Thursday, November 27, 2008

انهيار برج بابل- 39

(39)
دموع التاريخ


الدكتور "فريد حسني" مدير برنامج اليونسكو للحفاظ على التراث الإنساني في العراق، يجلس مطرقا على الفوتيه الجلدي في غرفة مكتبه، وعلى وجهه علامات الحيرة والانزعاج، في منتصف العقد السادس من العمر، تختلط فيه ملامح الوجه الشرقية التي ورثها عن والده المصري بصراحتها وطيبتها، بلون بشرة فاتح مشرب بحمرة وزرقة عينين صافيتين ورثهما عن والدته الإنجليزية، يجلس قبالته الدكتور "كاظمي عبد الأمير" بجسده الممتليء في بدلته الزرقاء ورأسه الأصلع اللامع، ووجهه الناطق بهوية جنوب العراق، يزيد من وضوح ملامحه حادة الخطوط شارب سميك خالطت سواده بضع شعيرات بيضاء، تعكس ملامح وجهه انفعالا واضطرابا هو الآخر وهو يقطع لحظات الصمت قائلاً: لكنها جريمة ضد الإنسانية كلها! لمصلحة من يطمس هذا التراث؟
يبتسم "فريد" بمرارة المطلع على باطن أمور لا ترضيه وهو يقول: دناءات السياسة مصرة على حرمان البشرية من تاريخها الحقيقي، والأذرع الظلامية تبرز وتخفي في تراث الإنسانية كيف شاءت ووفقا لتوجهات الكبار، قد يكون الأمر جديدا عليك، لكن صدقني يا عزيزي، حتى التاريخ الذي يدرسه الأطفال في المدارس توجهه المؤسسات المالية العملاقة خلف المحيط، تلك هي حقيقة عالمنا، لكني أظنهم هذه المرة أرادوا حرماننا من المخطوطات بسبب أمر آخر، تفهم ما أعنيه
- تعرف كل هذا، فلماذا أعطيتهم الأصول
- الأصول كانت معي بصفتي الوظيفية، ومن حق الإدارات العليا أن تطلبها لتحفظها في مكان آمن، خاصة في ظروف الحرب الحالية
- لكنه تراث عراقي! والحكومة العراقية لم تسمح ..
- كان معهم مندوب رسمي من الحكومة، وطلب مني بيانا مكتوبا بالمحتويات ليرفقه بإذن مختوم يسمح بسفر المخطوطات خارج العراق بطريقة شرعية تماما، وما أن تركوني حتى أتاني بريد الكتروني يطلب إغلاق الموضوع تماما وحتى إشعار آخر، وخبرتي تقول أنه لن يكون هناك إشعار آخر، فقد وصفوا المخطوطات في كل المكاتبات والبريد الإلكتروني بالمخطوطات الآشورية، وهذا يعني أنهم ينوون التعتيم الكامل، فلو حاولنا طرح الموضوع على الرأي العام العالمي سينكروه ويتهمونا بالجنون، ويثبتوا بهذه المكاتبات أن ما سلمناه لهم كان مجرد نصوص آشورية مكررة، قيمتها التاريخية محدودة!
- آثار آشورية يعثر عليها في سامراء؟!
- سيدعون أننا وجدناها في شمال العراق، أو في خبيئة حديثة في سامراء نقلت إليها من مكانها الأصلي، لن يعضلهم ذلك، فالكذب حرفتهم
هكذا رد "فريد" قبل أن يشعل سيجارة فينفث دخانها بغيظ واضح، غيظ من تعرض لهذه الأمور أكثر من مرة حتى فاض الكيل، ففي اليوم السابق، جاءته مكالمة هاتفية من أحد قيادات اليونسكو- الهيئة الدولية التي ترعى الثقافة والتراث الإنساني- طالبة منه أن يسلم أصول المخطوطات المكتشفة إلى لجنة تصل بغداد بعد الظهر، وتزوره في مكتبه في حراسة قوات أمريكية لاستلام المخطوطات، لأن الوضع في العراق ليس آمنا للحفاظ عليها، وحين طلب "فريد" الانتظار حتى تضطلع عليها خبيرة الحجازية القديمة وأستاذ متخصص في تاريخ الفتنة الكبرى يصلان للعراق ظهر ذات اليوم، أجابته محدثته بأن بإمكانهما الاضطلاع على نسخة ضوئية، ثم أضافت أن الأمر أتاها من جهة أعلى وغير مطروح للنقاش، وأن مكاتبة بهذا الأمر ستصله كتابيا على بريده الإلكتروني خلال لحظات، وأكدت عليه ألا يطلع كائنا من كان على أمر التسليم حتى تغادر المخطوطات العراق مع اللجنة بطائرة خاصة أعدت لذلك! .. عندها أيقن أن النية مبيتة لقتل الأمر تماما، وأن عينا لن تقع بعد اليوم على تلك المخطوطات، فكر في الرفض والتمرد، لكنه عاش عمره كله رجل واجب وشرف مهني، والمخطوطات ملك الحكومة العراقية التي وافقت واليونسكو الذي أصدر الأمر، فكيف يمنعها عنهما؟ لهذا كان عليه القبول بالأمر الواقع وشعور بالقهر يزلزله، قهر عالم تكبله ألاعيب السياسة والنخاسة، وزاد من قهره ما خطط له مع "كاظمي" و"ديار" من توظيف المخطوطات لإعلان السر الذي أثقل ظهر "كاظمي" في الشهور الأخيرة .. وقبل حلول الليل، كانت طائرة خاصة تقلع من مطار بغداد وعلى متنها المخطوطات التي أنفق عاما كاملا مع الدكتور "كاظمي" والدكتور "ديار" للحصول عليها ثم فك طلاسمها وسبر أغوارها! كان يحتاج لمشاورتهما في الكارثة بأسرع وقت، لكنه لم يهاتفهما إلا في صباح اليوم التالي التزاما بواجبات وظيفته وحفاظا عليهم، فمن يدري ما عاقبة أن يعرف أحدهما بالأمر في الوقت الخطأ؟
كان الصمت قد طال بينه وبين "كاظمي"، لهذا قام الأخير يهم بالذهاب لمنزله، وخبر اغتصاب أصول كشفه التاريخي مازال على عتبة دماغه لا يريد أن يدخلها، أو لا يريد هو أن يفتح له الباب فيدخل حتى لا يموت كمدا، فهو خبر يعني تداعي الكثير مما خطط له، فقد كانت خطته هي توظيف هذا الكشف الأثري لخدمة هدف أكبر، هدف من أجل هذا البلد المنكوب بواقعه الدامي، لهذا فهو يحتاج لشيء من الوقت والعزلة ليستوعب ويرتب البدائل، كان منظره وهو يقوم مهزوما من مقعده يوحي بأنه شاخ عشر سنوات في اللحظات الماضية، لهذا نظر له "فريد" نظرة فاحصة قبل أن يستوقفه بكلماته: لا تعتقد أني فعلت هذا حرصا على وظيفة، التزامي الوحيد كان واجبي الرسمي، تمويل الكشف جاء من اليونسكو، وعقدك معهم يحفظ السبق العلمي لك ولمجموعتك، والتراث الإنساني المكتشف للعراق ممثلا في حكومته، ويحفظ حق إدارة الآثار والتصرف فيها لليونسكو، وبهذا يكون حفظ الوثائق من اختصاص الحكومة ثم اليونسكو، وكلاهما طلب نقلها خارج البلاد
هز "كاظمي" رأسه متفهما في تبرم وإحباط من الأمر كله، ولما هم بالتوجه نحو الباب أوقفته كلمات "فريد": أرسلت استقالتي فجر اليوم، استقالة مسببة احتجاجا على غلق ملف المخطوطات والحصول عليها بنية اخفائها، وأرسلت صورة من بريد الاستقالة الإلكتروني للعديد من وكالات الأنباء العالمية ومعه صورة إلكترونية من المخطوطات، وطلبت عقد المؤتمر الصحفي الذي كنا نخطط له، من حق البشرية أن تعرف ما لدينا بأي ثمن
استدار "كاظمي" متجها نحو "فريد" وهو ينظر إليه بود بالغ، جلس أمامه واضعا يده على ساعده، كأنه يعتذر عن لحظات أساء فيها الظن به، فاستمر "فريد" في حديثه: هناك الصور الضوئية، وهناك جزء من المخطوطات الأصلية مع "ديار" منذ عاد من رحلة فرنسا، وهذا يكفي لعقد المؤتمر، فالمعركة لم تنته بعد، متي يصل صديقك المصري وزوجته؟
- اليوم، و"ديار" ينتظرهما في مطار آربيل
- الخطر يتزايد ومن حقهما أن يعرفا بجلية الأمر، فليحدثهما "ديار" بكل شيء ليشاركا لو قررا المشاركة على بينة من أمرهما، أو على الأقل يطلعهما على الاستيلاء على المخطوطات ليدركا وجود خطر ما في تلك المهمة
أشار "كاظمي" برأسه موافقا على ما قاله صديقه قبل أن يقوم من مقعده ثانية، ثم يشد "فريد" من كتفيه فيضمه لصدره ويعانقه، وانحدرت دمعة من عينيه لفرط تضارب مشاعره بين الأسى والحب والأمل وشعور بالقهر الذي تعرضا له معا، وتعرضت له حقائق الماضي في المخطوطات وحقائق الحاضر في الوثائق! كانت دموعه كأنها .. دموع التاريخ
...

