء الخير أيها الكاوبوي المزعج في عطلة نهاية الأسبوع
- ليس في عملنا عطلات أيها السكير الكسول
أجابه الأمريكي وهو يصافحه بود مبتسما، ثم استأنف وهو يمد يده بكوب من ورق مقوى يتصاعد منه بخار القهوة: ستفيدك في التغلب على صداع الخمر
- لم أشرب منذ عامين، مازلت ترفض تصديق هذا؟
- لن أصدق حتى أقضي معك أسبوعا في دبي وأتأكد بنفسي من فراغ بارك المنزلي وعدم ترددك على حانات الدرجة الثانية ومعاكسة فتيات الليل، كيف حال ملهى "سيكلون"؟
- لم أذهب منذ دهر، "كلارا" تخضعني لنظام رقابي صارم لتتأكد من انقطاعي عن الخمر منذ إصابتي بالقرحة اللعينة
- دعنا نتحدث في العمل إذن حتى تعود لكلارا سريعا وألحق أنا بطائرتي، فلنتمشى قليلا ونتحدث
قالها الأمريكي وهو يسحب البلجيكي أحمر الشعر من ذراعه ويتجه نحو بوابة السوق الأثرية سائرا فوق الرصيف العريض، فيبدأ البلجيكي حديث العمل قائلا: أخبار قليلة لكنها هامة
- لست أنا من يسعر الأخبار ومدى قيمتها، فهات ما عندك دون تضخيم لأهميته أيها الاستغلالي العجوز
- مصدر باريس قال أن الكربون المشع أثبت أن المخطوطات يرجع بعضها بالفعل للنصف الأول من القرن السابع، الأثري الكردي ثرثر مع واحدة من حسناوات المعهد بأن المخطوطات قد تغير خريطة الشرق الأوسط بحسم خلافات عقائدية بين السنة والشيعة
- هراء، لا يوجد مخطوط يوحد الكاثوليك مع البروتستانت حتى لو كان مكتوبا بيد "يسوع" نفسه، الملالي والمراجع والمشايخ لن يعترفوا بهذا أبداً حتى لو كان "محمد" نفسه هو من وقعه، علمنا التاريخ أن الأديان والمذاهب لا تزداد مع الزمن إلا تباعدا
- فلم الاهتمام الزائد بالأمر من قبلكم؟
- المخطوطات قد تشغل الناس في بلد له تركيبة العراق الدينية، وهذا بحد ذاته سيقلل الاحتكاك بين السنة والشيعة هناك
- لست فتاتك السوداء يا راعي البقر، لفق سببا يحترم ذكائي أو قل الحقيقة
- حسنا .. قد تزيد المخطوطات من قبول حزب الله وشعبيته في المنطقة، وهذا غير مرغوب فيه، هذا كل شيء، فلا تبالغ في أحلامك عن مكافآت سخية على المعلومات
قالها مداعبا في سخرية صاحبتها الاستهانة بالآخر بعض الشيئ، لم يعجب هذا البلجيكي لكنه استمر قائلاً: هذا تلفيق يحترم ذكائي، لكنه ليس الحقيقة، هل للموضوع علاقة بالعالم الجديد؟ توحي أسماء الكوادر التي تلعب في خلفية المشهد بهذا.
عبس الأمريكي قليلا وقال بلهجة خلت من الود تماما: هل لديك المزيد من المعلومات؟
أدرك البلجيكي فورا أنه لمس الوتر المطلوب، إنه تنظيم العالم الجديد - أو ما عرف بهذا الاسم عند العامة - هو من يحرك عرائس الماريونيت هذه المرة، وتعجب لانشغال التنظيم بمخطوطات أثرية! فهل ترك اليمينيون ألعاب السيرك السياسي والمخابرات ليصبحوا مهتمين بالتراث الإنساني في العراق؟ هكذا فكر البلجيكي لكنه احترم رغبة الأمريكي في تغيير مجرى الحديث والعودة للعمل الذي يتقاضى عليه أتعابا، فأجابه: أخبار من بغداد، مصدر اليونسكو يقول أن رئيس الفريق قد يستعين بعنصر جديد، بروفيسور مصري لم يعرف اسمه، لكنه يقول أنه متخصص في تاريخ القرون الهجرية الأولى وينحدر من نسل "محمد" النبي نفسه
قالها البلجيكي قبل أن يشعل سيجارا صغيرا ثم يقول: لا أعرف كيف يتسنى إثبات النسب بعد كل هذه القرون
يغطي وجوم لحظي وجه الأمريكي وتتبخر السخرية من لهجته وهو يقول: هذا يستدعي تحركا فوريا من قبلنا، فأيا كان من قرر ضمه للبحث فهو حاد الذكاء، يريد أن يعطي لفريق العمل العلمي ثقلا روحيا بين العراقيين، قد لا تكون فكرته جيدة في بروكسل أو نيويورك، لكن في مجتمع كالعراق تؤمن أغلبيته الشيعية بشرف النسب وعصمة آل "محمد"، فالأمر يختلف تماماً، لن نجد صعوبة في تحديد اسمه والمعلومات الأولية عنه، فليس هناك ألف متخصص مصري في التاريخ ينتسب لمحمد، أليس كذلك؟
- لا يمكنني الجزم بهذا، سمعت يوما أن شهادة النسب كانت تباع بما يعادل خمسين دولارا ذات يوم
- قد تباع الشهادات وتزيف الأنساب في البلاد الغير مهتمة بالنسب كمصر، لكن ليس في العراق، أعتقد أن رئيس الفريق العراقي تحقق من نسبه بالفعل قبل أن يخاطر باستقدامه، فنسب مزيف سيلقي بالظلال على الموضوع ككل، والعكس لو أنه حقيقي، سيضاعف من قيمة الكشف عند العامة والإعلام
- كان هذا كل ما عندي
- ما عندك استحق عناء الطيران من بيروت لهنا في كل الأحوال، هل ستكون في العراق قريبا؟
- الأسبوع المقبل في دبي، سأكون هناك يوم الثلاثاء من الأسبوع التالي
- أراك هناك، سندبر هذا بالطريقة المعتادة
افترق الرجلان فمضى الأمريكي نحو الاتجاه الآخر للشارع واستقل حافلة لفندقه ليحزم حقيبته الصغيرة قبل أن يقلع لبيروت بعد ثلاث ساعات، بينما واصل البلجيكي السير نحو بيته القريب من الميدان، لقد كلفه هذا البيت وسيارته الفارهة ثروة كبيرة ما كانت وظيفته في دبي لتوفرها لولا نشاطه الإضافي الذي يقتضي منه الخروج في نهاية الأسبوع، الحياة كفاح مستمر، هكذا كان يقول دائماً قبل أن يصف نفسه بمواطن بلجيكي مسكين يفني عمره في محاولة مواكبة الأسعار التي جنت مع تفعيل الاتحاد الأوروبي
في القاهرة، وفي وقت متأخر من مساء ذلك اليوم، جلس رجلان في غرفة صالون مبالغ في أثاثها ورياشها، الأول مرتديا حلة رسمية أنيقة ورابطة عنق مناسبة، يوحي مظهره في مجمله بثري يحرص على إظهار ثرائه، حليق الوجه وعلى ملامحه سمت الرياسة والتسود، أما الآخر فيرتدي جلبابا خليجيا من حرير أبيض مع عباءة حريرية سوداء مقصبة الأطراف، وتلمع في يده ساعة ذهبية صارخة البريق، حليق الشارب مطلق اللحية، وعلى وجهه ترتسم تعبيرات التبعية والتزلف وهو ينظر للأول جالسا على طرف مقعده، ومتجها نحوه بكليته بينما يتخذ جذعه وضعا أقرب للانحناء، قال لسيده وهو يصطنع ابتسامة باهتة: بلغ السيل الذبى منه ومن ذلك الصحفي العلماني الذي يساعده، لم يجرأ علينا أحد لهذا الحد أبدا
ابتسم الأول بسمة الواثق الهاديء، وحرك مسبحته الفضية حركة لولبية رتيبة وهو يقول: دعه يكتب، كم فرد سيفهم ما كتب؟ لدينا الأهم، أمثاله لا يفهمون أن المعركة تدور في الأوراق المالية لا في أوراق الكتب! ومن الأفضل لنا أن يبقوا هكذا، على العموم لا تقلق، فأمامه رحلة طويلة في العراق، تابع أنت من يراجعون كتبه ليوصوا للمجلس بالمصادرة، فيعود ليجد القرار نافذا
- وهل سيعود؟ لماذا نرسله للعراق إذن؟
- لا تشطح بخيالك، لا علاقة لنا بسفره، لقد وصلتني المعلومة من صديق في الخارج وحسب
- وكيف نفوت هذه الفرصة، كيف يذهب بقدميه للنار ونتركه يخرج منها سالما؟ في العراق إخوان غيورون على دينهم، وفيهم كل البركة
نظر له الرجل الأول نظرة ثاقبة كمن يحاول أن يرى ماذا بقلبه، حيره اهتمامه بهذا الأمر، لم يكن عادة يهتم بالأمور الثقافية والمناظرات والكتب، فلماذا يلح بشأن "علي" هذا؟ هكذا كانت نفسه تحدثه بينما اعتقد "يزيد" أن صمته يعني مباديء اقتناع فقال وعلى وجهه علامات الحماس والإقبال على أمر هام: لو اتصلنا بأخينا "سعود" في العراق و..
