Thursday, July 31, 2008

انهيار برج بابل- 13-14

(13)
البحث عن فلك نوح

الشمس ساطعة في السماء، تلمع صورتها على صفحة الفرات كالذهب، وعلى ضفته تلاحمت بيوت من الآجر، مدينة من مدن العراق التي بنيت بعد الفتح إذا، فقبله كانت المباني الحجرية هي الأكثر شيوعا على ضفاف الفرات، أرى منازلها تنتظم في قطائع متقاربة كأنها تتكئ على بعضها بعضاً .. فكأني بها تصنع في مجملها دائرة! هذه هيئة الكوفة في نهاية القرن السابع للميلاد، الكوفة .. مركز الدعم اللوجيستي لجيش المشرق، لم تكن هذه الأرض مأهولة حتى أراد قائد جيش المشرق "سعد بن أبي وقاص" أن يبني نقطة انطلاق وإمداد لجيوشه المغيرة على المدائن عاصمة الإمبراطورية الساسانية، وتكون كذلك مثابة لهذه الجيوش إذا عادت للكر، حيث كان القادة يفضلون البعد بمعسكراتهم عن المدن المفتوحة حفاظا على انضباط الجنود وحدا من المظالم وانتهاك الحرمات التي قد تحدث عرضا من راغبي الدنيا بين الجند، فعهد "سعد" لسلمان الفارسي باختيار موقعها وبنائها لتكون "كوفة الجند"، أي معسكرهم .. اختار "سلمان" هذه البقعة طيبة الهواء على ضفاف الفرات وخط مدينته، ثم بدأ فبني بها المسجد الجامع وداراً للأمير "سعد"، ثم دورا للجند في قطائع تتحلق حول المسجد، وها هي دار الإمارة هناك، يلتصق بها بيت المال من ناحية، ومن الناحية المقابلة نهدة من الأرض عليها بيت منتظم البنيان هو .. هو بيته .. بيت "علي بن أبي طالب" حين سكن الكوفة، البيت الذي مازال قائما حتى اليوم كواحد من أهم المزارات الشيعية في العراق، ففيه قضى الإمام الثلاثة أيام الأخيرة من حياته جريحا كليم الفؤاد، وفيه غسل جثمانه الطاهر وجهز للدفن، ويح قلبي يا ابن عم رسول الله .. في المدينة المنورة "علي" .. وهنا في العراق "علي" .. فإلى أين ستأخذني في المرة القادمة يا أمير المؤمنين؟
ها هو مسجد الكوفة يبدو صغيرا بسيط البنيان، فنحن في نقطة زمنية بين عامي 630 و650م قبل توسعته، كم شهدت يا مسجد الكوفة من الأحداث؟ وكم عرفت من عظام الرجال؟ ومن صغارهم أيضاً؟ أسير حتى أبلغه فأقف بالباب، فأرى المنبر الذي خطب فوقه أمير المؤمنين يوما، هذا هو الباب الشمالي للمسجد إذن؟ باب الثعبان؟ حيث ادعى البعض أن جنيا دخل منه ليسأل "علياً" في أمر من أمور الفقه، فدخل في هيئة ثعبان حجمه كالفيل![1] كم يعشق المهمشون حشيشة الأحلام التي يلوكونها صباح مساء! الأساطير تسعدهم وتربت على عقولهم النائمة في حنان بالغ، لهذا يحبونها ويرفضون الاستغناء عنها، أما صوت العقل فيطرح إشكاليات تصدع رؤوسهم المصدعة بالفعل من هموم السعي على الرزق، لهذا يرفضونه ويكرهونه .. أهم بخلع حذائي لأدخل المسجد، فأجدني حافياً! فهل هي إشارة لموتي كذلك؟ أخشى أن أنظر لجسدي حتى لا يفاجئني مشهد كفن يلفني! أدخل لأرى في صحن المسجد مصطبة مرتفعة عن الأرض قدر شبر، يصر العوام أنها القاعدة التي بنى عليها النبي "نوح" سفينته، وقد ظنوا هذا لأن الفرات عودهم أن يفيض كل عام بمائه القادم من تركيا، فيغمر بيوتهم وزروعهم، حتى احتاج المسجد لرفع مستواه أكثر من مرة حتى لا يغمره الماء، واليوم تحتاج لأن تنزل بسلم حلزوني من صحن المسجد لتقف على تلك الأرض التي أقف عليها أنا الآن .. الآن .. واليوم .. هل يعرف أحد وهو في حلم أنه كذلك؟ أدركني يا الله، أنا في حلم وأعرف أنه حلم، فلماذا لا أستيقظ؟ هذا الصداع كم أكرهه
أذكر كيف يبدو المسجد من الداخل في عصرنا تماما كأني أراه أمامي، فقد تعددت زياراتي له خلال بحثي في العراق .. ما أصعب العيش في عصرين .. اليوم يظهر في منتصف المسجد سلم حلزوني يهبط لأرضية المسجد القديمة، وعليها المقامات الأصلية، ومصطبة السفينة، ومازالت قصة سفينة "نوح" تلك تردد على آذان أطفال الكوفة حتى اليوم، فيحكى لهم كيف كان فناء بيت "نوح" في موقع المسجد، وكيف بنى فيه الفلك التي حملته وذريته ومن اتبعه على الحق واثنين من كل زوج من الطير والحيوان لبر الأمان
...