Friday, November 14, 2008

انهيار برج بابل- 38


(38)
يوم الظلمات

الأحد، الثالث والعشرون من سبتمبر
بعد منتصف ليلة السبت، الثاني والعشرين من سبتمبر، أقلعت من مطار دمشق الدولي طائرة خطوط الزوراء العراقية من طراز يوشن-18 روسية الصنع، متجهة نحو كردستان العراق، حاملة على متنها خليطا متباينا من مختلف الجنسيات والأعراق، كان هناك عراقيون يتحدثون اللغة الكردية، وآخرون يتحدثون العربية بلهجة جنوب العراق، واثنان في نهاية الطائرة تسمع منهما السريانية، فضلا عن عدد من المواطنين السوريين بدو كمجموعة واحدة في مهمة، وفي الصف الثالث من صفوف الطائرة متوسطة الحجم جلس "علي" على الكرسي الخارجي جهة الممر وإلى جواره زوجته، كلاهما ممدد ومغمض العينين في هذه الرحلة الليلية، نامت "ماري" ورقدت فوق ساقيها رواية بوليسية، من نوع خفيف سلس تفضله في السفر لتزجية الوقت مع عدم إرهاق العقل، وإلى يسارها جلس "علي" مغمض العينين، مستيقظا كما هو ظاهر من تمتمة شفتيه بغير صوت كعادته إذا اندمج مع أغنية يطرب لها، إذ كانت سماعات جهازه الصوتي في أذنيه، وصوت "أم كلثوم" يتدفق بقوة في وجدانه وهي تشدو: "بغداد يا قلعة الأسـود .. يا كعبة المجد والخلود .. يا جبهة الشمس للوجود" .. اختلجت عيناه لذكر قلعة الأسود التي يزورها اليوم محتلة، إنها زيارته الثانية للعراق تحت القتام، ومازال عقله منذ أقلعت الطائرة يسترجع كل حلقات المأساة منذ عام 1991م وحتى اليوم، إذ نجحت أمريكا في التسعينات ثم في الألفية الثالثة فيما فشلت فيه في الستينات، يوم حاولت توريط العراق في غزو الكويت عام 1961م، تحت حكم "عبد الكريم القاسم" الداعم لسياسة الأحلاف، فطالبت العراق يومها بضم الكويت رسميا وبدأت حشود عراقية تتحرك صوب الحدود الكويتية، ونشطت معها أساطيل أمريكية في المتوسط لتكون على مقربة من الأحداث تماما كما حدث في 1991م، لكن في الستينات كان للوطن العربي قائد ذو رؤية نافذة ونفوذ قومي، فمنع الكارثة قبل وقوعها، تدخل "جمال عبد الناصر" بثقل زعامته الشخصية وثقل مصر الذي كان إقليميا فحسم الأمر، مثنيا "القاسم" عن عزمه الأخرق ثم مسقطا نظامه الموالي للإمبريالية العالمية بيد الشعب العراقي نفسه، تدخل "عبد الناصر" لأنه كان يرى بعين القائد كل الكوارث التي حدثت فيما بعد منذ غزو الكويت وحتى اليوم، وأولها تواجد عسكري أمريكي مباشر في خضم النفط العربي من الخليج للعراق
هكذا حدث نفسه وهو يخرج من حقيبته السوداء الصغيرة علبة لبان النيكوتين، يتذكر تعليق "ماري" على هذه العلبة فينظر لوجهها الحالم المستلقي بجواره في وداعة طفلة، فهو يذكر أنها قالت له حين ابتاعها: لا أحب هذه العلبة، تجعلني أراك ضعيفا متلهفا على جرعة من عقار
- التدخين هو الرفاهية الوحيدة التي سمحت لنفسي بها
- ليس رفاهية بل لعنة، ثم لماذا تمنع نفسك من الرفاهية، وأين يتبخر دخلك من الجامعة ومن إرثك وعائد بيع كتبك ومقالاتك؟
نظر إليها يومها مبتسما، ثم أطرق بوجهه نحو الأرض، واضطر أن يلمح لها عن الحقيقة حتى لا تظن به الظنون، فقال بتورية ظاهرة المعنى: من ملك الله في ملك الله
فهمت ما يعنيه يومها، فربتت على كفه بحنان، فقد كان المناضل الاشتراكي حريصا على تطبيق أفكاره على نفسه بأقل تقدير، تذكر "علي" ذاك الحوار وهو يمضغ لبان النيكوتين ليهدأ الصداع برأسه، ذلك الصداع السخيف الناجم عن سحب النيكوتين من خلاياه، ثم داعب أزرار جهازه ليبدل النشيد الوطني بموسيقى هادئة تناسب الاسترخاء وتمدد في كرسيه، ومرت دقائق بطيئة سمع فيها نبض قلبه المنتظم، حتى شعر بثقل في جفنيه، فرحب بالكرى لقتل الوقت، لكن النوم لم يقتل الوقت وحسب!
...
أرى عسكرا فيه الراكب والراجل، يتقدمه فارس في وجهه شبه بمالك الأشتر، أكاد أقسم أنه "ابراهيم بن مالك" دون غيره، فعدا وجه أبيه وبسطة بنيانه، ورث الولد من والده هيبة تجلله في غير كبر، وأرى بجواره راجلا يأخذ بمقود فرسه ويجد السعي بخطوات حثيثات، توحي ملابسه بتقشف زاهد، لكن اتقاد عينيه يوحي بذكاء السياسي، يمر بي الركب فأسير قرب الرجلين، وأسمع الفارس يدعو الراجل لركوب فرس أو العودة، فيجيبه الراجل بعبارة مميزة: "أحبُّ أن تَغْبَرَّ قدمايَ ساعة في نصرة آل محمّد"[1]
إذن فالراكب هو بحق "إبراهيم بن مالك" والراجل بجواره هو "المختار بن أبي عبيد"[2]، الثائر الذي أنصف آل بيت النبي مضطلعا بثأرهم، هكذا تخيلتك دائما يا "مختار"، هكذا رأيتك بعين خيالي كلما قرأت عنك .. ليث حزين، كانت حركتك ثورة للحق والحقيقة، وغضبة على الجور والبهتان، فكافأتك الأقلام المؤلفة جيوبها بالنكران حينا وبالتشويه أحيانا! زعموا أنك ادعيت النبوة ودعوك بالكذاب! وزعموا أنك قمت طمعا في حكم الكوفة، وافتروا عليك أنك من السبئية! والله عليم بالقلوب رغم ما يفترون، ويذكر الزمان لو نسوا يوم فجع المسلمون بقتل سبط النبي وآله في الطَّف، وكنت أنت يا ربيب حجر "علي بن أبي طالب" سجينا في الكوفة، سجنك "عبيد الله بن زياد" مع من سجن من الموالين للحسين ليمنعكم من الخروج لنصرته، وأتاك في سجنك نعي "الحسين"، فزلزل النبأ المشئوم قلبك، وقهرك الغبن حتى النخاع، ويذكر الدهر لو نسي البشر قسمك ألا تهنأ بعيش حتى تنهض بثأر السبط المغدور، وتخرج من محبسك بوساطة صهرك "عبد الله بن عمر"، فتقيم في مدينة النبي ترتقب الفرصة لتبر بالقسم، لكن قدر الله كان أعجل "ليزيد بن معاوية" من ثأرك، فمات ورفض ابنه "معاوية" الثاني ولاية عهده واعتلاء كرسي خلافة جاءه ملوثا بدم آل البيت[3]، واستقل "عبد الله بن الزبير" بالحجاز والعراق، وولى على الكوفة "عبد الله بن مطيع"، فخرجت يا "مختار" إلى أصحابك وثقاتك فيها، ووافقته في ذلك يا "ابراهيم بن مالك"، طلاب ثأر لا طلاب حكم، فعزمتما على القيام لثأر الحسين، بعد أن أخفقت ثورة التوابين[4] في النهوض به، وفي تلك الليلة الحالكة من عام 687م، صحت الكوفة من نومها على الثوار يحملون المشاعل ويجرون في شوارعها يدعون الناس بدعوة الحق، هادرين بشعار ثورة "المختار" الذي رحبت به القلوب: يالثارات الحسين .. يالثارات الحسين، وتمكن الثوار من الكوفة وغلبوا حاميتها، وقامت دولتك يا "مختار" فيها، وأنصفت الموالي من من الفرس والترك وغيرهم من الجور الأموي الذي ميز العربي على الأعجمي بنعرة قومية، فاتبعك الموالي من العجم والمهمشون من العرب، وخرجت من قاعدة الكوفة لتبر بالقسم الكريم، فقتلت "شمر بن ذي الجوشن" الذي ضرب عنق سيد الشهداء، وقتلت "أبجر بن كعب" الذي كشف ستر السيدة "زينب" في كربلاء وشرم أذنها ليسلب قرطها، وكذلك ذبحت "إسحاق بن حوية" الذي سلب قميص "الحسين" بعد موته، وهأنذا أراك و"ابراهيم" على رأس جيش جيشته للنيل من "عبيد الله بن زياد" فأمكنكم الله منه بفضله فأرديتموه
...
تتغير صورة الراكب فوق الفرس، فأرى "المختار" معتليا جوادا وهو في زي من جلد مدبوغ غير ما كان عليه منذ قليل، لا يبدو في معركة، فليس في يده سيف ولا رمح، لكن أمامه جمهرة من الرجال كأنهم تكالبوا على رجل وسطهم، والرجل يصرخ طالبا الرحمة، ثم يندفع من وسط هذه الجمهرة والنيران تشتعل في ثيابه، يكاد قلبي ينخلع من صراخه المحموم، ثم تصل لأنفي الرائحة الخانقة لاحتراق جلد بشري، فأشعر بانقباض يعصر معدتي، وتجتاحني رغبة في القيء، لابد أنه "حرملة بن كاهل"، الرجل الذي أحرق قلب "الحسين" على فلذة كبده "عبد الله" الرضيع الذي لم يبلغ العام، فرماه بسهم وهو على ذراع أبيه في كربلاء[5]
...
تهبط على عيني غشاوة سوداء، بل هو الليل قد أرخى على الصحراء سدوله، أرى على بعد خطوات مني جماعة من الرجال تحلقوا حول نار، وحين أقف على بعد خطوات منهم، أرى وسطهم وجها وضيئا أعرفه بسيماه، النبل والكرامة والجلد وقد تجسدت تمشي على الأرض، هو سبط رسول الله، وخيط دمه في الأرض، "الحسين بن علي" سيد الشهداء، فلابد أنها تلك الجلسة في صحراء كربلاء ليلة المأساة الكبرى، ليلة الطف وما جرى فيها، ويالهول ما جرى فيها! هو اجتماع السبعين رجلا من آل "الحسين بن علي" على ظمئهم ليلة المعركة، بعد أن منع عنهم جيش "عبيد الله بن زياد" الماء، أقترب فأجلس على مرمى حصاة من الجلسة المباركة، لم يسمع وقع أقدامي على الحصى أحد ولا رآني أحد، لقد اعتدت هذا على كل حال، يصلني صوت سيد الشهداء رخيما مطمئنا، كأنه لا يوقن أن موعده مع جيش البغي هو الغد، وأنه مقتول فيه لا محالة، فأسمعه يقول "لا أعلم أصحاباً أوفى من أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً خيراً، إني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل غشيكم فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو أصابوني للهوا عن طلب غيري"[6]
- ولم نفعل؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً
قالها صوتٌ فيه فتوة وحزم، أنظر لصاحبه الجالس على يمين "الحسين" فأرى رجلا فارع القامة، جميل الوجه، يعتم بعمامة خضراء فيها ريشتان، هو قمر بني هاشم إذن، "العباس بن علي بن أبي طالب"، أخو "الحسين" لأبيه من زوجته أم البنين، الفارس الملقب بساقي العطاشى، من اقتحم الماء مع عشرين رجلا يوم الطف، فسقى "الحسين" ثم حمل قربة من ماء ليسقي آل البيت، لكن جيش البغي تكالب عليه حتى قطعوا كفيه وضربوا رأسه ضربة ألحقته بركب الشهداء
أرى "الحسين" يطرق قليلا ثم ينظر لنفر من الرجال أمامه ويقول: يا بني "عقيل بن أبي طالب"، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم
فيخرج من بينهم صوت يقول: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك
أي معدن من البشر أنتم يا بني هاشم؟ أي عترة مباركة يا بني عبد المطلب؟ أي نسل من أسود الشرى يا بني أبي طالب؟ .. وهاهو "الحسين" السبط يقترح خطة المواجهة المريرة فيقول "فإن شئتم فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فاحفروا حولنا وخيام أهلنا خندقا، فإذا كان الغد أشعلنا فيه نارا فلا يحيطوا بنا، ونحن بضعة وسبعون رجلا وهم فوق الأربعة آلاف، وما أحسب خندقنا هذا يدفع عنا الموت حتى غروب الشمس غدا، لكن علينا الجد في قتال الباغين لو قاتلونا، حتى نهلك دون الحق ولم نقصر فيه"
هكذا قال الإمام "الحسين بن علي"، صاحب أشرف ثورات الأرض، ثورة ضد البغي والظلم الذي طال، فقد خالف "معاوية" عهده لأخيه "الحسن"، وكانا قد اتفقا في عام الجماعة أن يلي "معاوية" الخلافة، فإذا مات عاد الأمر شورى بين المسلمين، يولوا أمرهم من أرادوا، لكن "معاوية" أطمعه موت "الحسن" –وقيل أنه هو نفسه من دس له السم - فأخذ البيعة لولده "يزيد" حيا، وأصحاب رسول الله بعد على وجه الأرض يمشون! ويتألمون من هذا الواقع الغريب الكئيب، حين يلي من كان كيزيد منصبا تولاه الراشدون الأربعة ويجلس مجلسهم، حتى ندم بعض من اعتزل الفتنة منهم وقال: "ليتني نصرت عليا على الفئة الباغية" .. ثم أصبح "يزيد" خليفة، فأيقن "الحسين" أن الغمة الأموية التي حلت بالأمة بعنصريتها ومظالمها لن تنزاح بغير القوة، فلا عهد لهم ولا ميثاق، فكان خياره الثوري أن يستجيب لأهل الكوفة، فيخرج إليهم بأهله ثائرا، يحسب أن عرب الكوفة اليوم كعرب يثرب أمس، أنصارا للعدل والحق ينصرونه كما نصر أهل مدينة النور جده المصطفى، ولم يعلم أن قلوبهم معه، لكن سيوفهم مع "عبيد الله بن زياد"، والي "يزيد" المخلص الذي هددهم حين علم بخروج "الحسين"، فخافوا سيفه وطمعوا في خزائنه إلا نفرا قليلا، فاعتصم ببيته منهم من اعتصم، والتحق بالجند الأموي من التحق طمعا في صلة أو منصب يصيبه بسفك دم آل محمد!
...
ظلام للمرة الثانية، لكنه ظلام دامس ليس به شبح من ضياء هذه المرة، يتناهي إلي صوت الحسين هادئا، ينساب في أذني كماء في غدير، فأسمع سبط النبي يقول " اللهم أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعُدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، شكوته إليك، رغبة مني إليك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته، فأنت ولّي كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة"
ياللظلام، يالصولة البغي في الأرض وجولته، أهكذا يفعل بالحسين؟ أهذا ما وعيناه من قول الله في كتابه العزيز "قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ"[7] أهذه مودتنا لآل بيت نبينا بعرضهم على السيف والتكاثر عليهم في عزلتهم ووحدتهم؟
صوت الحسين يتردد ثانية، هادرا كالبحر هذه المرة كأنه يخطب في جمع، يقتحمني صوته من كل الجهات، يقول "فانظروا .. هل يصلحُ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيِّكم، وابن وصيّه وابن عمّه وأوّل المؤمنين لرسول الله بما جاء من عند ربّه؟ أوليس حمزة سيّد الشهداء عمّي؟ أوليس جعفر الطيّار في الجنة بجناحين عمّي؟ أولم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي، هذان سيدا شباب أهل الجنّة؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟"
لا أسمع جوابا من جيش البغي الذي صاح فيه "الحسين" بهذه الكلمات الموجعات صباح المعركة، كأنه يخاطب الريح التي تصفر في خلفية صوته، فلا مجيب له غيرها! ثم أسمعه يسمي قوما بأسمائهم فيقول: يا "شبث بن ربعي"، يا "حجّار بن أبجر"، يا "قيس بن الأشعث"، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثِّمار واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جندٍ لك مجنّدة؟
ولا جواب غير عصف الريح، لكن .. ما هذا الظلام الدامس؟ ما أسمعه هو ما ورد في الآثار على أنه خطاب "الحسين" في العسكر الأموي صباح كربلاء، في وضح النهار، فمابال الظلام يحيط بي بلا نهاية؟ أسمع صليل سيوف وصهيل خيل وحمحمتها وهي تهلك، لكنني لا أرى قتالا، لا شيء غير الظلمة الحالكة! وأسمع صوت السبط النبوي يقول لصحبه "يا كرام، هذه الجنة فُتحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتطلعون لمقدمكم، ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيه، وذبوا عن حرم رسول الله"
- نجعل القلوب فوق الدروع وندفع عنهن بصدورنا يا ابن بنت رسول الله
هذه الصيحة كانت عند الظهر، حين رفض جند "ابن سمية" أن يمهلوا سبط النبي للصلاة، واشتطوا في القتال، فسقط من عسكره القليل أكثره، حتى لم يبق حوله إلا خاصة أهله وولده، ما بال هذا الظلام لا ينقشع؟ أهو رحمة من ربي حتى لا أرى وقعة البغي؟ لا .. الله نور السماوات والأرض، والظلمات غياب النور، فهذا ظلام القلوب التي فارق نور الله حناياها لتحتلها ظلمات الطمع والجزع! الطمع في مال "يزيد" وسلطانه، والجزع من كلبه "ابن زياد" الذي سلطه على من خالفه
أسمع صيحة حسينية ملتاعة تتقطع لها نياط القلوب، سبط الرسول يصرخ قائلا "واولداه"
يختلج قلبي، لقد سقط "علي بن الحسين" إذن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما أعظم مصابك ومصاب الأمة فيك يا ابن سيد شباب الفردوس! قتل أشبه الهاشميين بجده المصطفى صلوات الله عليه! فطوبى لك وتعسا لنا أيها الشهيد بن الشهيد بن الشهيد! وهاهو صوت "الحسين" بين قعقعة السيوف كأنه مذبوح بألمه يقول "صبراً على الموت يا بني عمومتي، لا رأيتم هواناً بعد اليوم إن شاء الله"
نعم يا سيد الشهداء، لا هوان بعد يومكم هذا إلا لمن هان على نفسه، فقد بينتم طريق الشرف والكبرياء، ورسمتم بدماكم الزكية خطة العنفوان والإباء، حياة مع الشرف والعزة أو موت يطيب للكرماء، فلو أنكم يا عترة الهادي لم تضنوا بنفوسكم الزكية الطاهرة في سبيل الحق وعلى مذبح الحقيقة، فبأي نفوس نضن نحن بعدكم؟ سبعة عشر رجلا من رهط النبي وخيط دمه تساقطوا زهرة فزهرة، في يوم هو ربيع بني أمية، وخريف المسلمين جميعا! فأي بلاء نخاف بعدك يا كربلاء؟ يصك أذني صوت لم يغادر صباه بعد: يا عماه
إنه "القاسم بن الحسن"، سقط ابن الإمام الذي ترك الخلافة طلبا للسلام وحقن الدماء! أهذا عهد "الحسن" إليكم يا بني أمية؟ أهذا ما صالحكم عليه من أمر المسلمين يعود إليهم؟ فما لبثتم أن خيرتم ولده وشقيقه بين البيعة لسيدكم أو الموت في الصحراء؟ أسمع صوت "الحسين" تعركه بحة شديدة يقول "الآن انكسر ظهري يا عباس"
سقط قمر الهواشم إذن، رحمك الله يا ساقي العطاشى! يا عجبا من نجوم تسقط إذا سقطت نحو السماء، وسيوف ترتفع إذا رفعت للحضيض، يا عجبي من انتصار رهط "الحسين" بموتهم وهزيمتكم بحياتكم يا عبيد الدرهم والدينار! هم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنتم جيف تترمم فوق الأرض لا في بطنها، وهاهو سيد الشهداء ينشد أنشودة الشهادة الكبرى "القتل أولى من ركوب العار، والعار أولى من دخول النار، بسم الله وعلى ملة رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"
أراه بعين خيالي واقفا وسط القتام يزود عن حريم البيت النبوي وحيدا، والسهام تتكالب عليه من كل حدب وصوب، ولو وعت السهام ما أصابته، ولو كان لها فؤاد لكانت عليه بردا وسلاما، وأراه يسقط وما في جسده مكان لضربة سيف أو رشقة سهم! فرع النبوة يسقط، نجم يعلو نحو مكانه في سماء الحقيقة ليبقى أبد الدهر! أواه يا سيد الشهداء! يالغربة الحق والعدل بعدك بين الناس يا خيط دم النبي .. قتلك البغي عطشانا في أرضنا يا "حسين بن علي"، فاهنأ بشربة من كأس جدك في الجنان لا تظمأ بعدها أبداً .. أمكنهم منك خوف الجرذان في صدورنا! ووهن العناكب في سواعدنا! وخور المخاط في عزائمنا! نحن من قتلك بسيف البغي يا "حسين" يوم سكتنا عن نصرة الحق، قتلناك ألف ألف مرة في هذه الأرض، قتلناك في كل ثائر وكل مناضل وكل صارخ في برية الحق قبلك وبعدك .. فتبت أيادينا .. تبت أيادينا!
تنقشع الظلمات لأرى سيدة ترفل في ثوب فضفاض .. إنها .. إنها "ماري"! لماذا هنا؟ وكيف؟ وما هذا الثوب؟ أراها ترتدي ثوبا من كتان أبيض وعلى رأسها طرحة بيضاء مسدلة نحو كتفيها! ما أقربك من مريم العذراء على هذه الصورة يا ماريتي؟ أو ما أقربك من .. مريم المجدلية؟ أرى خلفها سماء وسحاب، كأنها تسير في السماء! من هذا الذي يقف أمامها؟ يعترض طريقها السماوي؟ كأنه رجل؟ لكني لا أميز منه شيئا غير ظلام! رجل من ظلال سوداء! تقف أمامه منتصبة القامة شامخة الرأس، ثم ترفع يدها وبها بيضة كبيرة تتوهج بنور أبيض، تضعها في وجه رجل الظلام، يقتحم نورها وجهه الظلامي كأنه يقشعه، ها هي ماريتي تنظر له نظرة حزم وبسالة أعرفها في وجهها وتقول "في اليوم الثالث يقوم من الأموات"