قاطعه الأول وهو ينتصب واقفا من جلسته ايذانا بنهاية الحديث والمقابلة: انس الموضوع، وإياك والتحرك بغير علمي
قالها وهو ينظر نحوه بنظرة تمتزج فيها الحدة بالاستعلاء والتهديد، فأجابه "يزيد" بسرعة وهو يعقد يديه كمن يعتذر عن تطاول أفلت منه: عفوا لو كنت قد أثقلت على سيادتكم، وأنا دوما طوع أمرك وإذنك
- سنرى
قالها الرجل بلهجة سيادية وهو يتجه لباب غرفة الصالون فيفتحه ليخرج الضيف الذي بدت على وجهه علامات الندم على تجاوز حدود تعلمها من طول معاشرته للرجل الكبير، رجل الأعمال البارز وصاحب الحقيبة الوزارية مؤخرا، والذي ينفي عن نفسه ليل نهار أية علاقة تربطه بجماعات الإسلام السياسي، رغم شغله موقعا يقترب من القمة في أهمها، بل لعله يفوق هذه القمة فعليا بما له من مال ونفوذ، فالمال الوافر في بلادنا لا يقهر حين يعرف صاحبه أين يرمي بفتاته

(32)
وكان القمر بدرا

الاثنين، السابع عشر من سبتمبر
توجه العروسان للإسكندرية عبر الطريق الصحراوي بعد تقديم الطلب في سفارة بريطانيا، فوصلا قبل المساء، وقاد "علي" بعروسه حتى شقتها في زيزينيا لتعد بعض أشيائها في حقيبة، واتفقا أن يمر عليها بعد ثلاث ساعات، فقام خلال الساعات الثلاث ببعض المشتروات ليتم اللمسات الأخيرة لمفاجأته التي أعدها، ثم توجه لشقته فارتدى التوكسيدو السوداء التي اشتراها لهذا اليوم من بريطانيا منذ سنوات، عقد البابيون الأنيق وشد الحزام الحريري الأسود حول خاصرته، ثم جال في الشقة ليتأكد من وضع كل شيء في مكانه، ومر على الغرف يعطرها بمعطر الياسمين، ألقى نظرة أخيرة على حامل اللوحات المغطى بملاءة بيضاء في الصالة، ثم خرج، وفي التاسعة مساء كان أمام العمارة الحديثة نسبيا والتي تسكن "ماري" بالدور السادس منها، هاتفها على المحمول فطلبت منه الصعود، وعند باب شقتها لاقته إحدى صديقاتها، لم يرها من قبل، أوروبية شقراء هادئة الملامح، دعته للدخول لانتظار عروسه باسمة، ومرت لحظات كان فيها مستوى الأدرينالين في دمه يكاد أن يرتفع للسماء السابعة، ثم خرجت "ماري" للصالة في فستان زفاف من الحرير الأبيض، آية في بساطته ورقته، مشغول عند الصدر بتطريز خفيف بنفس لونه، متوسط الطول ينتهي فوق الأرض بشبرين تقريبا، ويجسم عودها الفارع برقة وبغير التصاق، وقد جمعت شعرها الحالك اللامع في ضفيرة كبيرة عقدتها مع شريط دانتيل أبيض ومررتها أمام كتفها لترقد على صدرها الريان وتصل لمستوى منتصف ذراعها تقريبا، فوق رأسها وضعت تاجا صغيرا أنيقا يناسب هيئتها الملكية وغطت كتفيها وأعلى ذراعيها بشال أبيض من صوف رقيق له وبرة غنية، مكياجها الخفيف أعطى وجهها شكلا أسطوريا لأن عينيه لم تتعود على رؤية أحمر الشفاه فوق شفتيها ولا رؤية عينيها المرسومتين، تصور للحظة أن هناك هالة من النور تحيطها! هل يمكن أن يكون الحور أكثر جمالا يا معشوقتي؟
هكذا فكر وهو يقف لاستقبال أميرته منبهراً، فسبحت عيناه تحاولان الإلمام بكل التفاصيل، خرجت وراءها صديقة ثانية فلم يتبين ملامحها، رآها كطيف لأن "ماري" كانت تحتل كل قدرته على تمييز المرئيات، إذا .. فهي أيضا أعدت له مفاجأة؟ عندما سألها في القاهرة لو كانت تحب أن يشتري لها فستان زفاف أجابته بأنها لا تحب فساتين الزفاف ولا تنوي أن ترتدي واحداً! كان يحلم بالمشهد الرومانسي وذيل فستانها الأبيض يرقص على قدميه وهو يرتدي التوكسيدو السوداء كما غنت نجاة الصغيرة[1]! لكنه احترم رغبتها ولم يناقشها فيها، فعلت هذا لتفاجأ عينيه بهذا المشهد الأسطوري لثوب لم يره إلا في هذه اللحظة وبهيئة تخالف "ماري" التي زاملها وصادقها ثم عشقها، ما أروع المرأة حين تحب وحين تريد بصدق أن تثير الدهشة في عيني حبيبها؟ دهشة ضرورية للرجل حتى يحيى الحب، لا تقل ضرورة عن فخر المرأة بشيء أو اثنين في حبيبها، كانت تنظر في عينيه مبتسمة، أحبت نظرة الرضا التي يراودها الانبهار في عينيه، فلا توجد امرأة لا يسعدها انبهار رجلها بجمالها، أو بجمال شيء صنعته يداها من أجله، تقدم نحوها مادا ذراعيه أمامه وباسطا كفيه فاستقبلتهما بكفيها، قبل وجنتيها ثم رفع كفيها فلثمهما، سمع صوت تصفيق صديقتيها فانتبه لوجودهما واستدار لهما شاكرا، سألته "ماري" ووجها مشرق بالسعادة لأنها ترى إجابة سؤالها مقدما في عينيه: إذا فجهود الفتاتين قد أثمرت، وتمكنتا من تحويل الباحثة الشمطاء إلى عروس؟
- أسطورية
هكذا همس لها قبل أن يستمر قائلاً: تمكنتا من تحويل العبقرية الفاتنة إلى عروس أسطورية، كدت أقسم أني أرى هالة من نور تحيط بوجهك رائع الجمال
شكر العروسان الصديقتين ثم خرجا، وفي الشارع فتح لها باب سيارته لتجلس، فوجدت دواسة السيارة تحت قدميها مغطاة بأوراق الفل اليانعة! يعرف أنها تحب رائحة وملمس الفل، مالت العروس للأمام فأمسكت قليلا من الفل بقبضة يدها واستنشقت رائحته الطازجة المنعشة، ثم مالت على "علي" الذي احتل كرسي السائق إلى يسارها فمنحته قبلة ممتنة على عنقه، انطلق العاشق الذي انتظر سنينا بالسيارة السوداء يتعجل اللحظات ليصلا للبيت، فحين يقترب الفرج ينفذ صبرنا بعدما انتظرناه مليا وهو بعيد عنا، كان يذوب لهفة ليرى أثر المفاجأة عليها، يتمنى أن تسعدها كما أسعدته، لا يدري كيف مر الطريق، فهو لا يذكر أنه رأى أو سمع شيئا خلال العشرون دقيقة التي استغرقها الطريق من بيتها لبيته
صعدا في المصعد الكهربائي عتيق الطراز، وعند باب الشقة مد يده بالمفتاح وطلب منها أن تتفضل بافتتاح العش المؤقت بعد التعديلات، سألته عما يعنيه بالتعديلات فأجاب بأن عليها أن تفتح لترى، أدارت المفتاح متطلعة وعلى شفتيها بسمة لم تلبث أن اتسعت حين دلفت للصالة، لقد تغير كل شيء تقريبا، أعيد طلاء الجدران بلون أبيض بهيج، ولمع خشب الأبواب والأرضيات بلمعة أنيقة أظهرت جمالها، وتألق في جنبات الصالة آنتريه من الآرابيسك دقيق الصنع، تناثرت حوله طنافس ومساند جلدية فوق كليم من الصوف، كان يعرف أنها تعشق الآرابيسك والديكور الإسلامي، صرخت سرورا بعد أن استوعب عقلها المفاجأة الجميلة وقالت: لكن .. متى .. وكيف وقد كنا سويا طوال الوقت؟
أجابها وهو يحيط كتفها بذراعه: تماما كفستانك يا مولاتي، فالأصدقاء ذخيرة حياتنا، طلبت من صديق مهندس إصلاح ما أفسده الدهر في العش القديم، وطلبت منه الاستعانة بجيش من العمال ليتم العمل في غضون يومين، أما الآنتريه فاشتريته بنفسي ساعة تركتك مع "عزة" في محل المصوغات في خان الخليلي، واخترت معه قطعة ثانية
لاحظت حامل اللوحات المغطى، فأشارت إليه وهي تقول وقد اتخذت خطوة نحوه: تبدو كمفاجأة ثانية؟
تقدم فوقف بجوار الحامل كاشفا الغطاء عن اللوحة، فاتسعت عيناها وغطت فمها بكفيها وهي تنظر لوجهها الذي يحتل منتصف اللوحة، وخلفه ظلام دامس إلا من بدر في السماء، وقد قارب الفنان الذي رسمها بين لون واضاءة وجهها وبين نور البدر لدرجة لا تخطئها العين، كأنه يعكس البدر على وجهها أو العكس، رأت توقيعا أسفل اللوحة باسم "أحمد فتحي"، فأشارت نحو التوقيع، وقبل أن تسأل أجابها: تخيلتها دوما، وتمنيت لو رسمتها بنفسي، لكن قدراتي في الرسم دون هذا بكثير، رسمها صديق فنان بعد عودتنا من بريطانيا منذ سنوات، أعطيته صورتك ووصفت له ما أريد، فرآها العبقري بعين خيالي ورسمها كما تصورتها وحلمت بها، فأودعتها هنا في الإسكندرية لتكون ونيسي في ليالي الوحدة
- لهذه الدرجة يا "علي"؟ كل هذا الحب؟ ما أحمقني!