يتبدل المشهد .. ويخفت الضوء .. أرى قاعة محاضرات مظلمة وشاشة عرض بلازما عليها صورة للمسجد بسلمه الحلزوني، فهل هو حلم داخل حلم؟ هل يعرف من يحلم أنه يحلم أم أن هذه أعراض الجنون؟ خلف البوديوم الخشبي يقف الدكتور "سلمان العقيبي" أستاذ التاريخ الإسلامي بتلك الجامعة الخليجية الشهيرة، وهابي عتيد، يضايقني الانطباع الذي يتركه عن الأكاديمي المسلم حين نكون بمحفل عالمي، تذكرت الآن .. لقد حضرت هذه المحاضرة منذ سنوات، أذكر تماما أقواله المرسلة عن سفين "نوح" عليه السلام، والتي خلط فيها بين العقيدة الدينية والنص التاريخي والموروث الشعبي، محاولا الخروج بنتيجة محددة سلفاً، وهي انطلاق السفينة من فناء بيت "نوح" في الكوفة لتستقر فوق جبل تندوريك في تركيا، والذي أصر "سلمان" على تسميته بالجودي وفقا للنص القرآني[2]، آخر ما يصلح له هذا الرجل أن يكون مؤرخا معاصرا، فهو يحتذي أسلوب "المقريزي" و"ابن كثير" و"ابن خلكان" في عصر تجاوز هذا كله! وهاك صوته يرتفع وهو يشير لشاشة العرض بيمينه التي يتألق فيها خاتم فضي مطعم بالماس، ويقول: نعم، بحثنا يعيد الثقة لنظرية جبل الجودي المسمى بالتركية تندوريك، فالتكوين هنا ليس تكوينا طبيعيا كما يدعى السادة "دافيد فاسولد" و"آلان كولينز" في تقرير عام 1996م[3]، تقرير تحيطه الشكوك من كل جوانبه، نعم
يكرر "العقيبي" لفظة نعم كثيرا في حديثه، ابتسم وأنا أتصور الإعلانات المدفوعة التي ستنشرها مؤسسات تمويل أبحاث الإعجاز العلمي بصورة مقالات في أعرق الصحف العربية حول الموضوع، وكيف ستجد الجرائد الوهابية من لندن للرياض مادة جذابة في البحث المتهافت، فتنشره تحت مانشيتات من عينة "عالم مسلم يثبت بالأدلة القاطعة صحة الرواية القرآنية لقصة "نوح" عليه السلام وخطأ رواية الكتاب المقدس" بينما الحقيقة كالعادة أنه لا توجد أدلة ولا قرائن ولا يحزنون! .. أرى أحد الحضور يرفع يده ليستأذن في النقاش، بدا لي من هيئته يومها أنه بريطاني، وأكدت هذا لكنته الرصينة المنمقة وهو يتحدث الفصحى بطلاقة نسبية، فقال: عذرا بروفيسور "سلمان" ولكن هل لديك تصور واضح للإطار الزمني للحدث؟ أعني حدث الطوفان؟
أعجبني دوما في الأوروبيين قدرتهم على مناقشة حتى أسخف الأطروحات بجدية، وبغير أن تلح على وجوههم ابتسامة السخرية، ولا أنكر أنها فضيلة أفتقدها في نفسي، فهاأنذا أغالب ابتسامتي بينما يشرع "سلمان" في الإجابة وهو يحرك شماغه[4] الأبيض الأحمر ويعدل من وضعه فوق رأسه باهتمام، ثم يقول: سيدي نحن نتكلم عن عصور سحيقة القدم، نعم، عشرات القرون قبل بداية الكتابة في سومر القديمة أو مصر، في مثل هذه الحالات يستحيل تحديد إطار زمني إلا من الحفريات ذاتها، والتي لم تكتشف بعد!