انهيار برج بابل- 37

(37)
دماء في جبل قاسيون

السبت، الثاني و العشرون من سبتمبر
انطلق الزوجان بعد الظهر ليبدأ برنامج اليوم، كانت ليلتهما السابقة حافلة، فقد حضرا حفلا ساهرا للفن الشعبي السوري، عزفت فيه موشحات من ألحان "صبري مدلل" وغيرها من ضروب الطرب الشامي الذي تساعده انسيابية اللهجة على النفاذ للقلوب، فلهجات بلاد الشام التاريخي على اختلافها ذات سحر خاص وموسيقى ظاهرة، ما عدا بعض مناطق شرق الأردن وطرابلس في لبنان، لهذا قامت "ماري" غير المعتادة على السهر للصباح من نومها على صداع عنيف احتاج لقرص من مسكن قوي حتى يرحل عن رأسها الرقيق، وبعد الفطور الشامي انطلقا بسيارة الجر الرباعي التي استأجراها نحو جبل قاسيون الشهير، والذي وصل تمدد دمشق إلى سفوحه، كانت "ماري" تحتفظ برخصة قيادة دولية، ففضلا إيجار سيارة تظل معهما طوال اليوم، مستعينين بخرائط المدينة التي حصلا عليها من الفندق، فحتى لو زار "علي" مدينة ألف مرة، فمن الصعب الوثوق بذاكرته فيما يخص الطرق والشوارع والاتجاهات، كانت تعرف هذا جيدا، في الطريق أخبرته بأن اسم الجبل هو صيغة الجمع من لفظة "قاسي" في الآرامية، خلافا للعربية التي يجمع فيها بلفظة قساة، فليس في الآرامية جمع تكسير .. وصلا عند سفح قاسيون من جهته الشرقية، لتبدأ جولتهما في معالمه بمسجد الأربعين ومغارة الدم الشهيرة داخله، والتي تقول الأسطورة أن "قابيل" قتل أخاه "هابيل" فيها، وبها حجر أحمر ترجع الأسطورة حمرته لدم ابن "آدم" الشهيد! ومحرابان ينسب أحدهما للخليل إبراهيم والآخر للخضر عليهما السلام! كانت "ماري" ترتدي جينزا أزرق وفوقه قميص سماوي طويل الأكمام، فأخرجت من حقيبة يدها ايشاربا أبيض غطت به شعرها، فقد تحسبت لزيارة عدة مساجد في برنامج رحلة اليوم، وهي لا تفضل إيجار العباءات التي تنتقل من جسد إلى جسد كما فعلت في المسجد الأموي
سألته بينما يصعدان السلالم الحجرية نحو المغارة: وفقا للكتيب السياحي معي، فمغارة الدم هي أقدم معالم الجبل، أليس كذلك؟
- الله أعلم
- معقول "علي" لا يعرف؟ ماذا أصابك يا عراب التاريخ؟
- "علي" في جبل قاسيون كأي تلميذ في الصف الأول الابتدائي، ليس متأكدا من أي شيء! فقاسيون مزار أسطوري وليس تاريخيا، وأنا لست متخصصا في الميثولوجيا
- لست مقتنعا بالطبع بمسرح جريمة قتل "هابيل"؟
- مقتنع فقط أن كرات الدم الحمراء يتحول لونها خارج الجسم للسواد بعد بضعة أيام، ومقتنع أن وجود مسرح لجريمة حدثت منذ مائتي ألف عام مستحيل
عندما دخلا المغارة الأسطورية، كان أول ما بحثت عنه عيناها هو فم الجبل، والذي قيل أنه فتحه هلعا على "هابيل" يوم قتل، فبقي مفتوحا، فقد بالغ الكتيب في وصف التكوين الصخري بأنه مطابق تشريحيا للفم واللسان والأسنان والبلعوم! كأنه من نحت فنان عبقري! لكنها ما أن رأته حتى أحبطت تماما، فقد كان نتوء صخريا يمثل اللسان، فوقه قوس صخري يمثل الفك الأعلى المفترض لفم الجبل! مشهد قد تراه في الصخور في أي مكان فلا تنتبه إليه، لهذا علقت قائلة: فعلا نحت لفنان عبقري، فقط نسي كاتب الكتيب أن يقول أنه فنان عبقري عمره ثلاث سنوات!
ضحك "علي" لتعليقها وهو يشير للحجر الذي تقول اللوحة أنه كان الأداة التي قتل بها الأخ أخاه، وعلق قائلاً: وهذا الحجر الملون بأوكسيد النحاس، من المنتظر أن نصدق أنه ملون بدم "هابيل"
سارا جنبا لجنب يراقبان سقف المغارة ليعثرا على آثار كف جبريل ولفظ الجلالة، فالأسطورة تقول أن الجبل كاد يتداعي يوما بينما نبي الله "إلياس" قد آوى للمغارة هربا من حاكم ظالم، فهبط جبريل عليه السلام ودعم السقف بكفه، وتركت أصابعه أثرها في الصخور! وقفا جنبا لجنب أسفل التكوين الطبيعي الذي يفترض أنه بصمات حجرية، وبجواره ما يقال عنه لفظ الجلالة، مرة ثانية لا هذا شكل كف ولا ذاك لفظ الجلالة! فعلق "علي" قائلا: كأن أي خطوط متوازية تصبح أصابعا لكف! ولو أنكرت هذا الخرف أمام البعض سيجفل منك كأنك تقولين كفرا! رغم أن هذه الأساطير هي عين الضلال وسوء الأدب مع الله
- الضلال مفهوم، فما سوء الأدب؟
- حين نعتقد أن المغارة كادت تقع فوق رأس نبي، فأرسل الله الروح الأمين حامل الرسالات ليسندها فنحن نعتقد ضمنا أنها كادت تتداعى من باب الخطأ! وليس بمشيئة الله، وأن كن فيكون لا تسندها وتقيمها! فاحتاجت لكف الملك! فتلك إساءة أدب مع الله، لا تناسب الإيمان بطلاقة قدرته وإحكام الكون وما يحدث فيه
- سيدعون أن الهدف من الحدث بيان القدرة الإلهية
- القدرة الإلهية ظاهرة في رسوخ الجبل لا في تداعيه
- لكن الناس يحتاجون المعجزة لكسر رتابة الحياة اليومية، واستعادة دهشة الطفولة ولو للحظات، ولهذا كانت المغارة مزارا مقدسا حتى من قبل الأديان السماوية[1]
صعدا بعد ذلك لصحن المسجد المقام فوق المغارة لرؤية الأربعين محرابا التي تحتل جداره الأيمن و ينسب المسجد إليها، وتقول الأسطورة أنها محاريب للأبدال الأربعين، وهم من جاء في الأخبار أنهم من أولياء الله الصالحين وعددهم أربعون رجلا، كلما مات واحد منهم أبدل الله به غيره! وحين سألته "ماري" عما يراه في أمرهم، رفع كتفيه وهو يجيب: من قال لا أعلم فقد أفتى
لاحظ في تعليقها عندما كانا في المغارة أن المادية العتيدة تشتاق لدهشة الطفولة، فلم يرد أن يفسد عليها الجو المؤسطر لجبل قاسيون بمزيد من التفنيد المنطقي، وأوله أن مسجد الأربعين لا يتسع لصف من أربعين رجلا لو اصطفوا كتفا لكتف في جماعة
اتجه الزوجان بعد ذلك لجامع "ابن عربي" على سفح الجبل جهة الصالحية، والذي شيد على الطراز العثماني، الابن الشرعي للعمارة المملوكية بعد زواجها من العمارة البيزنطية على ضفاف البوسفور، وأسفل المسجد توجد غرفة الأضرحة وفيها ضريح شيخ الصوفية "محيي الدين بن عربي" وضريحان آخران لولديه، فضلا عن ضريح فارغ، كان للأمير "عبد القادر الجزائري"[2]، قبل أن تسترد الجزائر وديعتها بعد الاستقلال، فيحمل جثمانه لوطنه عام 1965م، كانت هذه هي الزيارة الأولى لعلي لمسجد ابن عربي كما هي لزوجته، فالتصوف وأئمة الصوفية لم يحتلا مرتبة متقدمة في اهتماماته إلا في السنوات الأخيرة .. أراد أن يداعب رغبتها الطارئة في سماع الأساطير، فحكى لها حكاية يرددها الناس عن خادم لابن عربي مات بعد مولاه، وحين اعتزم الناس دفنه في مكان بعيد عن ضريح "ابن عربي" طار نعش الخادم الوفي حاملا جثمانه ليستقر بجوار شيخه، علقت على حكايته قائلة: اليوم بحق يوم الأساطير؟
- اليوم خمرٌ .. وغدا أمر
هكذا قال مشيرا لسفرهما غدا للعراق، حتى الآن لا تكاد "ماري" تستوعب فكرة السفر للعراق في هذه الظروف، وإن كان التحدي الأكاديمي قد قضى على رفضها بضربة قاضية بمجرد سماعها عن مخطوطات من القرون الهجرية الأولى، أجابته بإجابة بعيدة عن شأن سفرهما في الغد قائلة: وهل تعتبر الأساطير خمرا؟
- مؤكد، ففي كل منهما خدر لذيذ أول الأمر لكن الإفراط في أي منهما يودي بالعقل
- وفيم تختلف الأساطير في هذا عن الغيبيات الدينية؟
لطالما تقبل الشك في الدين وحاور المشككين والمنكرين بصدر رحب، لطنه حين يسمع منها ما يوحي بعمق شكوكها يشعر بوخزة في قلبه، فقد اعتبرها مسيحية متشككة منذ كانا في المملكة المتحدة، ربما ليبقي على أمله في الزواج منها ككتابية، لهذا كان قلبه يخفق كلما سمع منها ما يوحي بغلبة الشك على اليقين في ضميرها، وحين أخبرته بحلمها بالمسيح وموافقتها على الزواج طار فرحا بالأمرين معا، فزيارة المسيح تلك حلت عقدة وعدها لأمها وعقدة تصنيفها دينيا، لكن عليه أن يتقبل مراودة الشك لليقين في كل حال، فهذا حال كل من أوغل في الشك يوما، ولا يعني هذا أنها منكرة، فهو يعلم أنها ترى الله في الكون بضميرها وإن لم تدركه بعقلها، تجاهل كل هذا وأجابها قائلاً: الغيب لله، والأساطير للبشر
مالت برأسها وقطبت حاجبيها مستوضحة وهي تنتظر المزيد، فتابع حديثه وهما خارجان من المسجد قائلاً: الغيبيات تمنحنا اضاءات إيمانية، تدور حول الخلق وهدفه ومآل الكون ونهاية الإنسان في هذا العالم، وكلها أمور خارجة تماما عن منظومة حياتنا البشرية، أما الأساطير فدنيوية جدا، تجدينها دوما مقترنة بشخص أو بمذهب أو فرقة وما إلى ذلك، وهدفها جمع العوام حول ذلك الشخص الذي تنسب إليه الكرامات والمعجزات حيا أو ميتا، أو ضم الأتباع لهذا المذهب أو ذاك من خلال تبهير تراثه المكتوب والشفوي بفيض من المعجزات الحادثة على يدي أقطابه، لإظهار تأييد الله لهم وأنهم الفرقة الناجية، وأحيانا تخترع الأساطير لهدف اقتصادي بحت هو في الغالب جذب التبرعات والنذور، والأمثلة كثيرة، منها موضوع الأبدال الأربعين هؤلاء والأحاديث المتهافته الإسناد التي تروى حولهم وتنسب للرسول عليه الصلاة والسلام، فدلالة هذه الأسطورة سياسية، وهي أن أهل الشام فيهم الأبدال، وعلى ذلك فمعاوية وجيش الشام هم الفئة الناجية في الفتنة الكبرى
- وبقية الميثولوجيا الصوفية كالنقباء والأوتاد والغوث[3]، هل كانت تهدف لجذب الأتباع كذلك ؟
- الصوفية بدأت فلسفة إسلامية، واشتق اسمها نفسه من لفظ الحكمة اللاتيني الذي اشتق منه اسم الفلسفة "صوفي"، وتأثرت بأفكار فلاسفة اليونان من جهة وبالميثولوجيا الهندية من جهة ثانية، فظهرت فيها مفاهيم مثل وحدة الوجود والغيب المطلق والحقيقة المحمدية[4] وغيرها، ثم دخلها عنصر الدروشة وانتشرت تحت مظلتها الدعوات الباطنية، وأقل الأساطير هي المنسوبة لمتصوفة بحجم "ابن عربي" و"ابن الفارض" و"الحلاج"، أما أكثرها فمنسوبة لمن يسمون الأولياء، مثل "الدسوقي" و"البدوي" وغيرهما، فالولاية بمفهومها المنتشر بين العوام هي التي قامت على التجارة بمشاعر البسطاء، وليس التصوف
عاد الزوجان للسيارة ليعودا لدمشق، وفي أثناء رحلة العودة بالسيارة، ألقى "علي" نظرة أخيرة على جبل قاسيون، وطالت نظرته كأنها نظرة وداع وهو يقول بصوت مسموع: دمشق بلد يحبنا ونحبه

Thursday, September 18, 2008

انهيار برج بابل- 35-36

(35)
اغتيال رؤية

الجمعة، الحادي و العشرون من سبتمبر
في الصباح، تناولا فطورا مهجنا من أصناف سورية ولبنانية، مناقيش الزعتر وجبن قشقوان بزيت الزيتون، وجبن حلومي مقلي، فضلا عن الكنافة النابلسية، كانت إذاعة المطعم الداخلية تذيع أغنية من التراث السوري تقول كلماتها: "لعبوا الفرسان ع خيول الأصايل .. والملعب لان لحلو الخصايل" فاستدعت كلمة الفرسان إلى ذهن "علي" حلم الليلة الماضية، حتى في ليالي زفافه الأولى لا يريد طيف الإمام أن يفارقه؟ وقد شهدت ليلته الماضية جوانبا من أم معارك الفتنة الكبرى، صفين
...
رأى الإمام "علي" يدعو الله وهو يلبس لأمته للحرب فيقول "اللهم إن أظهرتنا على عدونا فجنّبنا البغي وسدّدنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة، واعصم بقيتنا من الفتنة"[1] ثم رآه وقد اصطف الجيشان وتهيأ الناس للقتال، يخرج فيقف بين الصفوف، ويدعو "معاوية" للمبارزة حتى لا يقتتل الناس بينهما، فلا يجد مجيبا[2]، فقد ضربت لمعاوية خيمة في مؤخره جيشه، ليقي نفسه بجيشه لو جد الجد، ثم رأى الإمام وقد التقى الجمعان، ممتطيا صهوة جواد أدهم[3] وممتشقا سيفه "ذو الفقار"، فكأن الشمم والإباء والشجاعة تجسدوا جميعا، فكانوا فارسا نبيلا يدافع عن الحق كما علمه، يوغل في صفوف العدو بجرأة من اتخذ على الموت عهدا، يردد بينهم عبارة ذات صدى، كأنها تتردد في صدره قبل أن تخرج من فمه: "أقاتلكم على تأويله كما قاتلكم النبي على تنزيله"[4]
...
سألته "ماري" عما شرد فيه، فلم يرد أن يخبرها بحلمه حتى لا يزعج عروسه بحلمه الدامي بعد ليلة عشق من ليالي الجنة، لكنه أراد ألا يكذبها، فاختار التعبير عن حلمه رمزا، وقال: ذكرتني الأغنية عن الفارس حلو الخصال بمثل شامي يقول "الرجال عند أغراضها نسوان" - مع كامل احترامي للنسوان - فالغرض حين يتمكن من الإنسان يصبح كمرض حل بعقله، فيجعله يرى الحق باطلا والباطل حقا، ولطالما كان تاريخ البشر في مجمله صراع بين أهل الرؤية وأهل الغرض، بين رؤية التطور والنماء والحب، وأغراض المال والسلطة والنفوذ، عذرا للمثل المناهض للمساواة
ردت عابثة وضحكاتها الهادئة تتخلل كلماتها: مثل متوقع من العقلية العربية بتكوينها الذكوري
- هذا تعميم مخل، فوضع المرأة هنا في سوريا اتسم دوما بالمساواة مع الرجل، حتى في زمن الاحتلال العثماني المتفنن في قهر الحريم، لم يكتسب الرجل السوري تراث قهر المرأة من الترك
- بسبب الأصل الفينيقي، فقد اشتهرت المرأة الفينيقية في العالم القديم بقوة الشكيمة وعظمة أثرها في مجتمعها، و"بيير هوبك" يقول في هذا قولا جميلا مفاده أن الرجل الفينيقي لم يكن يتزوج المرأة .. بل يقترن بها
- لكن هذا ليس محدودا في سوريا، فللسودانية والتونسية كذلك وضع اجتماعي مميز نتيجة لتراث شعبي مختلف، فليس كل التراث الشرقي مجحف للمرأة، في حالة تونس مثلا تأثر وضع المرأة إيجابا بطبيعة المجتمع الزراعي، وبتميز مكانة المرأة عند البربر، فبعض المؤرخين اعتبر البربر مجتمعات شبه-ماترياركية[5]، وتعريب تونس بالكامل لا ينفِي جذورها الحضارية البربرية
- أحبك
قالتها وهي تميل لترتكز على حافة الطاولة بذراعيها، مغيرة دفة حديث التاريخ الذي طال، فابتسم خجلا وقال: آسف للحديث عن التاريخ على مائدة الإفطار، لكني حين أحدثك أجدني مسترسلا كأني أفكر وأحادث نفسي .. فقد توحدت معك يا .. يا أنا
- كم تمنيت أن أكون شاعرة لأعبر عن خفقات قلبي مثلك
- عيناك تعبران يا مريمي، وإنما أحاول أن أكسب كلامي مذاقا لعله يجاري بلاغة عينيك
- حسن جدا
قالتها بلهجة مزاح متوعدة، وهي تقوم مرتكزة على الطاولة بينهما، وتميل بجزعها عبر الطاولة، لتمسك برأسه وتقبله قبلة خاطفة، ابتسم وهو يداعب شعرها بيديه، فقالت وهي تعود لجلستها الأولى: لو كنت تخجل من تقبيلي إياك أمام الناس فلا تتغزل ثانية أمامهم
- فليذهب الناس للجحيم، الجحيم يا غاليتي هو الآخرون كما كان خالك "سارتر" يقول
قالها مداعبا، فسارتر أحد أعمدة الفكر الوجودي الذي كانت والدتها تعتنقه، ضحكت للدعابة بفتور، ثم ذكرت أمها فاربد وجهها سريعاً، فطن لذلك في وجهها، وقرر في نفسه أن عليه ألا يذكرها بوالدتها كثيرا حتى لا يثير بداخلها الصراع القديم، فالفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، فكر للحظة أن يغير الموضوع ليخرجها من الذكرى، لكن السنين علمته أنه شاعر أكثر منه دبلوماسي، وحين يتحدث لمجرد تصحيح ما يفلت من لسانه عفوا، غالبا يقول ما هو أسوأ! .. مرت لحظة قبل أن تستعيد صفاء وجهها وتسأله عن برنامجهما لذلك اليوم، فيجيبها بأنه خطط للمرور على قلعة دمشق سيرا على الأقدام ثم زيارة ضيعة يقضيان بها بقية اليوم، ولما احتجت على إهدار يوم كامل بمكان واحد في تلك الزيارة القصيرة، وعدها بأن يمد الزيارة يوما لو لم يرق لها المكان، بدا واثقا وهو يعدها بينما بدت هي غير مقتنعة بالفكرة المهدرة للوقت، وانطلقا نحو القلعة
فريدة هي قلعة دمشق، ممتدة التاريخ من العصر الروماني قبل الميلاد وحتى اليوم في غير انقطاع، بنيت بعقلية المدينة-القلعة، فاختار لها الرومان هذا السهل المنبسط في مستوى المدينة، وخلال زيارتها أخذهما الحديث للسلطان المملوكي "ركن الدين بيبرس" الذي استخدم هذه القلعة يوما، فقد كانت "ماري" معجبة به، بينما كان لعلي العديد من التحفظات عليه، أهمها اعتلائه كرسي السلطنة على جثة المظفر "سيف الدين قطز"، كانت "ماري" تنتقد في "علي" دوما نزوعه لعواطف شبه شخصية نحو الشخصيات التاريخية، وكانت ترى في هذا عيبا خطيرا فيه كمؤرخ، أما هو فكان يرى أن المؤرخ إنسان لا يستطيع تحييد مشاعره في تقييم الحدث أو الشخصية التاريخية، فأمانته ألا يخفي أو يبرز في رواية الحدث وفقا لهواه، أما تحليل الحدث وشخوصه المحورية فمنطقي أن يعكس مجمل قناعاته الذاتية، وحين خرجا من القلعة متجهين نحو ساحة انتظار السيارات ليستقلا تاكسيا كان يقول: التاريخ يسجل عبر عيون المؤرخ، ويتأثر بقناعاته دوما، لهذا نحتاج للمقارنة بين نصوص مختلفة لتحصيل رؤى مختلفة للحدث والخروج بقناعاتنا الشخصية حوله
- أرى حكمك على "بيبرس" بالانتهازية غير موضوعي تماما، فهو ابن زمنه وبيئته كما تقول أنت دائما، المماليك كانوا يقتلون بعضهم بعضا كما يتنفسون[6]! و"ٌقطز" ذاته شارك في قتل الأتابك "أقطاي"، فعلى أي أساس نصنف "قطز" بطلا و"بيبرس" ميكيافيلِّيا؟
- كانت آفة المماليك قتل بعضهم بعضا كما يتنفسون .. هذا صحيح، كان هذا شأنهم قبل اللحظة الفارقة التي هددت فيها جيوش "هولاكو خان" مصر، فارتفع "قطز" لمستوى اللحظة وعفا عن المماليك المتهمين بقتل أستاذه "أيبك"، وعاهدهم على توحيد الجيش تحت قيادته لمواجهة الغزو على أن يتنحى عن السلطة بعد المعركة ليختاروا من يريدون عليهم سلطانا، ثم تنازل عن جميع ممتلكاته لصالح المجهود الحربي قبل أن يطالبهم بالتبرع له، وشارك بنفسه في القتال في الصفوف الأمامية، فحقق الله على يديه النصر، وظن أن نفوسهم قد تطهرت من الصغار مثله فصاروا إخوانا، لهذا خرج معهم للصيد منفردا بغير حرس، لكن كل هذا لم يثنِ "بيبرس" ورفاقه عن عزمهم الغادر، فقتلوه وبايعوا "بيبرس" سلطانا ليوزع عليهم الإقطاعيات مكافأة على وصوله لكرسي السلطنة[7]، لهذا ينتمي "قطز" لأصحاب الرؤى الكبيرة في الحياة، وقد حقق ذاته بتحقيق هدف كبير هو حماية مصر والبشرية من خطر التتار، أما "بيبرس" فينتمي لمدرسة الغرض، وطريقه لتحقيق الذات لم يتجاوز السلطة والثروة فتآمر للوصول إليهما مع من يبيعون ولاءهم بالمال، فكان وصوله للحكم بيعا لا بيعة
- فكرة أهل الرؤية وأهل الغرض هذه دواليزمية[8] جدا، والدنيا ليست خيرا وشرا .. ليست أبيض وأسود، فبينهما طيف واسع من الدرجات الرمادية
- الرؤية والغرض أعبر بهما عن الخطوط العريضة في حياة الإنسان، لكنهما ليسا نقيضين بنقاء الخير والشر، فرؤية "قطز" مثلا لم تعصمه من المشاركة في خطأ إغتيال "أقطاي"، وأغراض "بيبرس" لا تنزع عنه شرف مواجهة التتار والجيوب الصليبية في الشام، الفارق أن رؤية "قطز" التي اغتالوها معه كان من شأنها تغيير مصير دولة اللماليك البحرية كلها، خصوصا فكرته في التخلي عن السلطة وتطبيق مبدأ البيعة بالاختيار بين عدة مرشحين لكرسي السلطنة
- مازلت غير مقتنعة
- لماذا أشعر أنني منذ تزوجتك فقدت قدرتي على الإقناع؟
قالها مازحا وهو يربت على كتفها قبل أن يتركها ليتفاوض مع سائق التاكسي، وحين سمعت اسم المكان الذي يتجهان إليه من حديثه مع السائق، دق قلبها بشدة وتغير رأيها في الفكرة تماما، وابتسمت بكل خلية في وجهها الجميل، فما أن انتهى زوجها من التفاوض ودعاها للركوب حتى نظرت إليه بود غامر وشكرته على المفاجأة التي اختارها، فقد كانت وجهتهما هي ضيعة معلولا الساحرة، أجابها زوجها بأن خبيرة لغة آرامية تزور سوريا لابد لها من قضاء يوم في هذه الضيعة التي فرت من يد الزمن!
...