هكذا علقت وهي تضمه إليها ضمة حميمة، فقال: يبقى جزء أخير من المفاجأة، القطعة المتممة لآنتريه الآرابيسك التي اخترتها معه
قالها وهو يجذبها من يدها نحو الغرفة الداخلية، فتح باب الغرفة ووقف مستندا للباب المفتوح ثم انحنى بحركة مسرحية مشيرا لها بذراعه لتدخل مقلدا الخدم الإنجليزي الأرستقراطي، انبعثت رائحة الياسمين التي استخدمها لتعطير الجو والأثاث منذ ساعتين، كانت غرفة النوم بأكملها من الآرابيسك كذلك، وزادتها ستائرها الحريرية شرقية الطراز روعة بلونها الذهبي الهاديء، وحين خطت العروس خطوتها الأولى، سمعت صوت كصوت أوراق شجر جافة تحتد قدميها، نظرت لترى الأرض كلها مغطاة بأوراق ورود جافة، وحين رفعت عينيها تتأمل الغرفة، فغرت فاها من فرط الدهشة، لم تكن الأرض فقط، بل غطت الورود كل سطح في الغرفة، التسريحة، خزانة الأحذية، الكومود، وعلى الفراش كتبت بأوراق الورود عبارة من كلمتين "الله محبة"
تعلقت بذراعيها في عنقه وقبلت شفتيه قبلة طويلة مفعمة بالإثارة هذه المرة، ثم أفلتت ضاحكة وتقدمت نحو خزانة الملابس وهي تنزع الدبابيس التي تثبت تاجها وتقول: لم تترك لي خيارا، فلتستعد لردي على مفاجأتك بمفاجأة لم تحلم بها يوما
ابتسم لها وهو يلتقط جهاز تحكم صغير من فوق التسريحة ويضغط أحد أزراره، لتنبعث موسيقى سيمفونية "شهرزاد" لكورساكوف، يعرف أنها تحب "شهرزاد" لأنها أول ما دفعها للاهتمام بالشرق في صباها، أطفأ نور الحجرة الرئيسي مكتفيا بالأباجورة الصغيرة بجوار الفراش وضوء القمر المتسلل من النافذة التي تركها مفتوحة ليتسلل منها نهر النور الفضي الساحر، تقدم نحوها وكانت قد تخلصت من حذائها وتاجها وفكت ضفيرتها، ليحيط شعرها الأبنوسي بوجهها العاجي البشرة، رقصا معاً في ضوء القمر .. وكان القمر بدراً

Monday, September 15, 2008

انهيار برج بابل- 30

(30)
الله محبة

تنبه لصوت باب الغرفة المضاءة يفتح وتطل منه حبيبته في منامتها القطنية وهي تداعب مؤخرة رأسها بيدها، ثم تبتسم ناظرة له وتقول: بدلنا الأدوار اليوم، صحا ساهر الليل قبل الطائر المبكر .. صباح الخير
تنفس الصعداء بعد أن تأكد من إطلالتها أنها بخير .. ثم رد التحية وأتبعها بقوله: أرعبني النور المضاء على غير عادتك، فكرت أن أقتحم الغرفة لأطمئن
- ولماذا لم تفعل؟
قالتها مداعبة بدلال وقد أولته ظهرها متجهة للحمام، ثم استدارت فنظرت له من فوق كتفها نظرة زينتها بابتسامة ساحرة .. ابتسامة شعر فيها بشيء جديد تماما، شيء يشبه دلالا مثيرا لم يره منها قبل اليوم، حتى غلب على ظنه أن الكاريزما الأكاديمية طردت منها دلال الأنثى، ولم تبقِ إلا على دلال طفولي مرح، كم تمنى أن يرى هذا الجانب منها؟ أن يقترب من "ماري" الأنثى والزوجة والأم .. ترى ماذا غير نظرتك يا "ماري"؟ هل أوحت لك الخلوة بما لم تفكري فيه قبلاً؟ لو كان الأمر كذلك فلا ريب أن أمامي تجربة كتجربة المسيح في البرية، اختبار مشكلته أن الرسوب فيه أحب من النجاح وأشهى! هكذا فكر "علي"، فربما لا يأبه لألف امرأة ولو في خلوة، ولكن هي .. "ماري" التي انتظرها بظمأ السنين وأرادها بشوق العمر، لا يعتقد أن مقاومته لو نوت أمراً ستكون كما ينبغي، لو كانت هناك مقاومة على الإطلاق، دعاء من إنجيل لوقا يقول "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ"[1]، لا يظن أنه بحاجة لشر الشيطان، فنفسه الأمارة كفيلة به جدا، مسح وجهه بيده ليطرد ما تردد برأسه من أفكار، وحاول أن يقنع نفسه أن "ماري" مستيقظة لتوها وحسب، ولهذا تتصرف بعفوية أنثوية لن تلبث أن تفيق منها مع الماء البارد وتعود لطبيعتها، الصديقة الجادة وحسب
شعر بحاجة لشراب ساخن، فرفع صوته يسألها لو كانت تحب أن تشرب شيئا، أجابت بأنها تريد شايا بالحليب فقام للمطبخ ليعد لها الشاي ولنفسه قهوة فرنسية سوداء بقليل من السكر، فقط ما يكفي لقتل مرارتها دون أن يطغى على نكهتها، شغل غلاية الماء الكهربائية ثم تلهى بوضع الشاي والقهوة الجافة والسكر في الأكواب حتى غلت المياه، سمع صوت خطواتها خلفه وهو يصب الماء الساخن، كاد يلتفت ليراها، حين وجد كفين باردتين من أثر الماء تطوقان وجهه وتغطيان عينيه .. لا .. هناك شيء ما .. ليست "ماري" التي عرفها طوال هذه السنوات! هكذا فكر "علي" بينما دقات قلبه تتسارع في ترقب لذيذ، عندما تكون سرعة ضربات القلب بهذا الجمال فهل من العدل أن نحسبها عرضا مرضيا؟ تزايدت سرعة قلبه وزاد اندفاع الدماء في وجهه وفروة رأسه حين تحركت يداها لتحيط جذعه بذراعيها من الخلف، ثم وضعت رأسها على ظهره متناومة كقطة رقيقة، انتابت جسده قشعريرة محببة .. لقد ثبتت الرؤية ودخل في عمق التجربة ولا يرى له منها نجاة! تسللت قطرتان من عرق بارد من جبهته نحو أذنيه، ومع وصولهما لشحمة أذنه وصله صوتها الهامس وهي تقول: كم تستغرق اجراءات زواج الأجانب هنا؟
- نعم
هكذا أجابها لا شعوريا وهو يشعر بقلبه ينخلع من صدره طربا ولهفة وشوقاً، فأعادت عليه ما قالته تواً، هتف باسمها وهو يستدير ليواجهها، وعلامات فرح كمن بُشِّرَ بملك الدنيا ترتسم على وجهه، نظرت في عينيه نظرة أسكرته .. يا الله! أي جنة أبقيتني خارجها دهرا يا حوائي الحبيبة؟ .. هكذا فكر قبل أن يسألها سؤالا ساذجا لدرجة العبط قائلا: تعنين أنا وأنت؟
لم تجب بكلمات ولكنها هزت رأسها موافقة وهي تعض على شفتها السفلى في خفر محبب فما كان منه إلا أن أمسك بوجهها بين كفيه وهو لا يكاد يملك زمام نفسه من الجذل، وما أن نظر في عينيها لحظة حتى رأي العينان النافذتان تهبطان برقة على وجهه، لتستقرا عند شفتيه، في هذه اللحظة تبخر الكون فلم ير غير شفتيها، فاقترب من ثمرة الجنة فوق شفتيها بثغره ورجفة تعصف بكيانه، ثم اندفع يقبلها بظمأ السنوات، سنوات الحب والحرمان وأحلام اليقظة، قبلة طالت فذاب فيها الحبيبان كالسكر في ماء ساخن، هل أتت الموسيقى لحظتها من مكان قريب؟ أم ترددت بجوفه فوصلت لأذنيه؟ أم كشفت عنه الحجب فاستمع لموسيقى السماء؟ أي أجسام نورانية تتراءى لعينيه المغمضتين؟ كأنها ملائكة الحب ترقص حولهما على عزف الحور! لم يصمت عقله لسنوات حتى في نومه إلا بهذه اللحظة، لحظة التقاء الشفاه بظمأ العمر، فبهذه اللحظة أختصر كيانه كله في شفتين!