- هذا يعني أنك تصطاد حيوانا لا تعرفه! لنفرض أنك وجدت مجموعتين من البقايا تصلح لتكون فلك "نوح" المنشود، وفحصتها بالنظائر المشعة فتبين لك أن واحدة ترجع لعام 30 ألف قبل الميلاد والثانية لعام 60 ألف، أيهما سترجح؟
- مركبين على قمة جبل؟ عن جبل نتحدث أم عن قاع الأطلسي؟ سبحان الله!
- ما تسميه اليوم قمة جبل اليوم ربما كان وهدة من الأرض عام 60 ألف قبل الميلاد، بل ربما كان قاع المحيط كما قلت أنت مازحا
يتقدم "سلمان" نحو محدثه البريطاني بضيق واضح في خطوته وتعبيرات وجهه، وإن حاول أن يحتفظ بنبرته هادئة وهو يقول: لماذا كنتم تبحثون إذا عن نفس القطعة فوق جبل آرارات منذ بضع سنين؟
- عفوا؟ من تعني بقولك كنتم؟ لم أبحث عن أي شيء هناك
حتى البريطاني فقد السيطرة على سخريته! كالعادة نتكلم عن الأمريكيين والأوربيين فنضعهم في سلة واحدة نسميها الغرب، ثم نتوهم حربا يتجدد أوارها بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، بينما العالم المسيحي ذاته تخلى عن مسمى كريستيندوم[5] هذا منذ قرون!
يقلب الدكتور "سلمان" يده ناظرا في ساعته وقد حلا له إنهاء اللقاء قبل المزيد مما يعده سفسطة، لكنني حلت لي مداخلة سفسطائية، فطلبت الكلمة وطرحت سؤالي قائلاً: لماذا تفترض أن الجودي في القرآن وآرارات في التوراة مختلفان؟ لماذا لا يكون الجودي بالعربية هو الاسم المعبر عن ذات الجبل المذكور في التوراة السريانية باسم آرارات؟
- الفارق اللفظي أبعد مما يحتمل التصحيف
- لفظة آرارات ليست أبعد عن الجودي من تندوريك، وهو اسم الجبل في كل الخرائط، والذي يعرفه به سكان المنطقة جميعا، لكن الأسماء لا تعني شيئا، وهاك المثال: كانت مصر على عهد قدماء المصريين تسمى "كيمبيت"، أي الأرض السوداء، ثم أطلقوا عليها صفة "ثاميرا" - أي الخصبة - فيقال "كيمبيت ثاميرا"، ثم استخدمت "ثاميرا" وحدها كاسم، ثم استخدم الهكسوس اسم الإقليم الأكبر في الوجه البحري الذي احتلوه وهو "هيكوبتاح" - أي أرض الإله بتاح – كاسم لمصر كلها، فحورت مع الوقت إلى "كوبتا"، فأسماها اليونان حين احتلوها "كوبتاس" بإضافة المقطع اليوناني التقليدي "us" ومنها أصبحت "آيجيبتاس" ثم "إيجيبت" اليوم[6]، فما علاقة هذه الأسماء ببعضها؟ تباعد الأسماء ليس قرينة على اختلاف المسميات؟ وهل كان أحد يسمي الجزيرة العربية قبل الحرب العالمية الثانية والمخطط الإنجليزي الشهير باسم السعودية؟
يجيبني متصنعا الفكاهة بينما يظهر الضيق عليه من حركة ساقه العصبية تحت الثوب الأبيض: متخصص في التاريخ الفرعوني أم الإسلامي دكتور؟ ولكن ماذا عن لفظة مصر؟ نعم .. ما مصدرها؟
- هناك رأيان، الأول أن "مصر" تعني الحضر المتمدن في لغة عرب الشمال، دعوها بهذه الصفة حين صعبت عليهم الأسماء القبطية واليونانية، أما الرأي الثاني فهو للدكتور "عبد الحليم نور الدين"، ويقول بأنها اشتقت من الأصل المصري القديم "مِجِرْ" بمعنى محمية[7]، وكان يطلق على "كيمبيت" فيقال "كمبيت مجر" أي "مصر المحروسة"، تعبير مصري ضارب في القدم مازال مستخدما لليوم، ثم استخدمت "مجر" وحدها، وصحفت إلى مصر مع الفتح العربي