(36)
مخرج النجاة

معلولا ضيعة مسيحية تبعد قرابة الستين كيلومترا عن دمشق، فوق هضبة مرتفعة عليلة الهواء، وهي المكان الباقي فوق الأرض الذي يتحدث الناس فيه باللغة السريانية في حياتهم اليومية، لغة المسيح المميزة آرامية المصدر التي تميز المذهب السرياني حتى اليوم، فغير معلولا لا توجد سوى جماعات إثنية متفرقة في العراق وتركيا وغيرهما تتحدث السريانية، لكنها لا تكون مجتمعا كاملا كهذه الضيعة الرائعة
وحين كانت السيارة تجتاز المروج الخضر حول دمشق، ربتت "ماري" على ساق "علي"، فقبل باطن كفها بإعزاز وهو يقول: اليوم تكونين أنت دليلنا، فمعلولا تقع في نطاق تخصصك أكثر
- لدي فكرة عن تاريخ المكان بالطبع، لكن تذكر أنني متخصصة في اللغات وليس التاريخ، فلا تتوقع الكثير
- كلي آذان صاغية
- القرية ضاربة في القدم، مسكونة قبل ميلاد المسيح، حين كان اسمها سركوبوليس أيام الرومان، والدير الأساسي بها هو دير تقلا البطريركي، والذي كان بدوره معبدا وثنيا كالمسجد الأموي وهيا صوفيا، وهناك تلك النقوش المميزة داخل الكهوف، الباقي سأتذكره حين أرى المكان
من بعيد بدت جبال قلمون وعلى قممها تستقر الثلوج البيضاء، مرت ربع ساعة أخرى على طريق جبلي قبل أن تظهر بيوت معلولا البيضاء بعمارتها المميزة من بعيد، وبعد لحظات كان العروسان يغادران السيارة نحو القرية الوادعة، فأخذا يصعدان ممرا جبليا معبدا بحجارة بيضاء، تسارعت أنفاس "ماري" قليلا، مقارنة بحركة صدر "علي" العنيفة صعودا وهبوطا، والتي جعلتها سنون التدخين متسارعة مع كل خطوة، تذكرت شيئا فانطلقت تقول: لفظة معلولا تعني مخرج النجاة، وسبب التسمية غير معروف، لكن يرجح أنه بسبب الممر الجبلي فيها، يردد الرهبان أن بركة الرب شقته في الجبل كمهرب للقديسة "تقلا" من مطاردة الرومان، فصار مخرجا للنجاة، وعمارة البيوت المبنية في قلب الصخور فيها تتميز بارتفاع موحد، فلا يرتفع أي بيت عما حوله أكثر من ارتفاع طابق واحد، وذلك أنهم يعدون أسطح البيوت ملكية عامة كالشارع يستخدمها الناس للتنقل بلا قيود، فتصبح بمثابة دور ثان للضيعة الجبلية يتميز بسهولة السير عليه مقارنة بالممرات الجبلية الوعرة
أشارت بسبابتها نحو شق جبلي يبدو مظهره غريبا بالفعل، وإن كان حدوثه في الجبال يحدث طبيعيا بغير خوارق، وقالت: هذا هو الشق الجبلي، أعتقد أن الطريق للدير من هنا
- نعم
قال "علي" و هو ينظر لها بإعجاب لأنها استنتجت جغرافية المكان في أول زيارة له، بينما سألته هي: هل زرت الضيعة من قبل؟
- نعم
- ومع ذلك تركتني أشرح كل هذه التفاصيل التي لابد أنك سمعتها من قبل؟
- بالعكس، كنت مستمتعا جدا بمتابعة شرحك
- لا بأس، من أين نصل لدير تقلا؟
- من هنا كما استنتجتي تماما
وصلا للفج الصخري الضخم الذي يشق طريقا في الجبل بين جانبين، وفيه حفرت بيوت، عاشت القديسة "تقلا" في واحد منها فرارا بدينها لهذا المكان النائي، ثم تفجر الماء من سقف البيت الصخري الذي سكنته، فظنه الناس شافيا من الأمراض ورددوا عنه المعجزات
دلفا لدير تقلا أسفل الفج الجبلي، كان تردد اللغة الآرامية حولها بين الناس يسبب لماري شعورا رائعا، فتسري بجسدها قشعريرة إثارة ودهشة، وكلما شعرت بهذا أثناء اليوم كانت تضغط على يده في امتنان، فلو كانت معلولا لكل شخص تجربة رائعة، فهي بلا شك لمتخصصة الآرامية تجربة فريدة ولحظات لا تتكرر في العمر كثيرا، تماما كدارس لتاريخ الفراعنة يجد نفسه فجأة في الأقصر عام 3000 قبل الميلاد! .. حين دلفا من بوابة الدير، أخذت تترجم له ما تسمعه بالسريانية حولهما، وكان معظمه دعوات من أجل الشفاء أو رد الغائب وما إلى ذلك، فقد اعتاد الناس طلب شفاعة القديسة ورفاتها المدفون بالدير لقبول الدعوات، ويبدو أن واحدة ممن يلقون الأدعية كانت تعرف العربية جيدا فقالت بلهجة سورية محببة: عجائب كثيرة تحدث هنا على يدي الطاهرة "تقلا"، وببركة صلوات الآباء، وعجائب أكثر تحدث في دير صيدنايا في طريقكما للشام
- شكرا يا أمي
أجابها "علي" باسما في رقة وامتنان، وحين ابتعدا بخطوات قالت "ماري" معلقة: ظنتنا زوجين مسيحيين لهذا نصحتنا بزيارة دير صيدنايا
- ليس بالضرورة، هنا وفي مصر يزور الناس مسلمون ومسيحيون مساجدا وكنائسا وأديرة يظنون أنها مباركة طلبا للمعجزات، يزورون الأولياء والقديسين بل والحاخامات أحيانا كأبي حصيرة لتحقيق حاجاتهم، فأصحاب الحاجات وصوليون تماما فيما يتعلق بهذه الحاجات، المهم .. ألن تحكِ لي قصة القديسة "تقلا"
- كانت تلميذة صديقك القديس "بولس"
ابتسم وهو يوميء مشجعا لها على الاسترسال، فاستأنفت حديثها قائلة: اضطهدها أهلها فجاءت هنا وعاشت حتى ماتت في التسعين من عمرها
- ولماذا اضطهدها أهلها؟
- بسبب دينها الجديد، لقد كانوا وثنيين
أحاط كتفها بود بالغ وهو يقول: متخصصو اللغات يتعاملون مع سطح التاريخ لا باطنه، وثنية أهلها ليست سببا كافيا للاضطهاد، فالديانات الوثنية متعددة الآلهة لم تكن تضيق بإضافة مقدسات جديدة، واقع الأمر أنها كانت تنتمي لأسرة غنية في أيقونيا، وكانت فضلا عن ذلك خطيبة لشاب من النبلاء، وعندما مر "بولس" بأيقونيا عام خمسين للميلاد بعد سماح القديس "جيمس" له بالتبشير للجينتيلز[9]، وكان بصحبته "برنابا" الرسول، سمعت القديسة واحدة من خطبه التبشيرية، فآمنت وعمدها "بولس" بنفسه، فوهبت بتوليتها للرب وأسرت لأمها برغبتها في فسخ خطبتها لأنها وهبت عذريتها للمسيح، وهنا ثار عليها أهلها وأهل خطيبها من أعيان أيقونيا، فهربت لتلحق ببولس في أنطاكية، لكنها حين وصلتها قبض عليها، وتقول الأسطورة أن حاكم أنطاكية ألقاها للأسود عارية، فسترها الله برداء من نور، ونامت الأسود عند قدميها كالنعاج! لهذا تظهر الأسود دوما في أيقوناتها، ولما رأى الحاكم كرامتها، حررها لتأت هنا وتعيش متفرغة للعبادة[10]
كانت "ماري" تتابعه في دهشة، وغضبها يتصاعد برغم محاولتها ألا يبدو هذا عليها، حين انتهى لم تتمالك نبرة الغضب في صوتها وهي تقول: تعاملني كطفلة وتطلب مني الشرح لترضيني؟ أم أنك أردت أن تختبرني وتظهر لي ضعف معلوماتي مقارنة بك؟
- من قال هذا؟
- لا بأس، شرحك كان مفيدا، لذا سأطلب منك العودة لدورك المفضل كراوٍ للتاريخ
هكذا قالت وهي تتأبط ذراع "علي" الذي أدرك أن موضوع تركها تشرح لمجرد إرضاءها هذا قد ضايقها فعلا، لكنها لم تحب أن تجعله موقفا حادا في شهر العسل، هذا ما يحبه فيها، تعرف كيف ومتي ولأي درجة تقف وقفة لتحدد ما يسرها وما يضايقها بدون تحويل الحياة لمسلسل نكد، وضحت أمرا يضايقها بذكره مرتين متتاليتين بصيغة المرح، في رسالة واضحة وذكية، قال "علي" ليمرر الموقف: هناك نبع مياه يخرج من بين الصخور هناك، فما رأيك في دش بارد؟
أشار للطريق فتقدمته فيه حتى وصلا للكهف الصخري عدواً، فوقفا أسفل نبع المياه الصافية المنهمرة من سقف الكهف وهما يتبادلان دفع الرذاذ، ثم شربا من ماء النبع العذب البارد، الذي يترك في النفس إحساسا عميقا بالنقاء، لا ريب أن إحساس كهذا يساعد على شفاء المريض لاعتقاده في قداسة ما شرب، هكذا فكرت "ماري" فقالت وهي تنظر لعلي بعد أن ارتكنت متأبطة ذراعه ثانية وهما خارجان من المغارة كالخارجين من حوض سباحة، وبعض الزوار العجائز ينظرون إليهما بشيء من الدهشة: هل تصدق موضوع الشفاء بالشرب من ماء مقدس؟ أم تراه مثلي إيحاءً
- إيمانٌ وليس إيحاء
- وما الفارق يا فيلسوفي العزيز؟
- الإيمان تحرير طاقة داخلية جبارة في الإنسان، أما الإيحاء فهو سقوط في بئر الوهم، الإيمان نور والإيحاء ظلام
شرح لها رأيه في أن الإيحاء يحتاج لوجود الوسيط، كراسبوتين الذي كان يبيع الوهم مقابل ثمن مادي أو سلطة أو جسد امرأة، أما الإيمان فهو تجربة فردية بحتة بين الفرد وربه، بغير وسيط، فلما عارضته بأن البعض يخضع للإيحاء بغير وسيط، أسهب موضحا أن الوسيط ليس قاصرا على البشر، بل قد تلعب الأساطير المترددة حول مكان ما أو شخص ما دور الوسيط في التمهيد والايحاء، وقد يلعب الواقعون في الوهم دور الوسيط نحو غيرهم، فأي تمهيد سابق للتعرض المباشر للمكان أو الحدث أو الشخص يعد وسيطا، ثم ضرب مثلا فقال: رويت لمحمد بن سيرين[11] نادرة تبين الفارق بين الإيمان والشعوذة، فقد سألوه في أمر رجل إذا سمع القرآن أو قرأه يبكي حتى يغشى عليه، فقال لهم: ميعاد ما بيننا وبينه[12] أن يجلس على حائط عال ثم يقرأ عليه القرآن، فإن وقع فهو كما قال[13]، وتكمن مهارة "ابن سيرين" هنا في كون أغلب المبالغين في مظاهر الإيمان واقعين بين أمرين، شعوذة مقصودة أو هستيريا، وفي الحالتين سيفيق الموهوم مع الشعور بالخطر فوق سور عالي
- حيلة بسيطة وذكية، لعلكم تحتاجون لتطبيقها مع الكثير من البكائين في فضائياتكم اليوم
- زرت مسجد السيد البدوي في طنطا مع والدي طفلا، فأشار يومها نحو إطار خشبي بجوار الضريح قائلا أنه أثر لقدم الرسول على الصخر، اقتربت من الأثر متأملا، ليلفت نظري خلوه من أي تضاريس لقدم، فضلا عن حجمه الهائل الذي ينم عن عملقة صاحبه، وكنت أعرف أن الرسول كان ربعة بين الرجال، صحت أقول لوالدي ببراءة أنها مزيفة، فوجدت وجوها متنمرة تنظر إلي نظرتها إلى شيطان صغير، فما كان من والدي إلا أن اعتذربأني طفل غرير، ثرت باكيا حين عدنا للمنزل لأنه أهانني بقوله هذا، وحين سألته لو كان ما قلته صوابا أم خطأ قال لي أنه صواب، لكن ليس كل صواب يجوز مواجهة الناس به، فعلينا مخاطبتهم على قدر عقولهم، صدمت هذه الحكمة الحياتية عقلي الطفل، الحكمة التي صورها "يحيى حقي" رحمه الله أروع تصوير
- قنديل أم هاشم رواية رائعة بحق، العلم والحقيقة في غلاف من الوهم يتقبله البسطاء
نظر لها نظره تفيض إعجابا وعجبا وهو يقول: لو أنني تمنيت من الله أن يخلق لي حبيبة كما أريد لما فزت بأكثر منك! لطالما أعجبت بالكثير من عناصر تكوين المرأة الأوروبية، لكنني كنت أرى الخلفية الحضارية المشتركة كذلك جوهرية من أجل التفاهم بين الزوجين، فقسم لي الله زوجة إنجليزية تعرف قنديل أم هاشم، فما أروع ما قسم لي!
دخلا بعد ذلك دير "سرجيوس" و"باخوس"، قائدان رومانيان خسرا مكانتهما ثم رأسيهما عقابا على التمسك بالمسيحية في عهد الإمبراطور "مكسيميانوس هرموليوس"، وانتهيا من هذا الدير سريعا لأنهما لم يجدا ما يسترعي الاهتمام، ثم هبطا نحو بلدة صيدنايا، حيث تناولا غذاء سوريا تقليديا في مطعم جبلي، تكون من ورق العنب والسمبوسك مع كبة السفرجل الحلبية المميزة والقاورمة، ثم استقلا سيارة عادت بهما لدمشق، مدينة التاريخ، مدينة ينتمي إليها رجلان بارزان في تاريخ الأديان، "بولس" الرسول، الرجل الذي غير دفة التاريخ المسيحي، و"معاوية بن أبي سفيان" الذي انطلق منها ليغير اتجاه التاريخ الإسلامي! فما أكبر أثرك على حياة العالم الروحية يا دمشق؟