...
"هذه ليلتي و حلم حياتي .. بين ماض من الزمان و آتِ .. الهوى أنت كله و الأماني .. فاملأ الكأس بالغرام و هاتِ" .. هكذا انبعث صوت كوكب الشرق في غرفة المكتب، وقد حلت أضواء الشموع الوسنانة محل النور الكهربائي، وعلى الفوتيه الضخم بزاوية الحجرة جلس "علي" و"ماري" على ساقيه وقد واجهته تلعب في خصلات شعره، أو ما عفا عنه الزمن من هذه الخصلات، وليس الزمن بصاحب عفو كبير!
منذ عانقته وقالت ما قالته، خطر لعلي ألف مرة أن كل هذا قد يكون حلما من أحلامه، فدعا الله في قلبه مناجيا لو كان حلما أنعم عليه به، أن يتم نعمته فيقضبه إليه من فوره، فمن الأحلام من يشعر المرء لو صحا منها وكأنه سقط من الجنة في نار السعير، لكن الحلم يطول ومع كل لحظة جديدة يزداد يقينا بحقيقته، لهذا قرر أن يعيشا معا كل لحظة في تلك الحقيقة الرائعة للحد الأقصى كما تخيلها لسنوات، نظرت في عينيه باسمة وقالت بدلال وحنان: هل اكتملت الطقوس السحرية؟
- بل اكتمل الحلم .. فقد حلمت بهذه اللحظة دهرا، بكل التفاصيل .. هذه ليلتي .. ضوء الشموع، نسيم البحر يهب من الشاطيء البعيد .. وأنت وأنا .. والسحر من عينيك يلون الكون حولي بلون الحنين، فقولي الآن ما طاب لك أيتها الأميرة
- رسالة وصلتني من السماء
- لتقبلي الزواج مني؟
- رأيت "يسوع" في حلمي، أو ربما كانت أيقونة ليسوع، لكنه حدثني .. أو هكذا خيل إلي
- أدركتك عدوى الأحلام إذا؟
ضحكت بدلال رائق كعسل مصفى وهي تقول: لكن محتوى حلمي كان واضحا جليا، عبارة من كلمتين .. الله محبة، أعقبها صوت الراهبات يترنمن بنشيد الأنشاد: "إنْ كُنتِ لا تَعرِفينَ أيَّتها الجميلةُ بَينَ النِّساءِ، فاَتْبَعي آثارَ الغنَمِ، واَرعَي جداءَكِ هُناكَ عِندَ مَساكِنِ الرُّعاةِ"[2]
يغمض عينيه ليتذكر بقية النشيد فيتمه لها قائلا: "كفرَسٍ أنتِ يا حبيبتي في مَركباتِ فِرعَون، ما أجملَ خدَّيكِ بالحِلي وعُنقَكِ بِعُقودِ الخرَزِ"[3]
نظرت في عينيه الوالهتين وهي تقول: لم تكن السنوات أقل قسوة علي منها عليك، كنت كمن غطت عينيها بكفيها لتتخبط في الظلام، وهي عاجزة عن اتخاذ القرار برفع كفيها ورؤية النور
- وجاء النور مع الرؤيا؟
- الحلم مجرد دعم روحي جاء في وقته، جاء من داخلي، من عقلي ووجداني الذي تمناك دهرا، فأمس .. شعرت به بقوة .. كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بوجوده الطاغي في كل شيء حولي، كنت أبحث عنه بعقلي فلم أهتد لطريقه، لكن قلبي هداني، فعرفت الله
- كنت واثقا منذ اليوم الأول أن هذا سيحدث
- كيف؟
- كان ما يفصلك عن الإيمان هو لحظة وجد، وفيها تشعرين الله في قلبك كحال "ابن عربي" يوم قال "ليس بجوهر متحيز فيقدر له مكان ولا بعرض فيستحيل إليه البقاء ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهات والأقطار، مرئي بالقلوب والبصائر"[4]
اقتربت منه فوضعت خدها على خده وهمست في أذنه: انهارت مقاومتي، أمنية اقتحمتني وملكت على كياني وأنا أقرأ مقالك في هدأة الفجر، تمنيت أن أكون زوجتك وأما لطفلك، كل شيء كان ذا قيمة عندي رأيته يتضاءل فجأة، وتكبر أنت بقلبي على حسابه، ووعدي لأمي كان أول ما تضاءل وهان بقلبي
- كنت أنتظرك، وكنت واثقا أن ربي لن يخزيني فيك يا مريمي، فقد طلبتك منه خمس مرات في اليوم والليلة
- والآن وقد أتيتك رافعة رايتي البيضاء، ما خطتك؟
ارتسم الجد على ملامحه كأنه يذيع خطة عسكرية وقال: سنتصل بعزة حتى تستعد، وفي الصباح نتجه للقاهرة ونصحبها لنشتري خاتم الزفاف، وفي المساء نتم العقد الشرعي فنصبح زوجين أمام الله، الاثنين القادم نطلب إفادة بحالتك الاجتماعية من سفارتك، وحين تأت الإفادة نأخذها لوزارة العدل في لاظوغلي بقسم زواج الأجانب ونتم الزواج في يوم واحد إن شاء الله
- كيف عرفت كل تلك التفاصيل؟
- عرفتها لأني كنت أنتظرك
ضربت الأرض بقدميها وهي تمثل التذمر كطفلة وتقول: مازال علينا أن ننتظر أوراقا تأتي من بريطانيا لتفيد أنني لست متزوجة!
- من قال أننا سننتظر؟ بعد تقديم الطلب سنعود لعشنا ونبدأ شهر العسل يا عروسي الرائعة، سنكون زوجين شرعا قبل الزواج المدني
- أحبك
قالتها بسرعة وعفوية، قبل أن تستدرك ضاحكة فتقول: قلتها أنا قبلك! هل تصدق أنك لم تقلها لي صريحة قبلا؟ ربما كان تفسيرك للحرفين بعد اسمي منذ قليل أصرح ما قلت لي، لكنك أبدا لم تقل لي "أحبك" بملأ فمك!