وهنا سألني "سلمان" بشغف من وجد غفلة ينقض منها على فريسته: ولكن القرآن الكريم ذكرها باسم مصر
- القرآن نزل بلسان عربي، وبلسان قريش تحديدا، فسميت باسمها الشائع بينهم، ولو أنزل الله كتابه بالقبطية لسميت فيه "كوبتا" كما أطلق عليها أهلها في الحقبة القبطية
يعود ليسأل مجددا أمله في تفنيد المثل الذي ضربته فيقول: وماذا عن "مصراييم بن نوح"[8]؟
- رواية توراتية بلا أساس تاريخي، رددها رواة مسلمون نقلا عن اليهود، فشاعت في الكتب التراثية
- حسن جدا، لنرجع للموضوع
- ملحوظة أخيرة دكتور "سلمان"، النسخة الآرامية من التوراة سمت الجبل الذي رست عليه السفينة باسم كاردو، أي جبل الأكراد
- نقطة ممتازة
هكذا علق البريطاني الذي بدأ الحوار على ملحوظتي، بينما هز "سلمان" رأسه في عدم اهتمام ثم استدار عائداً نحو البوديوم، فأقوم أنا وأتجه لباب القاعة متحسسا جيوب سترتي بحثا عن سجائري وولاعتي، إلى متى يحاولون إثبات ما لا يحتاج لإثبات؟ إلى متى خلط الأوراق؟ أما اكتفينا من البقاء في موقعنا المفضل في ذيل العالم؟ .. أشعل سيجارتي بعد أن أغلقت باب القاعة خلفي ثم أقطع الممر الطويل الذي يصل باب القاعة بالبهو الخارجي حيث أقداح القهوة الساخنة، ها هي "ريما نمر" أستاذة الدراسات الشرقية في المعهد الألماني بلبنان تدخن سيجارة مع قهوتها، تماما كما رأيتها تقف يومها، يا إلهي ماذا أسمي هذا؟ حلم أم فلاش باك لأحداث حياتي؟ أم لأحداث حياتي الحالية وحيوات سابقة؟ أستغفر الله العظيم، لو استمر بي الحال هكذا فسأنتهي كراهب بوذي في التبت! ما علينا من هذا .. ما زلت حلوة وفياضة برواء الشام التاريخي يا "ريما" كأن الزمن لا يمر ببابك، رقيقة برغم النظارة والبدلة الرسمية ذات اللون الرمادي الوقور؟ أتجه نحوها مبتسما لأحييها: صباح الخير "ريما"
- أسعد الله صباحك، كيف حالك بعدما سمعت بالداخل؟
- مازلت حيا
مدت ذراعها مصافحة وتحدثت بلهجتها اللبنانية التي تختلط فيها عذوبة الجبل بسلاسة البقاع، فقالت: توقعت أن أجدك هنا حين خرجت لأدخن، لم أتوقع أن تحتمل هذا الهراء طويلا
أوميء برأسي موافقا ومبديا امتعاضي وأجيب: عمر البشرية العاقلة على الأرض مائتي ألف عام، و"نوح" كان ثاني الأنبياء بعد آدم بفارق لا يزيد عن عشرة قرون، معنى هذا أنه يبحث عن سفينة بنيت منذ تسع وتسعين ألف سنة! دهر مرعب يكفي لتحويل السفينة إلى رماد تذروه الريح
- المبدأ ذاته ليس مقبولا، توقف العالم منذ مائة عام عن القول بتاريخية التوراة، فمتى نتوقف نحن عن خلط الدين بالتاريخ؟