Wednesday, September 17, 2008

انهيار برج بابل- 34

(34)
يا مال الشام

خرج "علي" و"ماري" من مطار دمشق الدولي فاستقلا تاكسيا إلى فندقهما، وما أن تحرك التاكسي خارجا من زحام المطار حتى بدأت أنسام دمشق المحببة تهل عليهما، لله درك من ساحرة يا دمشق، هكذا كان "علي" يقول إذا تذكرها، اختلف الناس في أصل اسمها، فقيل أنها سميت دمشق لأن من بناها دَمشَقَ في بنائها، أي أسرع، كأن يقال ناقة دمشق أي مسرعة[1]، وقيل بل سميت على اسم "دماشق بن قاني بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح" وهذه خرافة قال بها "ابن الكلبي"[2]، تماما كخرافة "مصراييم"، ودمشق واحدة من أقدم المدن المعمورة في عالمنا، أثبتت حفريات تل الرماد أنها سكنت قرابة عام 6000 قبل الميلاد، وحولها دارت أساطير بلا حصر، فمن قائل أنها كانت مستقرا لنوح عليه السلام لتنافس الكوفة في هذا، لقائل أنها كانت موطناً لإبراهيم أبي الأنبياء لتنافس العراق، غير أنها أقوال مرسلة لا يستقيم عليها دليل، وفي دمشق الحدائق الغناء من أشجار الفاكهة، تتخللها مكونة غوطتان شرقية وغربية، تعرفان بغوطة دمشق، تلك التي وصفها الأقدمون بأنها جنة الله في أرضه، وما كذبوا في هذا ولا جاوزوا الحق، ففيها أطيب هواء وأرق منظر يمكن للعين أن تراه في الوطن العربي بأكمله، تذكر "علي" والسيارة تمر في طريقها بين المروج بيت شعر يقول "سَقى اللّه أرض الغوطتين وأهلَها .. فلي بجنوب الغوطتين شجون" فحاول أن يتذكر الشاعر ولم تغنه المحاولة، وفي غضون أقل من ربع الساعة وصل التاكسي بالعروسين إلى قلب دمشق القديمة، ولها روحها الدافئة الخلابة التي تحسها في المدن العربية القديمة في المشرق والمغرب على اختلاف النسق والمشاهد، روح محملة بعبق التاريخ وذاكرة الزمن وتلاطم أمواج البشر، جاب السائق بهما بعضا من الطرقات المزدحمة الضيقة نوعا، حتى وصلوا لتل الحجارة في شارع الأمين الطويل الممتد، فتوقف السائق أمام مبنى رائع العمارة على الطراز الدمشقي، هو فندق تاليسمان حيث ينزل العروسان، وكان الفندق محببا لعلي لتفرده المعماري وإن لم يرق له اسمه أبداً، فالعمارة الشرقية الفريدة والرونق الدمشقي الجريء الصريح لا يناسبه اسم يعني الطلسم! فليست كالعمارة الهندية الموحية بجو سحري مثلا، لكن هذا لا يقلل روعة الفندق بداية من واجهته الخارجية مرورا بكل مرافقه وانتهاء بغرف النوم فيه، فكلها تتشابك لتشكل تحفة من الفن السوري الجميل، وفضلا عن هذا النسق الفريد، يمتاز الفندق بموقعه في قلب دمشق النابض الذي لم ينم منذ قرون، ولهذا قرر "علي" و"ماري" القيام بجولة في دمشق القديمة بعد راحة قصيرة أخذا فيها دشا منعشا وتناولا وجبة خفيفة من مقبلات شامية في مطعم الفندق، فقصدا أولا لسوق "مدحت باشا" المسمى باسم الوالي العثماني الذي أنشأه، ثم سوق الحميدية الأسطوري الشهرة، ومنه اشترت "ماري" عباءة دمشقية من حرير داكن الحمرة بلون النبيذ، مطرزة بخيوط بنية متعددة الدرجات، ولها منديل للرأس وشال للأكتاف من نفس قماشها، وكذلك علبة مصدفة لتقديم الشيكولاتة، ثم قصدا قصر النعسان، الذي كان صاحبه "جرجس نعسان" كبير أسطوات الآرابيسك والموزايك والتطعيم والمنمنمات في دمشق القرن التاسع عشر، قيل أن النعسان لقبه الحقيقي وقيل أنه سمي كذلك لنعس في عينيه، وفي القصر شاهدا روائع المنمنمات والنسق المعماري الرفيع الذوق، فلم يكن للأثرياء من أسطوات سوريا في ذاك الزمان ما لكبار الأسطوات في زماننا من ذوق مؤسس على ألوان السلاطة الخضراء وأحجام الديناصورات في اختيار الرياش والأثاث
ثم دلف العروسان لحي مئذنة الشحم، حيث مسقط رأس الشاعر العربي الأشهر "نزار قباني"، هناك حدثها "علي" بما خطر له وهو يراها تتهادى في مطبخ الدار ذاك اليوم، وكيف ذكره منظرها بقصيدة "نزار" عن "مايا" التي تحت الدش، ثم ألقى عليها ما أسعفته به الذاكرة من القصيدة الطويلة، فتضاحكا سويا وهما يمشيان عاقدي الذراعين، و"علي" يحيطها بذراعه كمن يخشى فقدها بعد طول اشتياق، سألته باسمة وهي لا تخفي سعادتها بما تسأل عنه: أنوي البقاء إلى جوارك لآخر العمر، فلماذا تضمني بقوة وتتأملني كل حين؟ كأنك تتأكد أننا في حقيقة، أو تخشى أن أضيع منك؟
- ربما لأنك تأخرت كثيرا، فأصابتني عقدة تجعلني أستكثر ما أنا فيه من سعادة لم يألفها القلب أبدا!
هكذا أجابها باسما، ثم ارتجل بيتين من الشعر من وحي اللحظة قائلا:
لا تعجبي من عشقه
من حرص قلب .. كالصلاة أوجبك
فحرصي عليك مريمي
كحرص أب .. بعد العقم .. أنجبك
تعلقت بعنقه في ضمة والهة يحبها منها كحبه للحياة أو أكثر، ثم نظرت بعينيه وهي تقول: لا أجد ما أقوله، وأشعر بالعجز، لكنك توقن كم أحبك، أليس كذلك؟
- لا يجب أن تقولي أي شيء، كم من الرومان صلى للربة فينوس في مجدها؟
- ملايين
- فهل سمعت أن فينوس ردت على صلاة أحدهم فصلت عليه؟
- فينوس! لم أتصور أن يقال لي هذا يوما، فالشقراوات ممن يقضين عشرون ساعة من أربع وعشرين أمام المرآة هن من يشبهن بفينوس، لا باحثات اللغات الشرقية
- لست فينوس وحدها، بل ثلاثتهن معا، فينوس الجميلة وهيرا القوية القادرة وآثينا نبع الحكمة والعبقرية، ولابد أن الراعي المسكين الذي طلب منه أن يختار بينهن قد دعى الله أن يخلصه من حيرته فيجمعهن في واحدة، واستجاب الله بعد آلاف السنين، فولدت أنت يا مريمي
- هل يمكن أن أكون قد مت يوم تأخرت في نومي في بيتك بالإسكندرية؟ ما أعيشه الآن لا يشبه الدنيا التي عشتها بضع وثلاثون عاما!
قبل يدها فرحا وممتنا لسعادتها، ثم توجها للمسجد الأموي، وحين اقتربا من ساحته الخارجية، ظهرت علامات الدهشة على وجه "ماري"، كان المسجد أكبر مما تخيلته كثيرا، وندت منها كلمة تدل على انبهارها وتصفه بالروعة، فعلق "علي": الأروع منه تاريخه، تاريخ توارث الأديان عبر العصور
هكذا أجابها وهما يدلفان لساحة المسجد، ثم استأنف يقول: خطأ شائع في بعض الكتابات المعاصرة يعد عمارة المسجد الأموي نموذجا للعمارة العربية الإسلامية، والحقيقة أنه مؤسس على طراز كنسي، يوم كان كنيسة "مار-يوحنا"[3]، أكبر كنائس دمشق المسيحية يوم فتحها الجيش العربي
حدثها كيف دخل القائد "خالد بن الوليد" المدينة من جهتها الشرقية بقوة السلاح، ولما تردد الخبر فيها، توجه مجموعة من أعيانها لأبي عبيدة بن الجراح، والذي كان على رأس جناح من الجيش يحاصر الجهة الغربية، وعاهدوه على التسليم والصلح، فاعتبر المسلمون أن دمشق فتح نصفها عنوة ونصفها تسليما، وكان عرفهم أن يحرموا سكان المدينة من المكاسب المدنية لو فتحوها عنوة، ومن هذه المكاسب الحفاظ على دور العبادة، أما المدن التي تسلم لهم فكانوا يحافظون لأهلها على كافة دور عبادتهم بل وأحيانا يبقون على حكامهم الإقليميين وموظفيهم، ولما كان وضع دمشق مختلفا، فقد قرروا أن يأخذوا نصف كنيستها الشرقي ويحولوه إلى مسجد، ويتركوا الباقي كنيسة، ويؤمنوا المسيحيين فيها على أربعة عشر كنيس لهم في ربوعها تبقى على حالها، ومن هنا كانت بداية المسجد الذي سمي بالأموي[4] رغم تأسيسه في عهد "عمر بن الخطاب"، لأن "الوليد بن عبد الملك" هو من وسعه وجعله مسجدا خالصا، فقبل خلافته كان المسلمون يصلون في الجزء الذي يعرف اليوم بمحراب الصحابة، فأحب "الوليد" أن يوسعه، وفاوض القسس أن يضيف لعهدهم كنيسة القديس "توما" خارج أسوار دمشق، ويأخذ بقية المسجد مقابلها، فوافق بعضهم ورفض بعض، وقال الرافضون أن من يهدم مذبح الكنيسة سيجن بسحر مرصود، وسمع الوليد بهذا فعلق بقوله "أنا أول من يحب أن يجن في سبيل الله" وضرب أول ضربة في المذبح، ثم صعد إلى المنارة الغربية مع حرسه، فوجد فيها راهبا متوحدا رفض أن يغادرها، فرماه الحرس من فوقها[5]، وهدم الأمويون الكنيسة من الداخل مخالفين العهد العمري، واحتفظوا بالجدران الخارجية، والتي بقي الجزء الأكبر منها موجودا حتى اليوم، ثم أرسل الوليد إلى قيصر في روما يطلب منه مائتين من أسطوات الرخام لعمارة المسجد، وتوعده لو لم يرسلهم بالهجوم على الكنائس القريبة من الحدود وتخريبها، فآسر قيصر السلامة وأرسل ما طلبه الأموي من صناع مهرة، أخذ "علي" بذراعها نحو المئذنة الشرقية التي تعرف بمذنة "عيسى" وقال: أول مئذنة أقيمت في الإسلام في الرأي الغالب تاريخيا[6]، ومن فوقها انطلق الأذان لأول مرة من منارة بعدما كان المؤذن يؤذن فوق سطح المسجد أو في ساحة، والبعض ينسبها لمعاوية بن أبي سفيان، أو لعبد الملك بن مروان، فلكل رجاله ومريدوه، لكن الرأي الأغلب أنها شيدت بأمر "الوليد بن عبد الملك" وتحت إشراف أخيه "سليمان"
اتجه الزوجان ليدخلا المسجد، بعد أن استأجرا عباءة لماري ارتدتها فوق ملابسها، طلب "علي" منها أن تقوم بجولة سريعة ريثما يصلي العصر، ولما انتهى من صلاته بحث عنها بعينيه ليجدها تتأمل مسبح المعمودية الرخامي شمال شرقي المسجد، اتجه نحوها وأحاط كتفها بذراعه وهو يقول: حوض معمودية في مسجد، فأين من يتهمون الإسلام بكراهية الآخر؟
- ألم تكن منذ لحظة تتحدث عن القاء راهب من فوق منارة!
هكذا ذكرته بما قاله منذ قليل، فأجابها مرحاً: في تاريخ كل دين وكل دولة تجدين ما تبحثين عنه! خير وشر، سلام وحرب، كرامة وذل، لأن كل دين يعتنقه البشر، وكل دولة يحيا فيها البشر، والبشر خليط من الأضداد
- ولماذا لم يفكر أحد في إزالة الحوض بعد أن صار المسجد كنيسة في زمن "الوليد"؟
- لا أعرف تحديدا، فالحوض مكتشف منذ أعوام معدودة خلال أعمال ترميم، وقبله اكتشفوا نفقا يصل المسجد بكنيسة قريبة، كانت تصل الكنيستان فيما قبل، ووجدوا في النفق آثارا لمذبحة قتل فيها عشرة أشخاص، لكن سوريا تكتمت الخبر حتى لا تتهمها أمريكا بقتلهم بسلاح دمار شامل!
قالها ممازحا وهو يأخذ بذراعها ويوجهها نحو الضريح الذهبي في المسجد، والذي أقيم فوق ما يعتقد أنه رأس "يوحنا المعمدان"[7]، قال وهما يخطوان نحوه: افتراض أن الرأس هو رأس "يوحنا" مصدق لحد كبير، لدرجة أن البابا "يوحنا بولس" الثاني زار المسجد بسببه منذ أعوام[8]، فبرغم عدم وجود تحقيق أثري لكون الرأس أو بقاياها ترجع للقرن الأول للميلاد، إلا أن ما يدعم الظن بهذا هو تواتر خبر عن القديسة "هيلينا" التي أمرت بالتنقيب عن الرأس في حديقة قصر "هيرود" ووجدته، ثم وهبته لكنيسة "مار-يوحنا" وهي في رحلة العودة من فلسطين لإستانبول[9]، فضلا عن أخبار إسلامية تدعم الظن بإنه ليحيى عليه السلام
- كم أنا محظوظة بدليلي الخاص!
قالتها وهي تنظر نحوه باعتزاز، فلاحظت أنه شرد بعينيه وهو ينظر للضريح الذهبي، سألته: أين ذهب خيالك المسافر دوما؟