- أحبك .. بل أوحِّدك، وأعظم الحب التوحيد، ربي واحد في السماء، وأنت واحدة في النساء
قالها وهو ينظر بعينيها، قبل أن تقترب منه فتقبل وجنته ويقبل جبينها ثم يتم خطته قائلا: سنقضي يومين في الاسكندرية، ثم نطير إلى دمشق فنكمل أسبوعا من العسل المصفى، وبعدها نطير من دمشق لآربيل ومن آربيل لبغداد
- نعم؟
قالتها بعفوية تملأها الدهشة وقد قطبت حاجبيها فجأة، فشرع يحكي لها عن مكالمته مع "كاظمي" وكيف خطط لاصطحابها معه قبل أن يعرف بقرارها الزواج منه، فهو يعرف كم تتمنى المشاركة في عمل كشفي وبحثي كهذا، قبلته في سرور طاغ وهي تقول: الإشتراك في عمل كهذا هو هدية زواجي الحقيقية يا زوجي الرائع، لهذا سأتغاضى عن عدم خوفك على عروسك من قضاء شهر عسل في أسخن بقعة في العالم
نظر لعينيها نظرة عميقة، ثم قال وشبح ابتسامة يفيض غموضا على شفتيه: ستكونين بألف خير، لولا يقيني من هذا ما طلبت أن أصطحبك معي، أما قلت لك قبلا .. حدثتني عنك الكروم؟ حدثتني عنك النجوم؟ وزهر الفل وهبات النسيم؟ ستكونين بكل خير، وستكون تلك الرحلة نقطة فارقة في حياتنا، هكذا حدثني قلبي، وأنا أصدق كل ما قال قلبي
- تتغلب روحك على منطقك كثيرا يا مؤرخي الحبيب، لكنني أحب ذلك أيضا
- المنطق اخترعته أرواحنا لتخلق مبررا لما تهفو إليه، ولهذا تبقى الروح مهيمنة على المنطق في كل حال، ما تهفو إليه القلوب هو المنطق وهو الحق يا مريمي

انهيار برج بابل- 28-29

(28)
سر من رأى
المئذنة الملتوية، أو الملوية بلهجة أبناء العراق، ذلك الصرح المتفرد، والقائم كشاهد عبر الزمان بالقرب من مرقدي الإمامين "علي الهادي" و"الحسن العسكري"، إنها إذا سامراء أو سر من رأى، الحاضرة التي بناها "المعتصم"[1] عاصمة لملكه على ضفاف نهر دجلة، حتى يؤوي إليها جنوده الترك الذين استعان بهم بعد أن تعكرت علاقة العباسيين بالفرس على عهد والده "الرشيد" بعد الأحداث الدامية التي عرفها التاريخ بنكبة البرامكة، "المعتصم" .. والسيف أصدق أنباء من الكتب .. في حده الحد بين الجد واللعب[2]، "الجاحظ" ما بين أهل الكلام[3] والمعتزلة[4] أهل العدل والتوحيد، "أحمد بن حنبل" وأهل الفقه، "البخاري" وأهل الحديث، "الكندي" والفلاسفة، "المتنبي" والموهبة الفذة مع المكيافلية الصارخة، "المهدي" وغيبته، وبرودة البطيخ السامرلي في قيظ الصيف! أي مدينة ملوية زاخرة بالأضداد أنت يا سامراء كمئذنتك الملوية؟ كم من العظماء مر بك في الزمن الغابر؟ وكم من السفهاء حاول تدمير بنيتك الفسيفسائية في الزمن الحاضر[5]؟ فالسفهاء لا يحتملون الثراء ولا يطيقون التعدد، التعدد والصغار ضدان لا يجتمعان، هذا ما يقوله لنا درس التاريخ، ولكن .. ماذا أردت مني يا سامراء ولدي ما يكفيني ويشجيني؟
سامراء خط التقاء الدم العربي بالدم الكردي، زحف الدم العربي شمالا من حضرموت، والدم الكردي جنوبا من جبال زاجوراس، وفي ميزوبوتاميا التقي النهران وامتزج العرقان، فأي سر تدخره لي اليوم تلك المدينة الذاخرة بأسرارها؟ أتوقع أن تبدأ أحداث حلمي الجديد، لكن صورة المئذنة الحلزونية المميزة تهتز أمام عيني، وأدخل في حالة ضبابية بين النوم واليقظة، حتى تقتحم أذني رنات المحمول الصاخبة، عندما أضبطه على وضعية النوم لا يصدر رنينا لغير المكالمات الدولية أو مكالمة من "ماري"، وبما أنها في الحجرة المجاورة فلابد أنها مكالمة دولية، هكذا فكر "علي" فنهض بجذعه في الفراش، التقط الموبايل وطالع الشاشة بعين مازالت بها آثار نوم، الرقم على الشاشة يبدأ بأرقام 964 .. العراق؟ .. مكالمة من العراق الآن وبعد هذه الحلم السامرلي؟ بدأ الأمر يتجاوز حدود المعقول، الرقم التالي لكود العراق هو رقم واحد؟ إذن فهي بغداد أو .. لعلها سامراء .. هل لسامراء شمالي بغداد كود مختلف عنها؟ عقدت الدهشة يديه فلم يستطع أن يفتح الخط مجيبا حتى سكت الرنين، اعتدل في فراشه جالسا ومد يده لعلبة سجائره يشعل واحدة، وعندما عاد الهاتف للرنين رد من فوره مجيبا ليأته صوت صديقه الدكتور "كاظمي عبد الأمير" المؤرخ العراقي المتخصص في التاريخ العباسي، والذي كانت فترة اقامة "علي" في بغداد من أروع فترات العمر بفضله، وبعد تبادل التحيات الحارة سأله "علي" عن أحواله وحال العراق فأجاب: مازلنا أحياءً يا صاحبي في هذه الأيام الخايسة[6]
- ستمر كما مر غيرها يا أبا هادي، نحن في مصر نقول "كم دقت على الرأس طبول"
- عزا العزانا[7] يا صديقي، الطبلة هذه المرة آلة حرب مجنونة يطلقها عميان، لكن ما لهذا خابرتك، قرأت مقالك لتوي على الإنترنت.. أراك ساطر هؤلاء المتاعيس سطرة[8] شديدة
- وما رأيك؟
- رائع، لكنها ليست معركتك، دعك من ضرب ذيل الحية عندك وتعالى لنضرب رأسها هنا سويا
- ماذا تعني بضرب رأسها؟ وهنا أين؟
- انتبه لي يا "علي"، أخابرك الآن بخصوص مخطوطات بدرجة عالية من الأهمية، مخطوطات تاريخية عالية القيمة
تنبه عند سماعه لفظ "مخطوطات" وتبددت من عينه آخر خيوط النعاس، فانقشعت عن نور النهار ينساب بحجرته من بين الستائر، قام يفتح ستائر الشباك بغرفة نومه وهو يرد مستزيدا من المعلومات حول المخطوطات، فأجابه: أشارك مع اليونسكو في ترميم آثار خربها محروقي الصفحة[9] في سامراء، بغير دخول في تفاصيل، عثرنا بمخطوطات .. أو .. عثرت علينا مخطوطات تنتمي لعدة عصور، سافر الدكتور "ديار كاكل" ببعضها لباريس لفحصها بالكربون المشع فثبتت أصالتها
- لم أعرف أن "ديار" معك في مشروع اليونسكو؟
- لجأت إليه حين احتجت إلى خبير أثري
- عالم أمين ورجل شهم، ليت العراق كلها "كاظمي" و"ديار"، عربي شيعي وكردي سني في فريق عمل واحد!
- لا طائفية مع المنهجية، المهم، متي يمكنك الحضور؟
- هل الأمر يستدعي سفري؟ وهل هناك مساعدة أستطيع تقديمها غير ارضاء فضولي التاريخي؟
أجابه "كاظمي" بالإيجاب، موضحا أنهم يحتاجونه لأمرين، أولهما ربط موضوعات الكشف في شكل طرح تاريخي مؤثر إعلاميا، فضلا عن موضوعيته أكاديميا، فتخصص "كاظمي" الزمني يكمله تخصص "علي" في القرنين الأول والثاني الهجريين، كذلك يحتاجون توثيقه لقراءة المخطوطات المكتوبة بالحجازية[10] القديمة الغير منقوطة أو محركة، ولأن الكشف مازال سريا فهو يحتاج لمن يثق به كعلي ليصبح العضو الثالث في الفريق، بدأ "علي" يقتنع بفكرة السفر، فمخطوطات عربية قديمة كانت إغراءً يصعب مقاومته، وخطر بباله أن "ماري" تتوق منذ زمن للمشاركة في عمل ميداني كهذا، فسأله: هل يمكنني الاستعانة بمن هو أقدر مني على قراءة المخطوطات الحجازية[11]؟ الدكتورة "ماري ماكسيمليان" خبيرة الآرامية والنبطية والعربية القديمة
- تخصصها عين المرام، مادمت تثق بها فهي على الرحب والسعة، ولكن عليك إطلاعها على خطورة الوضع في العراق، والتأكد من رغبتها في خوض المخاطرة
- إذا فأنت تخشى عليها وليس علي؟
- الحقيقة أني أعرفك بما يكفي لأعرف أنك ستقدم على ما نعد له هنا مهما كانت المخاطر، أما هي فلا أعرفها على الإطلاق
- هي عزيزة علي بما يكفي لأضن بها على المخاطر، لكن الخطر قدر إنساني يتكرر مع كل نفس يتردد بصدورنا، لهذا لا أرى في العراق خطرا أكثر مما هنا في الإسكندرية برغم ظروف الحرب "قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ"[12]
- هناك أمر آخر أقدر أنك مهتم به، فهو وثيق الصلة بإخوانك هؤلاء الذين أعلنت عليهم الحرب بمقالك، وسأشرح لك تفاصيله حين أراك في بغداد بإذن الله
اتفق الصديقان على مناقشة التفاصيل والترتيبات من خلال البريد الإلكتروني، بغير التصريح فيه بأي شيء عن الكشف وطبيعة الزيارة حرصا على السرية قدر الإمكان، وإن كانت الهواتف المحمولة ليست آمن بكثير من المكاتبات عبر الإنترنت في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، وحين أغلق "علي" الخط تعجب من جرأته على تعريض معشوقته لتجربة السفر للعراق في ظروف الحرب، لكنه كان يشعر بشيء في قلبه يدفعه لهذا دفعا، وفكر كيف يفاتحها في الأمر، لكنه كان موقنا أنهما سيكونان معا هناك في العراق .. ويشعر أن زيارتهما تلك ستغير مجرى حياتهما معا
...

(29)
أشواك القلق

قام "علي" من فراشه نشطا والأفكار تأز في رأسه، فاجتاز الطرقة القصيرة بين غرفته والحمام في خطوتين واسعتين، ووضع رأسه تحت الماء البارد ليفيق لهذا اليوم الذي بدأ بداية حافلة، ثم عاد لغرفته فجلس على حافة فراشه وذهنه يطن بتساؤلات عدة، حلم بسامراء يصحو منه على "كاظمي" يدعوه لسامراء؟ ومادمنا نتحدث عن سامراء فالأمر متعلق بالإمامين "علي الهادي" أو "الحسن العسكري" أو أحدهما، هل لكل هذا علاقة بأحلامه حول أمير المؤمنين؟ هل للمخطوطات علاقة بالرق الذي كان الإمام "علي" يخطه في الحلم؟ ولو كانت الأحلام مجرد خبرات من الماضي فكيف صحى من سامراء على سامراء؟ هل هو نوع من التخاطر بينه وبين "كاظمي" حين قرأ صديقه مقاله على الانترنت وفكر بإطلاعه على سره؟ هل رأى سامراء أصلا في حلم أم في خيالات يقظة؟ كان جزء من عقله يأبى دائما أن يفسر تلك الأحلام إلا كإعداد له لأمر ما، إعداد روحي! فهل يكون أمر المخطوطات هو الأمر؟
طافت كل هذه التساؤلات برأسه، لكن السؤال الأهم كان: لماذا هو؟ لماذا "علي الإمام" تحديدا؟ وما دوره الذي ينتظره منه "كاظمي"؟ فمهمة صياغة الطرح التاريخي بصياغة يفهمها العوام، أو مهمة مراجعة المخطوطات القديمة ليستا بالسبب الكافي ليحتاج "كاظمي" دعما منه في وجود أثري بارز مثل "ديار" ؟ ولماذا قبل بإشراك "ماري" التي لا يعرفها في بحث وصفه بالسرية؟ "ماري" .. أين هي؟
قام متجها للصالة ليجد باب غرفتها موصدا والنور مازال يملأ حجرتها، تعجب لأنه لاحظ قبلا أنها لا تستخدم النور الكهربائي في النهار، فهل هي نائمة؟ هم بأن يقرع بابها ثم تراجع، بدأت شجرة القلق تنبت بقلبه، فقد ظن حين رأى النور بعد الفجر أنها نسته ونامت، ولكن الساعة الآن العاشرة والنصف صباحا، وعهده بها طائرا مبكرا؟ بدأت شجيرة القلق تنبت أشواكها لتخزه بوخزاتها الأولى الخفيفة، لا يستطيع أن يتجاوز الباب بأي حال، فهو لا يعرف عاداتها في النوم وقد تكون متخففة من بعض ملابسها
اتجه للمطبخ وأعد لنفسه كوبا من الشاي، تناول مع رشفات منه قطعة بسكويت مملح وقطعة شيكولاتة بيضاء، واكتفى بهذا إفطارا، سمع رنين موبايل "ماري" فتوقع أن يتوقف الرنين حين ترد، لكنها لم ترد وطال الرنين ثم سكت قليلا ليتكرر من جديد، هل يمكن أن تكون نائمة بهذا العمق؟ يتجه للصالة المستديرة على الطراز القديم في عمارة الخمسينات، فيجلس على أقرب الفوتيهات لباب حجرتها، وعقله يسأل في إلحاح: ماذا ألم بك يا ملاكي الحارس؟ أرجوك كوني بكل خير، لعلك لا تعلمين أن قلبا بهذه الدنيا دقاته في أعمق معانيها هي صدى دقات قلبك؟ يا رب، قد تكون الصبية لم تهتد بعد لشاطئ الإيمان والأمان، لكن قلبها بكل خير، فاحفظها يا عالما بحالها وحالي، وأرها طريق النور في قلبها لتسلكه نحوك، طريق الحقيقة يا إلهي .. صراطك المستقيم، هكذا كان يناجي ربه في جلسته المترقبة على بابها، كم يقتلنا الأرق على من يأرق لهمومنا ويحنو علينا! نحن ببساطة نفزع عليه ونفزع من تصور حياتنا بغيره، أي أننا نقلق على أنفسنا
مرت نصف ساعة إلتهم القلق خلالها كبده فقرر أن يقرع الباب وهم بذلك بالفعل، لكن خيل إليه أنه يسمع صوت تنفسها حين اقترب من باب الحجرة، كان صوت تنفسها منتظما هادئا، فطمئنه ذلك قليلا، المرضى لا يكون نومهم قريرا ولا تنفسهم هادئا كهذا، ولكن منذ متى كنت يا "ماري" نئومة الضحى؟ هل خيل إلي أن أنينا خفيفا صاحب أحد زفراتها؟ .. فتح التلفاز ليتلهى عن قلقه، أخذ يداعب الريموت بيده لعله يجد ما يستحق الرؤية، وقليلا ما يجد ذلك على القمر العربي، لا يستقبل هنا في شقته بالإسكندرية القمر الأوروبي حيث تذاع قنواته المفضلة مثل ناشيونال جيوجرافيك وسي إن إن، متى يكون لدينا قناة مثل ناشيونال جيوجرافيك في بلاد العرب؟ هناك إرهاصات لقنوات وثائقية جيدة لكن الشوط مازال بعيدا، ومازالت السياسة الرسمية لدولة القناة تتحكم في المادة التي تبثها، توقف للحظات عند واحد من إعلانات الحملة الضخمة التي تدعمها الولايات المتحدة لخلق رأي عام داعم لاحتلال العراق في العالم العربي، وذلك بإذابة الفاصل بين ما هو إرهاب وما هو مقاومة، وهذه الحملات مجدية جدا على عكس ما يتوهم البعض منا، فهي تغير الوعي الجمعي للشعوب بتكرار الرسالة حتى لو كان منطق الرسالة غير مقبول، فتكراره في إعلانات عديدة ومتكررة يكسبه مصداقية في نفوسنا دون أن نشعر، تلك هي لعبة الدعاية الإعلانية، الإضافة الأمريكية الأكبر للتراث البشري .. ويالها من إضافة!
عاد يبحث في القنوات من جديد، ليتوقف عند كليب خليع تبثه واحدة من قنوات الموسيقى، في أمريكا تذاع المواد الخليعة مساءً وبعد التنويه عن طبيعتها بحكم القانون، لكننا هنا نسميها فيديو كليب لتذاع بكل وقت وبدون تنبيه فيراها الجميع! حاول ثانية فلم يجد ما يستحق الرؤية فأغلق التلفاز وهو يردد في نفسه ألا خير يرجى من هذا الشيء أبداً، مد يده لحزمة الجرائد بجوار الباب، لم يجد بينها صوت مصر! فاستنتج على الفور أنها تستقر بالداخل بجوار فراش "ماري"، أهذا ما طرد النوم من عيني حبيبته العنيدة؟ فتح الصحيفة القومية الكبرى ليجد المانشيت الرئيسي حول العلاوة السنوية، هيهات، لن تسد العلاوات والأساليب التجميلية ثغرة، فالفجوة بين الدخول ومتطلبات الحياة الاستهلاكية فائقة، ولو أردت القضاء على شعب فارفع تطلعاته وقلل قدراته، في صحف المعارضة كانت بعض العناوين تتناول مسألة انتقال السلطة، واحتمالات تكرر التجربة السورية في مصر، ف تداعت لذهنه أحداث شورى الستة الشهيرة في تاريخ الإسلام، ربما لمناقضة حاضرنا لحال "عمر" يوم رفض أن يكون ولده بين مرشحي الخلافة، إذ أراد "المغيرة بن شعبة" أن يزين للفاروق وهو في فراش الموت أن يستخلف "عبد الله بن عمر" – وهو ذاته من زين لمعاوية استخلاف ولده "يزيد"، ولا سواء بين الوالدين أو الولدين - فأجابه الفاروق بما أحرجه وأسكته[13]، وقال في ذلك قولته البلجاء "إن كان خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فحسب آل الخطاب أن يسأل منهم رجل واحد عن أمة محمد"[14]