- قد تكون زيارتي العاشرة للضريح، ومازالت مشاعر متضاربة تنتابني حين أراه، فيوحنا ليس مجرد نبي كغيره من الأنبياء، فهو نبي ورمز فريد، قال عنه القرآن الكريم "يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً"[10] وفي الإنجيل "فطلب لوحا وكتب قائلا اسمه يوحنا، فتعجب الجميع"[11]، وقال المسيح "الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان"[12]، فلماذا أفرده الله باسمه، وقال المسيح أنه أعظم من ولدت النساء؟
- البتولية والنبوة والشهادة
- نعم .. واجه "يوحنا" كل طواغيت عصره في وقت واحد وبمفرده، واجه الطاغية "هيرود" حين صرخ في البرية بأن "هيروديا" أرملة أخيه التي قتلته لا تحل له[13]، وتمرد على الفريسيين والطقوس اليهودية المعقدة حين خرج يكرز في البرية بمغفرة الخطايا ويعمد الناس بمعمودية التوبة في نهر الأردن، وواجه طغيان الرومان بتحريضه على الثورة قبل أن يأت ملكوت الرب، شاب بسيط في رداء من صوف خشن، طعامه الجراد وما يصادفه من عسل بري[14]، لكنه واجه الجميع بالحق وفي الحق شامخا كجبل من كبرياء، وكانت حكمته في صباه كحكمة الشيوخ، كما قال تعالى "يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً"[15]، اسمه في السوريانية معناه "الله رحم"، كان عليه السلام رحمة من الله، لأن هذا النموذج من البشر هو ميزان العالم، ولولا "يوحنا" ومن ينتهجون نهجه لانحدر العالم جيلا فجيل حتى وصل للحضيض! كذلك اسمه في العربية مرتبط باستمرار الحياة، لأن شهيد الحق وحده من بين البشر هو من يخلد حيا كما يخبرنا القرآن
- ذكرني حديثك عن النبي "يوحنا" بزميلة دراسة لي، كانت تقرأ قصص الأبطال الأسطوريين وترسمهم من خيالها، الملك "آرثر" والقديس "جون" وغيرهم، كانت صورها مختلفة عن تصورهم التقليدي القريب من الكمال في كل شيء، وكنت أنا المعجبة الوحيدة بفنها
تابعها بنظراته مهتما في سكتتها القصيرة، فواصلت تقول: الناس يرون البطل ملاكا عاش لغيره وحسب، والحقيقة برأيي أنه رجل حقق ذاته من خلال التضحية، فهو ليس ملاكا، لكنه بشر يختار أسلوبا نادرا لتحقيق الذات
- تصورك وأسلوب صاحبتك لهما وجاهتهما، لكن تقديرنا للروح السامية التي تحقق ذاتها بتحقيق منظومة من القيم هو أمر طبيعي كذلك، ولهذا نضفي عليها إهاب الملائكة، وكذلك احتقارنا للروح الدنيئة التي تقتل كل شيء لتحقق ذاتها بأرخص الوسائل أمر طبيعي، فنظهر الاحتقار في بشاعة منظرها حين نصورها، لا أتخيل صورة ليهوذا لا تشي ببشاعته مثلا
ابتسما وتشابكت أيديهما، ثم واصلا جولتهما حول معالم المسجد حتى وصلا لقبر الملك الكامل، وهناك قالت: هنا يرقد الرجل الذي لم تغره القوة بفرض نفوذه على مالا يحتاج
- أنت ترين هذا، لكن لآخرين رؤى مغايرة تماما
وسبب تعليقها عليه بالرجل السمح، أن الملك الكامل بن الملك العادل أخو السلطان "صلاح الدين الأيوبي" ووارث ملكه كان صديقا للإمبراطور "فريدريك"، صاحب تاج الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي اضمحلت وتضاءلت، وحفيد "فريدريك ذو اللحية الحمراء"[16] الذي مات أثناء الحملة الصليبية الثانية، وقد استعان به الكامل في حربه مع أخيه الملك الأشرف "عيسى" ملك دمشق، ووعده أن يسلمه مدينة القبر المقدس جزاء معاونته بالهجوم على الأشرف من البحر هجوما يتزامن مع زحفه بجيشه من البر، فركب "فريدريك" البحر في أسطول صغير وجيش محدود لمساعدة الملك الكامل، لكنه حين شارف ساحل عكا كان الأشرف قد مات واستولى أخيه الكامل على ملكه في الشام، ومع ذلك فقد سلمه الملك الكامل القدس، في ملابسة محيرة للمؤرخين، إذ كان جيشه وأسطوله المعروفين بالحملة الصليبية السادسة أهون من أن يخشى منهما الكامل وقد توحدت تحت يده جيوش مصر والشام، ولهذا سألت "ماري" قائلة: ما رأيك فيما حدث بينه وبين "فريدريك الثاني"
افتر ثغر "علي" وهو يسألها: هل أقنعك ما قاله المؤرخون من أن "فريدريك" استعطف الكامل حتى لا يعود لأوروبا صفر اليدين فأشفق عليه الكامل ووهبها له؟
- لم أقتنع وإلا ما سألتك، فلا عواطف في السياسة ولا تجدي فيها التوسلات
- رقة كلمات "فريدريك" في رسائله[17] هي سبب انطباع الاستعطاف والشفقة هذا، لكن الحقيقة أن كلا منهما لم يكن بوسعه أن يحارب الآخر إلا بثمن فادح، لهذا آثرا السلامة
شرح لها "علي" كيف كانت ظروف الملكين حرجة في ذلك الوقت، فأما "الكامل" فكان مهددا بخطر فلول الخوارزميين التي فرت أمام غزو التتار، ثم تجمعت في أصفهان وبدأت تناوش الحدود الشامية، آملة في تعويض ما خسرته شرقا في الشام[18]، وأما "فريدريك" فكان مؤيدا لبدايات الفكر العلماني الآخذة في الظهور بين ملوك أوروبا، تدفعهم للتمرد على البابا، وحين جاء للشام كان بالفعل محروما من التناول بقرار بابوي مقدس، ولهذا لم يتمكن من حشد جيش أوروبي ضخم كالحملات الصليبية السابقة، فهو محروم من بركات البابا[19]، لكن الكامل كان يدرك تماما أن خط الدفاع الأخير لدى صديقه القديم لو لم يتسلم المدينة المقدسة سيكون إعلان الخضوع للبابا "إنوسنت الثالث" وطلب المدد والبركات منه، فيعود بجيش يجعل الكامل بين الخوارزميين برا من الشرق والصليبيين بحرا من الغرب، ولأن الكامل أراد التفرغ للخطر الخوارزمي، ولأن "فريدريك" لم يرد أن يحني رأسه للبابا ثانية، فقد اتفقا على ما يشبه تدويل القدس بمصطلح زماننا في معاهدة يافا عام 1229م، فتكون للصليبيين كنيسة القيامة وبيت لحم والأماكن المسيحية المقدسة بشكل عام، وكذلك القرى الواقعة على الطريق من عكا لبيت المقدس، دون قرى القدس نفسها، ويبقى الأقصى والقدس الشرقية في يد المسلمين، وتقوم بهذا هدنة لمدة عشرة أعوام بين الطرفين[20]، وكانت حجة الكامل في هذا أن جده "صلاح الدين" نفسه تنازل عما بين صور ويافا لقلب الأسد في صلح الرملة على إثر انتكاسة طفيفة مني بها في معركة "أرسُف"، وكان السبب الرئيسي فيها هو إنهاك جيشه من النضال في الشام، حتى ظهر التململ على ضباطه[21]، كان هذا من حنكة "صلاح الدين" الذي أعطى الجيش هدنة لثلاث سنوات ليستعيد قدرته على القتال لو لزم الأمر، لكن الفارق الأساسي بين "الكامل" و"صلاح الدين" يكمن في تنازل الأول عن القدس بما لها من قيمة روحية في دينه، وحفاظ الثاني عليها
مرا بعد ذلك على المقام الذي يدعى بأن فيه رأس "الحسين"[22]، وكذلك قبة المال[23]، ثم اتجها للخروج من البوابة الجنوبية حتى يمرا على قبر "صلاح الدين الأيوبي" الذي يقع خارج المسجد، وفي مرورهما على البوابة أشار للنقوش الحجرية فوقها وقال: نص يوناني من المزامير يقول "ملكك أيها المسيح ملك كل الدهور وسلطانك في كل دور فدور"[24]، وعلي البوابة التالية لها وجدت صورة المسيح وعلى رأسه تاج الشوك، تذكارات من زمن كانت فيه الجدران تضم كنيسة مار "يوحنا"
- إذن فليست أياصوفيا فقط، لقد غصبتم العديد من الممتلكات المسيحية
قالتها مبتسمة في لهجة مزاح فرد عليها قائلا: نسيت أن أخبرك .. قبل الكنيسة كانت الجدران لمعبد الإله "جوبيتر"، ولم تدشن ككنيسة إلا في القرن الثالث الميلادي[25]، "هياصوفيا" كذلك كانت معبدا قبل أن تتحول إلى كنيسة
- ياله من رمز لصراع الأديان
- البشر وليس الأديان، وحتى قبل "جوبيتر" الروماني كان معبدا للإله الآرامي:حدد، والذي عبده الدمشقيون منذ القرن العاشر قبل الميلاد، ثم حوله الرومان معبدا لجوبيتر، وحين اعتنقوا المسيحية صار كنيسة مار-يوحنا، وجاء المسلمون فصار مسجدا لا ينسب لأحد، ثم جاء الأمويون فنسبوه لجدهم[26]! الأيام دول
تلفت يمنة ويسرة وقطب حاجبيه وهو يقول: التبس علي الطريق، القبر يقع خارج الجهة المقابلة، علينا عبور صحن المسجد لنصل لضريح الفارس الكردي الطموح الذي وحد العرب!
اتجها يقطعان المسجد حتى خرجا من بوابته الشمالية، وانحرفا يسارا متجهين نحو فناء المقام، وهو فناء صغير مشجر، يتفاعل اللون الأخضر فيه مع لون البناء الأبيض وقبته البنية المائلة للحمرة، ليعطي تناغما لونيا أنيقا برغم البساطة الشديدة لمعمار الضريح مقارنة بالثراء المعماري للمسجد الأموي، وعندما دخلا المقام، فوجئت "ماري" برؤية ضريحين وليس واحداً، الأول عليه شاهد من رخام فاخر والثاني عليه شاهد من خشب مشغول بسيط وأنيق، فتساءلت: هل الضريح الثاني لزوجته؟
- لا زوجته ولا لغيرها، فضريح الرخام فارغ، وجثمان "صلاح الدين" هنا تحت الشاهد الخشبي، أما الرخامي فهدية من "ويليام" الثاني إمبراطور ألمانيا حين زار الضريح معبرا عن إعجابه ببطولة وشهامة صاحبه، لكن السلطات السورية رغبت عن نقل الرفات احتراما لحرمة القبر، فاحتفظت بالضريح الجديد فارغا بجوار الأول
ابتسما وابتسم معهما الحارس السوري ابتسامة فاترة تنم عن ملل مَن سمع ذات السؤال وذات الإجابة آلاف المرات، ثم خرجا من الضريح فاتجها لسوق الحميدية القريب لينفذا منه للفندق، وفي الطريق قالت "ماري": العالم واسع بما يكفي ليجد كل إنسان مكانا يصلي فيه، فلماذا الاستيلاء على دور عبادة دين سابق؟ سواء قام بهذا الرومان أو المسيحيون أو المسلمون؟
- الاستيلاء على إنجازات الغير أسهل بكثير من تحقيق إنجاز جديد، أضيفي لهذا أن عملية التحول نفسها ترمز لتسود الجديد على القديم، وهذا إحساس تحبه الجماهير، إحساس بالانتماء للفريق الأقوى والأصح والأكتر عددا ونفوذا، فمشاعر تحقيق الذات الجماعية بقهر الآخر مهمة للغاية لكل فرد يعجز عن تحقيق ذاته الفردية
- لكن العالم اليوم سيطر نسبيا على نزعات قهر الآخر
- ربما يصدق قولك على مستوى الأفراد، أما على مستوى الدول والجماعات، فمازالت الكثرة العددية توحي برفض الأقلية حتى في العالم الأول، إنها غوغائية الكثرة، ولعل جنود المارينز في حرب الخليج وفضيحة أبو غريب أفضل دليل على هذا
سكتت للحظة كأنها ترددت في قول شيء، ثم استمرت قائلة: الإشكالية الفكرية التي حيرتني دوما في الطرح الإيماني للأديان الإبراهيمية هي قدم العالم وقدم الإنسان، عاش البشر على الأرض منذ مائتي ألف عام، فلو أن النبوات لم تنقطع من عهد آدم حتى محمد، فلماذا لم تحقق تطورا ملموسا في تحضر الإنسان والسيطرة على نزعاته لسفك الدماء والحرب والقضاء على الآخر؟ بينما نجح العلم والفكر الإنساني في تحقيق هذا في أقل من خمسين عاما بعد الحرب العالمية الثانية؟
- لأننا احتجنا لآلاف السنين حتى ننضج روحيا ونتهيأ لاستيعاب روح الدين وفلسفة الخلق، ولتحقيق مستوى علمي وتكنولوجي يعظم الاستفادة من موارد الكوكب، فلا نتصارع على الموارد المحدودة، وكذلك للوصول لمستوى من الفقه القانوني يصلح لتأسيس مجتمعات ومؤسسات مدنية بمستوى الاتحاد الأوروبي، وبكل هذا توصل البشر لآليات تحسن توزيع الثروة، فيتحقق الهدف من خلقهم وهو عمران الأرض
عندما وصلا لغرفتهما بالفندق، قالت باسمة في دلال أنثوي بينما يرتدي "علي" منامته: من تتزوج مؤرخا لابد أن تتوقع شهر عسل أثري للغاية
- الآثار كانت البرنامج الصباحي، أما في المساء، فالأمر يختلف
- حقا؟ ماهو البرنامج للمساء؟
قالتها بدلال زائد فأجابها ممازحا: النوم فورا استعدادا لجولة الغد

Tuesday, September 16, 2008

انهيار برج بابل- 33

(33)
دماء على المصحف

الخميس، العشرون من سبتمبر
ودع العروسان "عزة" أمام صالة المغادرة في مطار القاهرة الدولي، وفي غضون الساعة كانت طائرة مصر للطيران تقلع بهما باتجاه دمشق، أسندت "ماري" رأسها لكتفه وأخذت تتصفح إحدى الجرائد الإنجليزية الصادرة في مصر والتي وزعت على متن الطائرة البوينج 767، لفت نظرها مقال عن الرئيس الراحل "محمد نجيب" تتوسطه صورة له بالزي العسكري، وصورة أخرى بملابسه المنزلية وقد تقدمت به السن، قرأت شيئا من المقال ثم قالت وهي تلتفت لزوجها: ظلم هذا الرجل كثيرا
نظر "علي" لحيث تشير ليرى صورة الرئيس السابق فيرد بقوله: نعم، إلى حد كبير
- لماذا فعل "ناصر" هذا؟
- كان الرئيس "نجيب" رجلا صالحا، ضابط منضبط وقائد عسكري من طراز ممتاز، نظيف اليد وحسن السمعة وله قبول اجتماعي كبير، لكن بكل أسف كانت تنقصه حنكة السياسي وقدرته على تمييز الأصوات حوله، واكتشاف الغرض وراء كل صوت، فوجد بعض الساسة القدماء وقتها، فضلا عن عناصر الإسلام السياسي في طبيعته هذه بابا خلفيا للانقضاض على الثورة وتصفيتها من الداخل، وأتاح لهم "نجيب" هذا بحسن نية أولا، ثم بخصومة مقصودة ضد الضباط الأحرار فيما بعد
تمهل لحظة ليرتب أفكاره، ثم أخذ يشرح لها منذ البداية، كيف عرض مجلس قيادة الثورة على قادة حزب الوفد تسليمهم السلطة بشرط واحد، وهو الالتزام بقانون للاصلاح الزراعي، وكيف رفض زعماء الوفد الشرط، وكان بينهم آنذاك العديد من الاقطاعيين المنتظر تضررهم من الإصلاح الزراعي لو طبق كما يراه الضباط الشباب، فبدأوا محاولة لإقناع "نجيب" باتخاذ قرارات منفردة بسلطاته الرئاسية بعيدا عن مجلس القيادة، وكان أهمها قرار بحل مجلس قيادة الثورة وعودة الضباط لثكناتهم، فانفجر الصراع بينه وبين مجلس القيادة ليصل لما عرف بأزمة مارس التي استقال فيها "نجيب" ثم تراجع في استقالته، وانتهى الأمر بتحديد إقامته في بيته، لمنعه من الإتصال بالوفديين والإخوان، بين "علي" بعد هذا الشرح رأيه فيما حدث، مقرا الثورة والضباط الشباب من حيث المبدأ، لكنه تحفظ على الأسلوب الذي عومل به "نجيب" لما له من سابقة وطنية ودور في نجاح الثورة على مستوى القبول الشعبي، سألته "ماري": قائد خلوق لكنه يفتقد للرؤية ومقومات الزعامة!
- بالضبط، أتذكرين يوم سألتني عن تقديري لعثمان بن عفان رضي الله عنه؟ سابقة "عثمان" وفضله لا ينكرهما إلا جاحد، وكذلك خلقه يربو فوق الشبهات، لكنه بدأ الولاية في عمر السبعين وتوفي عنها في الثمانين، وهذه سن لا تناسب أعباء القيادة، وزاد من خطورة هذا كونه أموي[1] النسب، وإن لم يكن أموي الخصال، لكنه كان يرى في تولية أهله مناصب الدولة برا بهم وصلة لرحمه، فاشتعلت الفتنة
- هذا يعني أن لثورة الأمصار عليه منطقا، كنت أعتقد هذا دوما
- الثورة نعم، أما اغتياله فلا، فالثورة على الحاكم ومطالبته بالرجوع عن أي مظلمة حق للجميع، لكن الاغتيال يبقى جريمة نكراء وغير مبررة
- فلماذا لعن "ابن حزم" وغيره الثوار كلهم ووصفوهم بأقذع الألفاظ[2]؟ برغم أن منهم صحابة الرسول
ضحك للملحوظة الذكية، وأجابها: سب معاصرو الدولة الأموية الثوار ولعنوهم ارضاء للخلفاء، ووصلت هذه البدعة لمن بعدهم ممن لم يعاصر الفتنة مثل الإمام "ابن حزم" فقالوا قولهم
- ودفاع التراث عن تولية "عثمان" لأقاربه بأنهم كانوا من أكفأ الناس للولاية، واستدلالهم بولاية بعضهم قبل خلافة "عثمان" هل كان لارضاء الخلفاء كذلك؟
أومأ برأسه وهو يجيب: تولى "معاوية" وحسب على دمشق في خلافة "عمر"، لكن مع ولاية "عثمان" أضيف إليه "عبد الله بن عامر" ابن خال الخليفة على البصرة بدلا من "أبي موسى الأشعري"[3]، و"سعيد بن العاص" ابن عم الخليفة على الكوفة بدلا من "سعد بن أبي وقاص"[4]، ثم تولاها "الوليد بن عقبة" أخو الخليفة من والدته[5] بعد "سعيد"، فضلا عن ولاية "عبد الله بن أبي السرح" أخوه في الرضاعة على مصر بدلا من "عمرو بن العاص"[6]، وتنصيب صهره "مروان بن الحكم" رئيسا لديوان[7] الخلافة، وتولية "يعلي بن منية"[8] ابن عمومته على صنعاء، ليصبح ولاة الشام والعراق والحجاز ومصر - وهي الولايات الرئيسية – كلهم من الأمويين
سألته باسمة وهي تعبث بإصبعها في شيب فوديه: كيف تتذكر كل هذه التفاصيل؟
أجابها: التاريخ عندي ليس مهنة وحسب، لكنه المنظار الذي أرى منه الحاضر وأشرف به على المستقبل، فالناس منشغلون في أمر الغيب بالعلم حينا وبالشعوذة أحيانا، وهو منا قاب قوسين، بوابة المستقبل هي الماضي الذي ينجبه
قبلت وجنته فقبلها وهو يربت على كتفها، ثم توسدت ذراعه ونامت بعد دقائق، وأخذ هو يفكر فيما استحضر بذهنه عن عصر "عثمان"، لديها كل الحق، فوصف ثورة الأمصار بأنها تمرد مغرض من حديثي الإسلام تسطيح مخل للأمور! فقد كان فيهم العديد من الصحابة، وكانت المآخذ على الولاة الأمويين في الأمصار كثيرة بالفعل ولم تكن فرية كاذبة، ولهذا ثار عليهم رجال بحجم "أبي ذر الغفاري"، فارس الثورة الاشتراكية في التاريخ الإسلامي، والرجل الذي لحق برسول الله سيرا على قدميه ليجاهد معه، فقال عنه الرسول: "رحم الله أبا ذر، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده"[9]، وقال له ذات يوم "يا أبا ذر، كيف أنت إذا أدركك أمراء يأكلون الفئ بعدي؟" فأجابه الفارس الشجاع في الحق قائلا "إذا والذي بعثك بالحق لأضربن بسيفي" فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم "أفلا أدلك على خير من ذلك؟ اصبر حتى تلقاني"[10]، ولهذا لم يضرب الصحابي الفارس بسيفه، لكن ذلك لم يمنعه من الثورة على "معاوية" في الشام لبذخه مع الخاصة وأثرته على العامة، حتى شكاه "معاوية" للخليفة واتهمه بتأليب أهل الشام عليه، فاستدعاه "عثمان" للمدينة، حيث واجه الصحابي الخليفة في عاصمته بما كان يواجه به "معاوية" في دمشق، معترضا على السياسة المالية للدولة ومخالفتها للمنهج النبوي ومنهج الشيخين بعده، فنفاه "عثمان" إلى الربذة، فمات في صحرائها وحيدا، وصدق فيه قول الصادق المصدوق الذي قاله قبل عشرين عاما، وكذلك عارض الخليفة في سياساته المالية "سلمان الفارسي" و"عبد الله بن مسعود" و"عمار بن ياسر" وإن لم ينضموا للثائرين عليه، أما من ثار واشترك في الحصار من الصحابة فكانوا "مالك الأشتر"، و"ابن عديس"[11] و"فروة بن عمرو"[12] و"ابن أبي حذيفة"[13]، و"جبلة بن عمر"[14] الذي عارض دفن "عثمان" في البقيع بعد اغتياله، و"محمد بن أبي بكر"[15] و"ابن الحمق" و"ابن بديل"[16] و"حُكَيم بن جَبَلة"[17] و"حرقوص بن زُهَيْر"[18]، وهؤلاء ليسوا بالنفر القليل
انتبه "علي" للمضيفة تسأله وزوجته عما يفضلان من قائمة الطعام، فلم يجد بنفسه شهية للأكل، فالرحلة أقصر مما يقتضي تناول الطعام وقد بقي من زمنها أقل من ثلاثين دقيقة، بعدها تستقبلهم دمشق الساحرة بأحضانها العربية الدافئة، ربت "علي" رأس زوجته الناعسة فوق كتفه وهو يتطلع لغلاف مجلة انجليزية، رسم عليه كاريكاتير يصور تكالب الأثرياء على امتلاك أدوات الرفاهية، وما يؤدي إليه من تضخم يضير الفقراء في النهاية لاستنفاذ الناتج القومي في سلع وخدمات استهلاكية واستفزازية لا تخصهم، المال .. دائما المال .. كم من حلم كبير دفنته عواصف المال التي تعصف برؤوس الناس فتقتلع ما عداها؟ ولطالما كان التطلع المادي هو البذرة الأولى لانحراف كل دعوة فاضلة؟ ألم يقل الرسول يوما "إن لكل أمة فتنه، وفتنه أمتي المال"[19]، وفي عودته من غزوة حنين، أول غزوة شارك بها طلقاء الفتح، حين تألف قلوبهم بالمال وقال لأصحابه "إنكم ستجدون بعدى أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"[20]، فما جدوى الدفاع عن قضية خاسرة؟ ومحاولة تسفيه عشرة آلاف إنسان لإبراء الخليفة من خطأ اعترف به هو نفسه؟ كان "عثمان" يرى أول الأمر أن المسلمين عابوا عليه ما لو فعله "عمر بن الخطاب" لأطاعوه، وهذه طبيعة الرجل الحيي، يحسب أن الناس تستضعف حياءه فتتجرأ عليه[21]، وكان يظن في المتظلمين الكذب على ولاتهم، ولم يكن هذا الظن بعيدا، فقد تظلم بعض أهل البصرة من أميرهم "سعد بن أبي وقاص" في زمن الفاروق، فلما انتدب الخليفة لجنة لتقصي الحقائق، ظهر بطلان شكواهم[22]، وأحسب أن رجلا كمروان بن الحكم كان يذكر الخليفة بهذه الواقعة وأمثالها دوما، ليسوغ له سوء الظن برعاياه[23]، ومع ذلك، وفي مرحلة تالية بعد أن كثرت القلاقل، بدأ الخليفة يقتنع بوجود انحرافات من جانب عماله، فبعث بخطاب قرأ في مساجد الأمصار يدعو الناس للقدوم بمظالمهم في موسم الحج لينظر فيها[24]، شعر الخليفة الراشد بما أخطأ فيه، وأصغى لوصية "علي"[25]، فصعد المنبر وأعلن رجوعه عما دفع الناس للخروج عليه[26]، فكان هذا دلالة جديدة على عظمة معدنه، فلا يرجع لخط الصواب إلا من طلب الحقيقة، ولو أنه فقط ثبت على نيته تلك، لانتهت الفتنة في مهدها، لكن "مروان" استأذنه في الخروج للناس، يشتد عليهم حتى لا يظنوا بالخلافة ضعفا، فأذن له الخليفة، فخرج للناس يهدد ويتوعد من يحاول نزع ملك الأمويين من أيديهم[27]! ملك الأمويين! "ابن الحكم" يصف الخلافة بالملك هكذا جهارا نهارا؟ يسمع "علي" بهذا فيرى فيه تراجعا من الخليفة عما اتفقا عليه، فيقرر ألا ينصح له بعدها أبداً
"كان مروان بن الحكم وحده ثلاثة أرباع الفتنة" .. بهذه الجملة استهل "علي" الجزء الرابع من رسالته للدكتوراة، وفي يوم المناقشة، بدأ عرضه لهذا الجزء بالحديث عن "الحكم بن العاص"والد "مروان"، وهو من طلقاء الفتح كأبي سفيان، وكانت له عادة فاجرة، إذ اعتاد أن يقلد الرسول ساخرا في مجالس المنافقين، حتى رآه الرسول مرة متلبسا بهذا[28]، كما تكرر منه افشاء ما يسمعه من ابن أخيه وصهره "عثمان" من مشاورات الرسول، فنفاه الرسول للطائف[29]، وحاول "الحكم" العودة للمدينة خلال خلافة الشيخين فرفض كلاهما، حتى تولى "عثمان" فسمح له بالعودة، فكان هذا أول ما كره الناس من خليفتهم الجديد! [30]
ثم عرض على هيئة المناقشة عرضا سريعا لدور ابنه "مروان" في الفتنة، فهو من أوغر صدر "عثمان" ضد "عبد الله بن مسعود"، فأمر بضربه حتى كسر ضلعه[31]! وهو من أوغر صدره كذلك ضد "عمار بن ياسر" يوم قدم له عريضة بمظالم الناس، فقال له مروان: إن هذا العبد الأسود قد جرأ عليك الناس، وإنك إن قتلته نكلت به من ورائه[32]، لكن الخليفة لم يعمل بتلك المشورة السوداء، فوقاه الله من الوقوع في دم صحابي كعمار، وصفه الرسول بأن قتله يكون على يد الفئة الباغية، والأهم أن "مروان" هو من جرأ الناس على الخليفة بما ارتكبه باسمه من مظالم دون علمه، ومن هذا أنه أصدر خطابا ممهورا بخاتم الخليفة لبيت المال يأمر فيه بتوزيع عدد ضخم من إبل الصدقة على أبناء "الحكم بن العاص"، فعلم "عبد الرحمن بن عوف" بهذا، وأرسل من استحوذ على الإبل من بيت المال ووزعها بين الناس بالعدل[33]، فكسر هذا هيبة الخلافة بنقض أمرها، ومع تكرار مظالم "مروان" والولاة الأمويين، انضم بعض أهل المدينة لثوار الأقاليم، وحاصر الجميع الخليفة في بيته، حتى أرسل لعلي يوسطه بينه وبينهم ليمهلوه ثلاثة أيام حتى يعزل من كرهوا من الولاة ويرد المظالم، ففعل "علي" وأمر "الحسن" و"الحسين" أن يقوما على باب الخليفة فلا ينفذ إليه أمر يكرهه، ووقف معهم "عبد الله بن الزبير" و"سعيد بن العاص" و"محمد بن طلحة" يحرسون الخليفة، لكن هذا لم يمنع الشوط من بلوغ نهايته، فتسور الثوار الباب، وقتل ثالث الراشدين وسال دمه طاهرا على مصحفه، ولعل ما قاله "علي" في هذه الفتنة كان أفضل الأقوال وأوجزها، حين قال "استأثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع"[34]
انتبه "علي" من غفوة أخذته للحظات على ارتطام عجلات الطائرة بأرض مطار دمشق، ففتح عينيه وضم زوجته الحبيبة بذراعه ضمة حميمة وهو ينظر إليها كمن لا يصدق أنها أصبحت زوجته في النهاية! وأنه معها الآن في دمشق كما تمنى في أحلام يقظته .. فما أحلى الأحلام حين تتحقق!