حدث هذا حين طعن الفاروق بطعنة الغدر، وفكر في أمر الخلافة، فكان بين أمرين، أن يستخلف كما استخلف "أبو بكر" أو يترك الأمر شورى كما تركه الرسول[15]؟ ويبدو أن رأيه استقر على الاستخلاف، ربما لظروف اغتياله واحتمالية مؤامرة فارسية اشترك فيها "أبو لؤلؤة" مع "الهرمزان"[16] و"جفينة"[17]، لكنه أحب مع ذلك أن يترك للشورى مجالا ولا يفرض على الناس رجلا بعينه، فحدد ستة من السابقين ممن يعرف أن الرسول مات راضيا عنهم، وهم "علي" و"عثمان" و"طلحة" و"الزبير" و"سعد بن أبي وقاص" و"عبد الرحمن بن عوف"، ليتشاوروا خلال ثلاثة أيام فيسموا منهم خليفة، ثم دعا "أبا طلحة" الأنصاري، فأمره أن يعد حرسا مسلحا لهذا المجلس المصغر، فلو اتفقت غالبية الستة على خليفة وعارض بعضهم وأصر على المعارضة يضرب عنقه تجنبا للفتنة، فلو انقسموا فريقان متساويان على رجلين، ترجح كفة الفريق الذي فيه "ابن عوف" كصوت ترجيحي[18]، ثم حدث أن فوض "طلحة" صوته لعثمان، وفوض "الزبير" صوته لعلي، وفوض "سعد" صوته لعبد الرحمن، وعندما تساوى "علي" و"عثمان" و"عبد الرحمن" لكل منهم صوتان، اقترح "عبد الرحمن" أن يعزل نفسه من الترشيح ويختار هو بين الرجلين، فوافقه المرشحان، فأمضى يوما في مشاورات مع ذوي الرأي والفطنة من المهاجرين والأنصار، ثم اجتمع بالناس في اليوم الثالث في المسجد، فدعا علياً فقال له: أتبايعني على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين من قبلك؟ فرفض "علي" في لحظة فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي أن يلتزم بما لم يلزمه به الله وقال "بل على كتاب الله وسنة النبي .. وأجتهد رأيي" .. وكان منطق الإمام هنا واضحا جليا كالشمس، فكل بشر بعد النبي يؤخذ منه ويرد، وهذا المنطق العلوي هو الحجة البالغة على مبدأ التقليد المحض الذي سنه "ابن تيمية" رحمه الله، والذي قدس ما قاله الأولون، ومنع المتأخرين من الاختلاف عنهم بالرأي[19]، فأفرز بهذا نحلة التطرف الوهابية وغيرها من صنوف الفكر المرتهن للماضي، لهذا كان الحق كل الحق مع "علي" وفقا لفهمه وفقهه أن يرفض التقيد بسيرة الشيخين من قبله! دون أن ينتقص هذا من تقديره لهما في كثير أو قليل، وإنما هو رفض لمبدأ تقديس غير المقدس، لكن "ابن عوف" انصرف عنه، فدعا المرشح التالي وهو "عثمان" وعرض عليه ما عرضه على "علي"، فبايعه "عثمان" على ذلك، والمفارقة التاريخية هنا أن "عليا" رغم رفضه كان أقرب لسيرة الشيخين في خطوطها العامة حين حكم من "عثمان" رغم قبوله، بل كانت مخالفة "عثمان" لنص بيعته هذا واحدة من حجج الخارجين عليه، لأنهم رأوه قد بدل سيرة الشيخين الذين بايعه الناس على الالتزام بسيرتهما، فسقطت في رأيهم بيعته من أعناقهم! .. وفي كل حال، كانت بيعة "عثمان" رضي الله عنه بداية عهد جديد تمر به الدولة الناشئة، لتشهد تراجعا في اتجاهين محوريين، الخط الاشتراكي أولا، وخط المساواة الاجتماعية ثانيا، فتشهد بداية الردة الأموية لعصر البرجوازية والعصبيات القبلية، ولا ريب أن التراجع عن هذين الخطين الفاعلين في حياة الناس كان المحراث الذي هيأ الأرض للثورة على الخليفة الراشد بسبب بني أبيه من الأمويين، فكأن هذه البيعة كانت وقت الأصيل لدولة الإسلام التي انتهجت منهج السماء، والفجر لدول وامبراطوريات عادت لها أرضيتها

Sunday, September 14, 2008

انهيار برج بابل- 27


(27)
بلـــدي

في السادسة من صباح ذات اليوم كانت "ماري" مؤرقة في فراشها، نامت أول الليل ساعة ثم طار النوم من عينيها وهي تستعيد ذكرياتها مع "علي" منذ اللقاء الأول، فتقفز بين الذكريات ذكرى أمها، فلا يزداد الصراع الداخلي الذي عانته لسنوات إلا عنتا وقسوة، قامت مرتين لترَ لو كان حارس العقار جلب صحف الصباح، كانت تتوق لقراءة مقال "علي" الذي يختم به حملته الصحفية، فقد أصر العنيد أن يتركها تشتعل انتظارا حتى الصباح، لم يتركها تقرأ ما كتب على جهازه، وقال أنه يريد رأيها في المقال مجملا، في موقعه من الصحيفة والصورة المنشورة معه وما يحيط به، كل شيء وليس مجرد كلام على شاشة، ليرى بعينيها رأي القاريء العادي فيه .. في المرة الثالثة وجدت الصحف معلقة على الحلية الحديدية لباب الشقة، فأخرجت "صوت مصر" من بينها، وألقت الباقيات على أريكة الأنتريه، على الصفحة الأولى وجدت مانشيتا عريضا: حملة بلدي، فقلبت الجريدة لترى المقال على الصفحة الخلفية، وفي صدره دائرة ذات ثلاثة ألوان، أحمر فأبيض فأسود كعلم مصر، وفوق الشريط الأبيض كتبت كلمة بلدي بخط عريض، تبدو كشارة وطنية في مجملها، يملأ الفخر كيانها وكأنها أم تفخر بابنها، لقد كتب المقال خلال الأيام الماضية وهو تحت رعايتها ورقابتها، فشعرت بالفعل كأنها أمه، استلقت على فراشها وأضاءت الأباجورة على جانبه الأيسر وأخذت تجري بعينيها فوق الأسطر وقلبها يخفق بخفقات محببة، فقرأت:
...
أطلنا الحديث في مقالين سابقين عن جماعات الإسلام السياسي التي ترى نفسها وريثا شرعيا للسلطة، ليس لقوتها أو تميزها، ولكن لضعف وتهافت غيرها من الأحزاب الهيكلية، وليس بناء على شرعية حقيقية لها، ولكن بناء على محاولاتهم إلحاقها بشرعية الإسلام، في بلد تعيش فيه أغلبية مسلمة عميقة الإيمان، مما ساعد على رواجها، لكن رواجهم برأينا ظاهرة فقاعية، لن يتمخض عن فعل حقيقي أبداً، فقد كان الرواج موجودا قبل 1952م، لكنه لم يحملهم لمواقع الحكم والسلطة كما تمنوا، ولن يحملهم في المستقبل كما يتمنون! طلبنا منهم في مقالنا الأول أن يعتذروا للأمة عن ماضيهم الدموي والتخريبي، بما أنهم يدعون في كل محفل أنه ماضٍ تجاوزوه ولا علاقة لهم به، فلم نجد لنا مجيبا، ثم طلبنا ردا في مقالنا الثاني على ما قدمناه من وقائع موثقة حول علاقاتهم بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة والعربية السعودية، فلم يردوا إلا ببضعة مقالات تشنجية، لم نكلف أنفسنا مشقة قراءتها لآخرها فضلا عن الرد عليها، لوضوح تهافتها وخلوها من أي رأي أو حجة يواجهون بها الأدلة التي نشرناها، لهذا قررنا أن نعرض عنهم في مقالنا اليوم ونتجه بالحديث لجماهير وطننا الحبيب، بدعوة نراها دعوة حق لا يختلف عليها مصري مخلص، ولو ضموا صوتهم لصوتي فيها لأحسنت الظن بهم، ولا أحسبهم يفعلون! فمن يشعل النار لا يطفئها!