انهيار برج بابل- 31-32


(31)
عش الدبابير

السبت، الخامس عشر من سبتمبر
أمام أحد المشارب الصغيرة في ميدان السوق القديم أو "جروت ماركت" في بروكسل، وقف الأمريكي يتناول قهوته السوداء ويطالع على الناحية الأخرى من الشارع ذلك التمثال البرونزي الذي يتخذه البلجيكيون رمزا لعاصمتهم، تمثال لطفل يلبي نداء الطبيعة، تقول الأسطورة أنه وارث لقب الدوق "جودفري" الثالث دوق ليوفين، وقد وقف على فرع شجرة ليعين حامية الدوق على أعدائها بالتبول عليهم، وببركة البول الملكي حلت اللعنة بالأعداء فهزموا هزيمة منكرة، جميلة ومسلية هي الأساطير القديمة بشرط أن ندرك أنها أساطير ولا نعود لادعاء واقعيتها كل حين، وألا يوجب أحد علينا الإيمان بها لنصبح رجالا طيبين! اليوم يوم مهرجان، ومهرجانات بروكسل كثيرة، وهاهم الشباب والصبايا يملئون أكوابهم الورقية بالبيرة الباردة التي تندفع من تمثال الطفل الملبي لنداء الطبيعة بدلا من الماء في بعض أمسيات السبت
ابتسم الأمريكي ولوح لرجل ذو وجه أحمر وشعر بني كثيف كان يعبر الطريق نحوه، كهل في نحو الخمسين من العمر تبدو على عينيه آثار صداقة وطيدة مع المشروبات القوية كعادة الكثير من البلجيكيين، استدار الأمريكي فابتاع لصاحبه مشروبا قبل أن يصل إليه، فلابد أنهما على ود قديم حتى عرف الأمريكي كيف يفضل الآخر قهوته!
عبر البلجيكي الطريق ومد يده مصافحا وهو يقول: مساء الخير أيها الكاوبوي المزعج في عطلة نهاية الأسبوع
- ليس في عملنا عطلات أيها السكير الكسول
أجابه الأمريكي وهو يصافحه بود مبتسما، ثم استأنف وهو يمد يده بكوب من ورق مقوى يتصاعد منه بخار القهوة: ستفيدك في التغلب على صداع الخمر
- لم أشرب منذ عامين، مازلت ترفض تصديق هذا؟
- لن أصدق حتى أقضي معك أسبوعا في دبي وأتأكد بنفسي من فراغ بارك المنزلي وعدم ترددك على حانات الدرجة الثانية ومعاكسة فتيات الليل، كيف حال ملهى "سيكلون"؟
- لم أذهب منذ دهر، "كلارا" تخضعني لنظام رقابي صارم لتتأكد من انقطاعي عن الخمر منذ إصابتي بالقرحة اللعينة
- دعنا نتحدث في العمل إذن حتى تعود لكلارا سريعا وألحق أنا بطائرتي، فلنتمشى قليلا ونتحدث
قالها الأمريكي وهو يسحب البلجيكي أحمر الشعر من ذراعه ويتجه نحو بوابة السوق الأثرية سائرا فوق الرصيف العريض، فيبدأ البلجيكي حديث العمل قائلا: أخبار قليلة لكنها هامة
- لست أنا من يسعر الأخبار ومدى قيمتها، فهات ما عندك دون تضخيم لأهميته أيها الاستغلالي العجوز
- مصدر باريس قال أن الكربون المشع أثبت أن المخطوطات يرجع بعضها بالفعل للنصف الأول من القرن السابع، الأثري الكردي ثرثر مع واحدة من حسناوات المعهد بأن المخطوطات قد تغير خريطة الشرق الأوسط بحسم خلافات عقائدية بين السنة والشيعة
- هراء، لا يوجد مخطوط يوحد الكاثوليك مع البروتستانت حتى لو كان مكتوبا بيد "يسوع" نفسه، الملالي والمراجع والمشايخ لن يعترفوا بهذا أبداً حتى لو كان "محمد" نفسه هو من وقعه، علمنا التاريخ أن الأديان والمذاهب لا تزداد مع الزمن إلا تباعدا
- فلم الاهتمام الزائد بالأمر من قبلكم؟
- المخطوطات قد تشغل الناس في بلد له تركيبة العراق الدينية، وهذا بحد ذاته سيقلل الاحتكاك بين السنة والشيعة هناك
- لست فتاتك السوداء يا راعي البقر، لفق سببا يحترم ذكائي أو قل الحقيقة
- حسنا .. قد تزيد المخطوطات من قبول حزب الله وشعبيته في المنطقة، وهذا غير مرغوب فيه، هذا كل شيء، فلا تبالغ في أحلامك عن مكافآت سخية على المعلومات
قالها مداعبا في سخرية صاحبتها الاستهانة بالآخر بعض الشيئ، لم يعجب هذا البلجيكي لكنه استمر قائلاً: هذا تلفيق يحترم ذكائي، لكنه ليس الحقيقة، هل للموضوع علاقة بالعالم الجديد؟ توحي أسماء الكوادر التي تلعب في خلفية المشهد بهذا.
عبس الأمريكي قليلا وقال بلهجة خلت من الود تماما: هل لديك المزيد من المعلومات؟
أدرك البلجيكي فورا أنه لمس الوتر المطلوب، إنه تنظيم العالم الجديد - أو ما عرف بهذا الاسم عند العامة - هو من يحرك عرائس الماريونيت هذه المرة، وتعجب لانشغال التنظيم بمخطوطات أثرية! فهل ترك اليمينيون ألعاب السيرك السياسي والمخابرات ليصبحوا مهتمين بالتراث الإنساني في العراق؟ هكذا فكر البلجيكي لكنه احترم رغبة الأمريكي في تغيير مجرى الحديث والعودة للعمل الذي يتقاضى عليه أتعابا، فأجابه: أخبار من بغداد، مصدر اليونسكو يقول أن رئيس الفريق قد يستعين بعنصر جديد، بروفيسور مصري لم يعرف اسمه، لكنه يقول أنه متخصص في تاريخ القرون الهجرية الأولى وينحدر من نسل "محمد" النبي نفسه
قالها البلجيكي قبل أن يشعل سيجارا صغيرا ثم يقول: لا أعرف كيف يتسنى إثبات النسب بعد كل هذه القرون
يغطي وجوم لحظي وجه الأمريكي وتتبخر السخرية من لهجته وهو يقول: هذا يستدعي تحركا فوريا من قبلنا، فأيا كان من قرر ضمه للبحث فهو حاد الذكاء، يريد أن يعطي لفريق العمل العلمي ثقلا روحيا بين العراقيين، قد لا تكون فكرته جيدة في بروكسل أو نيويورك، لكن في مجتمع كالعراق تؤمن أغلبيته الشيعية بشرف النسب وعصمة آل "محمد"، فالأمر يختلف تماماً، لن نجد صعوبة في تحديد اسمه والمعلومات الأولية عنه، فليس هناك ألف متخصص مصري في التاريخ ينتسب لمحمد، أليس كذلك؟
- لا يمكنني الجزم بهذا، سمعت يوما أن شهادة النسب كانت تباع بما يعادل خمسين دولارا ذات يوم
- قد تباع الشهادات وتزيف الأنساب في البلاد الغير مهتمة بالنسب كمصر، لكن ليس في العراق، أعتقد أن رئيس الفريق العراقي تحقق من نسبه بالفعل قبل أن يخاطر باستقدامه، فنسب مزيف سيلقي بالظلال على الموضوع ككل، والعكس لو أنه حقيقي، سيضاعف من قيمة الكشف عند العامة والإعلام
- كان هذا كل ما عندي
- ما عندك استحق عناء الطيران من بيروت لهنا في كل الأحوال، هل ستكون في العراق قريبا؟
- الأسبوع المقبل في دبي، سأكون هناك يوم الثلاثاء من الأسبوع التالي
- أراك هناك، سندبر هذا بالطريقة المعتادة
افترق الرجلان فمضى الأمريكي نحو الاتجاه الآخر للشارع واستقل حافلة لفندقه ليحزم حقيبته الصغيرة قبل أن يقلع لبيروت بعد ثلاث ساعات، بينما واصل البلجيكي السير نحو بيته القريب من الميدان، لقد كلفه هذا البيت وسيارته الفارهة ثروة كبيرة ما كانت وظيفته في دبي لتوفرها لولا نشاطه الإضافي الذي يقتضي منه الخروج في نهاية الأسبوع، الحياة كفاح مستمر، هكذا كان يقول دائماً قبل أن يصف نفسه بمواطن بلجيكي مسكين يفني عمره في محاولة مواكبة الأسعار التي جنت مع تفعيل الاتحاد الأوروبي
في القاهرة، وفي وقت متأخر من مساء ذلك اليوم، جلس رجلان في غرفة صالون مبالغ في أثاثها ورياشها، الأول مرتديا حلة رسمية أنيقة ورابطة عنق مناسبة، يوحي مظهره في مجمله بثري يحرص على إظهار ثرائه، حليق الوجه وعلى ملامحه سمت الرياسة والتسود، أما الآخر فيرتدي جلبابا خليجيا من حرير أبيض مع عباءة حريرية سوداء مقصبة الأطراف، وتلمع في يده ساعة ذهبية صارخة البريق، حليق الشارب مطلق اللحية، وعلى وجهه ترتسم تعبيرات التبعية والتزلف وهو ينظر للأول جالسا على طرف مقعده، ومتجها نحوه بكليته بينما يتخذ جذعه وضعا أقرب للانحناء، قال لسيده وهو يصطنع ابتسامة باهتة: بلغ السيل الذبى منه ومن ذلك الصحفي العلماني الذي يساعده، لم يجرأ علينا أحد لهذا الحد أبدا
ابتسم الأول بسمة الواثق الهاديء، وحرك مسبحته الفضية حركة لولبية رتيبة وهو يقول: دعه يكتب، كم فرد سيفهم ما كتب؟ لدينا الأهم، أمثاله لا يفهمون أن المعركة تدور في الأوراق المالية لا في أوراق الكتب! ومن الأفضل لنا أن يبقوا هكذا، على العموم لا تقلق، فأمامه رحلة طويلة في العراق، تابع أنت من يراجعون كتبه ليوصوا للمجلس بالمصادرة، فيعود ليجد القرار نافذا
- وهل سيعود؟ لماذا نرسله للعراق إذن؟
- لا تشطح بخيالك، لا علاقة لنا بسفره، لقد وصلتني المعلومة من صديق في الخارج وحسب
- وكيف نفوت هذه الفرصة، كيف يذهب بقدميه للنار ونتركه يخرج منها سالما؟ في العراق إخوان غيورون على دينهم، وفيهم كل البركة
نظر له الرجل الأول نظرة ثاقبة كمن يحاول أن يرى ماذا بقلبه، حيره اهتمامه بهذا الأمر، لم يكن عادة يهتم بالأمور الثقافية والمناظرات والكتب، فلماذا يلح بشأن "علي" هذا؟ هكذا كانت نفسه تحدثه بينما اعتقد "يزيد" أن صمته يعني مباديء اقتناع فقال وعلى وجهه علامات الحماس والإقبال على أمر هام: لو اتصلنا بأخينا "سعود" في العراق و..
قاطعه الأول وهو ينتصب واقفا من جلسته ايذانا بنهاية الحديث والمقابلة: انس الموضوع، وإياك والتحرك بغير علمي
قالها وهو ينظر نحوه بنظرة تمتزج فيها الحدة بالاستعلاء والتهديد، فأجابه "يزيد" بسرعة وهو يعقد يديه كمن يعتذر عن تطاول أفلت منه: عفوا لو كنت قد أثقلت على سيادتكم، وأنا دوما طوع أمرك وإذنك
- سنرى
قالها الرجل بلهجة سيادية وهو يتجه لباب غرفة الصالون فيفتحه ليخرج الضيف الذي بدت على وجهه علامات الندم على تجاوز حدود تعلمها من طول معاشرته للرجل الكبير، رجل الأعمال البارز وصاحب الحقيبة الوزارية مؤخرا، والذي ينفي عن نفسه ليل نهار أية علاقة تربطه بجماعات الإسلام السياسي، رغم شغله موقعا يقترب من القمة في أهمها، بل لعله يفوق هذه القمة فعليا بما له من مال ونفوذ، فالمال الوافر في بلادنا لا يقهر حين يعرف صاحبه أين يرمي بفتاته

(32)
وكان القمر بدرا

الاثنين، السابع عشر من سبتمبر
توجه العروسان للإسكندرية عبر الطريق الصحراوي بعد تقديم الطلب في سفارة بريطانيا، فوصلا قبل المساء، وقاد "علي" بعروسه حتى شقتها في زيزينيا لتعد بعض أشيائها في حقيبة، واتفقا أن يمر عليها بعد ثلاث ساعات، فقام خلال الساعات الثلاث ببعض المشتروات ليتم اللمسات الأخيرة لمفاجأته التي أعدها، ثم توجه لشقته فارتدى التوكسيدو السوداء التي اشتراها لهذا اليوم من بريطانيا منذ سنوات، عقد البابيون الأنيق وشد الحزام الحريري الأسود حول خاصرته، ثم جال في الشقة ليتأكد من وضع كل شيء في مكانه، ومر على الغرف يعطرها بمعطر الياسمين، ألقى نظرة أخيرة على حامل اللوحات المغطى بملاءة بيضاء في الصالة، ثم خرج، وفي التاسعة مساء كان أمام العمارة الحديثة نسبيا والتي تسكن "ماري" بالدور السادس منها، هاتفها على المحمول فطلبت منه الصعود، وعند باب شقتها لاقته إحدى صديقاتها، لم يرها من قبل، أوروبية شقراء هادئة الملامح، دعته للدخول لانتظار عروسه باسمة، ومرت لحظات كان فيها مستوى الأدرينالين في دمه يكاد أن يرتفع للسماء السابعة، ثم خرجت "ماري" للصالة في فستان زفاف من الحرير الأبيض، آية في بساطته ورقته، مشغول عند الصدر بتطريز خفيف بنفس لونه، متوسط الطول ينتهي فوق الأرض بشبرين تقريبا، ويجسم عودها الفارع برقة وبغير التصاق، وقد جمعت شعرها الحالك اللامع في ضفيرة كبيرة عقدتها مع شريط دانتيل أبيض ومررتها أمام كتفها لترقد على صدرها الريان وتصل لمستوى منتصف ذراعها تقريبا، فوق رأسها وضعت تاجا صغيرا أنيقا يناسب هيئتها الملكية وغطت كتفيها وأعلى ذراعيها بشال أبيض من صوف رقيق له وبرة غنية، مكياجها الخفيف أعطى وجهها شكلا أسطوريا لأن عينيه لم تتعود على رؤية أحمر الشفاه فوق شفتيها ولا رؤية عينيها المرسومتين، تصور للحظة أن هناك هالة من النور تحيطها! هل يمكن أن يكون الحور أكثر جمالا يا معشوقتي؟
هكذا فكر وهو يقف لاستقبال أميرته منبهراً، فسبحت عيناه تحاولان الإلمام بكل التفاصيل، خرجت وراءها صديقة ثانية فلم يتبين ملامحها، رآها كطيف لأن "ماري" كانت تحتل كل قدرته على تمييز المرئيات، إذا .. فهي أيضا أعدت له مفاجأة؟ عندما سألها في القاهرة لو كانت تحب أن يشتري لها فستان زفاف أجابته بأنها لا تحب فساتين الزفاف ولا تنوي أن ترتدي واحداً! كان يحلم بالمشهد الرومانسي وذيل فستانها الأبيض يرقص على قدميه وهو يرتدي التوكسيدو السوداء كما غنت نجاة الصغيرة[1]! لكنه احترم رغبتها ولم يناقشها فيها، فعلت هذا لتفاجأ عينيه بهذا المشهد الأسطوري لثوب لم يره إلا في هذه اللحظة وبهيئة تخالف "ماري" التي زاملها وصادقها ثم عشقها، ما أروع المرأة حين تحب وحين تريد بصدق أن تثير الدهشة في عيني حبيبها؟ دهشة ضرورية للرجل حتى يحيى الحب، لا تقل ضرورة عن فخر المرأة بشيء أو اثنين في حبيبها، كانت تنظر في عينيه مبتسمة، أحبت نظرة الرضا التي يراودها الانبهار في عينيه، فلا توجد امرأة لا يسعدها انبهار رجلها بجمالها، أو بجمال شيء صنعته يداها من أجله، تقدم نحوها مادا ذراعيه أمامه وباسطا كفيه فاستقبلتهما بكفيها، قبل وجنتيها ثم رفع كفيها فلثمهما، سمع صوت تصفيق صديقتيها فانتبه لوجودهما واستدار لهما شاكرا، سألته "ماري" ووجها مشرق بالسعادة لأنها ترى إجابة سؤالها مقدما في عينيه: إذا فجهود الفتاتين قد أثمرت، وتمكنتا من تحويل الباحثة الشمطاء إلى عروس؟
- أسطورية
هكذا همس لها قبل أن يستمر قائلاً: تمكنتا من تحويل العبقرية الفاتنة إلى عروس أسطورية، كدت أقسم أني أرى هالة من نور تحيط بوجهك رائع الجمال
شكر العروسان الصديقتين ثم خرجا، وفي الشارع فتح لها باب سيارته لتجلس، فوجدت دواسة السيارة تحت قدميها مغطاة بأوراق الفل اليانعة! يعرف أنها تحب رائحة وملمس الفل، مالت العروس للأمام فأمسكت قليلا من الفل بقبضة يدها واستنشقت رائحته الطازجة المنعشة، ثم مالت على "علي" الذي احتل كرسي السائق إلى يسارها فمنحته قبلة ممتنة على عنقه، انطلق العاشق الذي انتظر سنينا بالسيارة السوداء يتعجل اللحظات ليصلا للبيت، فحين يقترب الفرج ينفذ صبرنا بعدما انتظرناه مليا وهو بعيد عنا، كان يذوب لهفة ليرى أثر المفاجأة عليها، يتمنى أن تسعدها كما أسعدته، لا يدري كيف مر الطريق، فهو لا يذكر أنه رأى أو سمع شيئا خلال العشرون دقيقة التي استغرقها الطريق من بيتها لبيته
صعدا في المصعد الكهربائي عتيق الطراز، وعند باب الشقة مد يده بالمفتاح وطلب منها أن تتفضل بافتتاح العش المؤقت بعد التعديلات، سألته عما يعنيه بالتعديلات فأجاب بأن عليها أن تفتح لترى، أدارت المفتاح متطلعة وعلى شفتيها بسمة لم تلبث أن اتسعت حين دلفت للصالة، لقد تغير كل شيء تقريبا، أعيد طلاء الجدران بلون أبيض بهيج، ولمع خشب الأبواب والأرضيات بلمعة أنيقة أظهرت جمالها، وتألق في جنبات الصالة آنتريه من الآرابيسك دقيق الصنع، تناثرت حوله طنافس ومساند جلدية فوق كليم من الصوف، كان يعرف أنها تعشق الآرابيسك والديكور الإسلامي، صرخت سرورا بعد أن استوعب عقلها المفاجأة الجميلة وقالت: لكن .. متى .. وكيف وقد كنا سويا طوال الوقت؟
أجابها وهو يحيط كتفها بذراعه: تماما كفستانك يا مولاتي، فالأصدقاء ذخيرة حياتنا، طلبت من صديق مهندس إصلاح ما أفسده الدهر في العش القديم، وطلبت منه الاستعانة بجيش من العمال ليتم العمل في غضون يومين، أما الآنتريه فاشتريته بنفسي ساعة تركتك مع "عزة" في محل المصوغات في خان الخليلي، واخترت معه قطعة ثانية
لاحظت حامل اللوحات المغطى، فأشارت إليه وهي تقول وقد اتخذت خطوة نحوه: تبدو كمفاجأة ثانية؟
تقدم فوقف بجوار الحامل كاشفا الغطاء عن اللوحة، فاتسعت عيناها وغطت فمها بكفيها وهي تنظر لوجهها الذي يحتل منتصف اللوحة، وخلفه ظلام دامس إلا من بدر في السماء، وقد قارب الفنان الذي رسمها بين لون واضاءة وجهها وبين نور البدر لدرجة لا تخطئها العين، كأنه يعكس البدر على وجهها أو العكس، رأت توقيعا أسفل اللوحة باسم "أحمد فتحي"، فأشارت نحو التوقيع، وقبل أن تسأل أجابها: تخيلتها دوما، وتمنيت لو رسمتها بنفسي، لكن قدراتي في الرسم دون هذا بكثير، رسمها صديق فنان بعد عودتنا من بريطانيا منذ سنوات، أعطيته صورتك ووصفت له ما أريد، فرآها العبقري بعين خيالي ورسمها كما تصورتها وحلمت بها، فأودعتها هنا في الإسكندرية لتكون ونيسي في ليالي الوحدة
- لهذه الدرجة يا "علي"؟ كل هذا الحب؟ ما أحمقني!
هكذا علقت وهي تضمه إليها ضمة حميمة، فقال: يبقى جزء أخير من المفاجأة، القطعة المتممة لآنتريه الآرابيسك التي اخترتها معه
قالها وهو يجذبها من يدها نحو الغرفة الداخلية، فتح باب الغرفة ووقف مستندا للباب المفتوح ثم انحنى بحركة مسرحية مشيرا لها بذراعه لتدخل مقلدا الخدم الإنجليزي الأرستقراطي، انبعثت رائحة الياسمين التي استخدمها لتعطير الجو والأثاث منذ ساعتين، كانت غرفة النوم بأكملها من الآرابيسك كذلك، وزادتها ستائرها الحريرية شرقية الطراز روعة بلونها الذهبي الهاديء، وحين خطت العروس خطوتها الأولى، سمعت صوت كصوت أوراق شجر جافة تحتد قدميها، نظرت لترى الأرض كلها مغطاة بأوراق ورود جافة، وحين رفعت عينيها تتأمل الغرفة، فغرت فاها من فرط الدهشة، لم تكن الأرض فقط، بل غطت الورود كل سطح في الغرفة، التسريحة، خزانة الأحذية، الكومود، وعلى الفراش كتبت بأوراق الورود عبارة من كلمتين "الله محبة"
تعلقت بذراعيها في عنقه وقبلت شفتيه قبلة طويلة مفعمة بالإثارة هذه المرة، ثم أفلتت ضاحكة وتقدمت نحو خزانة الملابس وهي تنزع الدبابيس التي تثبت تاجها وتقول: لم تترك لي خيارا، فلتستعد لردي على مفاجأتك بمفاجأة لم تحلم بها يوما
ابتسم لها وهو يلتقط جهاز تحكم صغير من فوق التسريحة ويضغط أحد أزراره، لتنبعث موسيقى سيمفونية "شهرزاد" لكورساكوف، يعرف أنها تحب "شهرزاد" لأنها أول ما دفعها للاهتمام بالشرق في صباها، أطفأ نور الحجرة الرئيسي مكتفيا بالأباجورة الصغيرة بجوار الفراش وضوء القمر المتسلل من النافذة التي تركها مفتوحة ليتسلل منها نهر النور الفضي الساحر، تقدم نحوها وكانت قد تخلصت من حذائها وتاجها وفكت ضفيرتها، ليحيط شعرها الأبنوسي بوجهها العاجي البشرة، رقصا معاً في ضوء القمر .. وكان القمر بدراً