منذ السبعينات، أشرفت مصر على حافة جرف طائفي شديد الخطورة، فحدث ما نعرف بداية من أحداث الخانكة عام 1972م، ثم أحداث الزاوية الحمرا عام 1981م ،وما تلاها من سطو مسلح على محلات الذهب بصعيد مصر خلال فترة الإرهاب الأسود في الثمانينات، ثم أحداث الكشح عام 1998 والكشح الثانية عام 1999م، وأزمة "قسطنطين" في 2004م، وأحداث محرم بك في 2005م، وجريمة "محمود صلاح الدين" عام 2006م[1]، فمن وراء كل هذا؟ من يدس بذور الفتنة في سماء مصر قبل ترابها؟ من يرضع أولادنا بسموم كراهية الآخر؟ تعالوا نتابع معا ما بثوه من سموم في الوعي الجمعي للمصريين، لنميز العدو المستتر في ثوب حبيب، في عام 1980 ينشر أحدهم مقالا حول عدم شرعية بناء أية كنائس جديدة في مصر لأنها دولة إسلامية، ثم يقول كبير جماعة من جماعاتهم عام 1997م أن على الأقباط دفع الجزية بدلا من التحاقهم بالجيش، حتى لا ينحازوا لصف الأعداء عند محاربة دولة مسيحية! ثم ينشر بعضهم اليوم مقالا بالصحف يقول فيه أن جماعته يوم تتسلم مقاليد السلطة في مصر سوف تبدل الدستور الحالي بدستور إسلامي، يحرم بموجبه غير المسلمين من تقلد المناصب العليا في الدولة والقوات المسلحة! فهل نعجب بعد كل هذا للفتن ونسأل من بثها ومن أفسد علينا حياتنا؟ هناك اليوم هيئات مهمتها رصد الأحداث الطائفية في مصر، وقد تسرب من مجلس الأمن القومي الأمريكي حديث عن الفتنة الطائفية كبوابة للتدخل في الشأن الداخلي المصري لو احتاجت أمريكا لهذا، أفلا يكون من حقنا في ظل تلك الظروف أن نتعجب من إصرارهم على الدق فوق وتر الطائفية بمناسبة وبغير مناسبة؟ ألا يجوز لنا الشك في دوافعهم ونواياهم؟
غير أني اكتفيت من لعن الظلام، وأطمح اليوم لأن أوقد شمعة، شمعة صغيرة لا تكلفنا جهدا كبيرا، لكن إيماني بأثرها كبير، فالتطرف مهما زاد بيننا مسلمين ومسيحيين من أبناء مصر فهو بعد أقلية، لكنها أقلية تحاول أن ترفع صوتها وتضخم وجودها للإيحاء بتعاظم أمرها، مستغلين أننا نحن السواد الأعظم من المصريين ليس لنا مثل حرصهم على الظهور، وهكذا الاعتدال والوسطية دوما أقل ظهورا وأخفض صوتا من التطرف والشطط، لكن الظرف التاريخي الذي نعيشه يلقي علينا واجبا ويحتم علينا أن نفصح عن وجودنا ونرفع أصواتنا لتعلو فوق غثائهم، وأن نفعل هذا بأسلوب حضاري يناسب تاريخنا، لهذا أقترح اليوم حملة صامتة، حملة: بلدي، حملة حضارية للتوحد مقابل محاولات الشرذمة، ولتعميق مبدأ المواطنة مقابل دعاة الطائفية ورعاتها، حملة قوامها المقاطعة الاجتماعية والاقتصادية لكل دعاة التطرف والطائفية، أفرادا ومؤسسات، نقاطع من نعرف أنه منهم في حياتنا اليومية، في الشارع والمدرسة والمستشفى مقاطعة حازمة كفيلة بهز كيانهم الاقتصادي، ومع هذه المقاطعة نتبنى كل دعاة الوحدة والتجانس، أفرادا ومؤسسات ومشروعات، ويشجع بعضنا بعضا على هذا في حملة وطنية يرمز لها علم الوطن، مضافا إليه كلمة مفعمة بالاعتزاز بهذا الوطن، بلدي، شارة نرفعها جميعا لتطغى على شارات الطائفية في مصر، نضعها على صدورنا وعلى سياراتنا وعلى الجدران وفي واجهات المحال، في المركبات العامة والخاصة وفي المقاهي والمشارب والأندية ومدرجات الجامعات، شارة يعلن من يرفعها أنه مصري يستعلي على الطائفية ودعاتها وقلبه عامر بالإيمان، ودينه ينير له الطريق في حياته بعيدا عن الطائفية السياسية وشعارات الحق التي يراد بها باطل، شارة نقول بها للأجيال القادمة أننا لم نبع مصر رخيصة مقابل بعض المكاسب الطائفية والتطلعات السياسية، ونعلن بها أننا مصريون قبل الأديان، ومصريون بعد الأديان، ومصريون لآخر الزمان، وهي بعد هذا رمز اقتصادي يمكنك أن تصنعه بيدك من ورق أو غيره فلا يكاد يكلفك قرشا، سيتغير وجه مصر الذي تلبد وتوتر منذ السبعينات يا إخواني يوم تحل شارة بلدي محل شعارات وشارات الطائفية، فيعود وجه مصر الجميل الذي بدأت به القرن العشرين وضاع منها في ثلثه الأخير، وقد تبدو الحملة للبعض شديدة الرومانسية، لكن درس التاريخ يقول لنا غير هذا، فحملة فرنسا الحرة[2] التي رفعت رأس الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية بدأت بأقل من هذا، حرية الأوطان تبدأ من الإيمان بها عندما يعمر ذلك الإيمان أفئدة أبنائها، فلنبدأ بمقاطعة مؤسسات التطرف والطائفية المتأسلمة والمتنصرة جميعها، وبشارة بلدي كعلامة على طريق مصر، مصر التي تحبنا جميعا ونحبها جميعا، وقد تطوع الزميل الأستاذ "إبراهيم موسى" رئيس التحرير، فجعل من جريدته الرائدة منسقا للحملة، وخصص لذلك من الموارد ما يلزم لإنجاحها، فلم يبق إلا صدق العزم منا، فلا تبخلوا على مصر بنبذ من أراد بها الشر والتمزق، ولا تضنوا عليها برفع علمها فوق الصدور، حتى نبدأ اليوم مسيرتنا على طريق الأخوة في الوطن والإنسانية، قبل أن يأتي زمان يعمينا فيه ضباب الطائفية عن مصالح الوطن، ونرى فيه نظرات اللوم في عيون أطفال شوهتهم الحروب! اللهم ألا قد بلغت .. اللهم فاشهد
...
انطلقت دمعتان سخينتان من عينيها وهي تقرأ خاتمة المقال، فرفعت الصحيفة نحو ثغرها الذي أحاطته خيوط الدمع وقبلتها، ثم ضمتها بكلتا يديها لصدرها وهي ترفع عينيها لأعلى وتقول بلغتها الإنجليزية الرصينة وبصوت خفيض متهدج: يا إلهي هذا الرجل أحبه .. وأعذبه، ويحبني ويتعذب بي، لقد تخيلته وحلمت به منذ صباي وأنا أقرأ رومانسيات الأدب، حلمت برجل يقاتل لهدف، أي هدف خارج ثالوث المال والسلطة والشهرة الذي يقاتل من أجله الجميع، فلماذا ينزل ستار حديدي بيني وبينه حين أجده؟ وأي ستار؟ إنها "سابين" التي أعطت كل شيء؟ لماذا يا إلهي؟ حبيبي على بعد خطوات مني وحيداً وأنا أرتعد بليلي وحيدة، فلماذا؟
انتبهت للحظة وأجفلت، تقول أحيانا "يا إلهي" بحكم العادة في حديثها، تقولها ولا تعنيها، لكن هذه المرة كانت مختلفة جداً، لقد شعرت بحق أنها تناجي الرب، وشعرت بأنه هناك يسمع مناجاتها ويرأف بحالها، لم تكن بحياتها أكثر شعورا بالله منها في هذه اللحظات، هل نعرف الرب بعقولنا أم بقلوبنا في لحظة وجد؟ هكذا كانت "ماري" تفكر في قلبها، ثم خطر لها خاطر غريب .. لو كان الرب موجودا، ولو آمنت أنا بوجوده، تصبح وصية "سابين" ووعدي لها بلا معنى، فمضمون الوصية ألا أرتبط برجل مؤمن، لأنني سأسفه الكثير من آرائه وتصرفاته وسيقابل هو ذلك بالمثل، لكنني لو آمنت بالله .. لاختلف كل شيء! كان هدف أمي أن أحيا حياة سلسة مع رجل أحبه في النهاية، آه يا أمي، لماذا ظننت كل من يؤمن بالله مثل أبي؟ فكنت كمن قبض على ذيل الفيل فوصف الفيل بالنحافة، ثم طلبتِ مني وعداً بأن أرى الفيل نحيفاً ما حييت، فهل هذا عدل يا أمي؟ أترتضين لي هذا العذاب؟ ساعدني يا إلهي
استلقت على ظهرها بعرض الفراش والصحيفة مكومة بين كفيها، ودموعها تترقرق من عينيها، حتى غلبها الكرى على هذه الحال، وهي تردد في عقلها جملة واحدة: لو كان الله موجودا فأنا حرة من وعدي، يا إلهي كن هناك لأجلي، كن هناك ودلني على طريقك يا إلهي
لا تعلم لو كانت رأت هذا في حلم نوم أم حلم يقظة، لكنها رأت لوحة للسيد المسيح، وجهه فيها باسم وقلبه مرسوم فوق صدره، يشع منه النور، أهي أيقونة أم أنه المسيح بذاته؟ لا يمكن أن يكون الرسم حيا بهذه الدرجة، إنه ينظر إليها ويبتسم، إنه .. إنه يتكلم! شعرت بصوته يملأ كيانها وهو يقول "لقد عرفت الرب يا بنيتي بقلبك، الحب أنار لك طريق الرب، الرب إلهك هو الحب ذاته، هو نور العالم، فلا تجعلي خطواتك تبتعد ثانية، بوركت يا ابنتي وبورك قلبك المؤمن، أنا اليوم أعمد قلبك بماء الدموع، ليتبارك قلبك ويتقدس اسم الرب فيكِ"
ثم سمعت ترانيم الراهبات، تذكرها منذ كان أبوها يصحبها للكنيسة في طفولتها، لكنها اليوم تحسها كما لم تحسها من قبل، كأنها تسمع غناء ملائكة الجنة، هاهي تغني معهم .. بل هم يغنون معها، فهذه لا يمكن أن تكون إلا أغنيتها الخاصة جدا، فهي تقول: يا إلهي .. كيف حل الأمان في قلبي محل الحزن؟ يا إلهي .. إنك حق .. لا أعرف على أي درب أصل إليك .. لكنك هناك .. في الأرض كما في السماء كما في قلبي .. يا إلهي .. أنت في كل مكان .. وكم يريح النفس نورك! يا إلهي .. اجعلني قرة لعينيه واجعله في عيني نورا .. ألهمنا الحب لنعيش به وفيه .. فلا يضيع الحب من قلوبنا في هذا الزمان .. زمان كالضباب أو الدخان[3] .. يا إلهي أنت المحبة .. فأعنا لنعيش بالحب وفي الحب .. لنعيش حقنا في الحياة .. وحياتنا في الحق