- العالم لم يتجاوز هذا السخف تماما، في 1993 خرج علينا أحد مهاويس تاريخية الكتاب المقدس بقصة التكوين الجليدي فوق جبل آرارات في تركيا، فأثبت البحث الجاد أنه تكوين طبيعي، وكذلك الحال مع ظاهرة "دوربينار"[9] التي يتكلم عنها "سلمان"، تكونت بعثة وفحصت كل شيء وقررت أنه تكوين طبيعي يشبه قاع سفينة، حتى الأثقال الحجرية التي كانت تستخدم لحفظ اتزان المراكب في البحر الهائج - والتي وجدت غير بعيد من الجبل - أثبتت الدراسات أنها حديثة جدا[10]
- هذا لا يغنينا عن إعادة الكرة، فربما خدعنا الأمريكيون! تعلم أننا فطنون فوق العادة
هكذا قالت "ريما" ضاحكة وهي تطفيء سيجارتها في المنفضة العمودية المثبته على الأرض، قبل أن تستأنف قائلة: متى تتناول غداءك؟
- سأرد على بريدي الإلكتروني أولا، ربما في الثانية عشرة والنصف
- هاتفني بغرفتي لو أردت لنتغدى سويا
- بالطبع، تقبريني "ريما"
...
صوت قوي يلقي السلام، كأنه يلقيه على جمع كبير، وتتغير الصورة أمام عيني قافزة للماضي، فأفقد صورة "ريما" ويظهر أمامي مسجد الكوفة ثانية، أتذكر الصوت الرخيم، إنه صوت "علي"، وها هو فوق المنبر يتكئ على سوره الخشبي بيمناه، زاد الشيب في شعره ولحيته كثيرا، حتى بدا وكأنه في العقد الثامن من العمر وإن كان بعد في أول السابع، يتبدى على محياه كرب شديد، أراه يعقد حاجبيه الكثيفين، ويزفر زفرة تحمل لهيبا من صدره العريض وهو ينظر للجموع أمامه، ثم يبدأ بمأثورات استهلال الخطبة بصوت هادئ، كأنه هدوء يسبق عاصفة، وتبدأ العاصفة بالفعل مع ارتفاع حاد في صوته حين انتهى من الدعاء المأثور فقال: "أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء، ألا وإنني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، سرا وإعلانا، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان .. فيا عجبا! يا عجبا!"
يصمت برهة كمن يكظم غيظه ثم يقول وهو يرمق القوم أمامه بنظرات تلتهب كمداً: "يميت القلب ويجلب الهم اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم .. فقبحا لكم وترحا .. صرتم غرضا يرمى؟ يغار عليكم ولا تغيرون؟ وتُغزَون ولا تَغزُون؟ ويعصى الله وترضون؟ ويعصى الله وترضون؟ ويعصى الله وترضون؟"
قال جملته الأخيرة مجلجلاً، لعلهم يفيقون، أراه الآن يطيل النظر فينا، نعم .. فينا .. فأنا جالس بين أهل الكوفة، أتفرس بوجوه من حولي، فمن هؤلاء من كانوا جنده يوم عسكر قرب الكوفة بعد النهروان، كان عازما أن ييمم صوب الشام للقاء "معاوية"، ليحسم أمر والي الشام المتمرد على الحاكم الشرعي، لكن مطلبا شاع بين الجند بالراحة، فلم يجد بدا من الموافقة وعسكر بهم خارج المدينة، وطلب إليهم ألا يدخلوها فينفرط عقدهم ويغلبهم التراخي، وحدث ما خشي منه، فأقام هناك ليرى جنده ينسلون من معسكره رجلاً فرجلاً حتى لم يبق في معسكره إلا نذر يسير لا يصلح لزحف
يطيل الإمام النظر فينا، ينتظر ليرى وقع كلامه علينا، أو عليهم، فلا يجد غير التواني في وجوههم وهم يشيحون بأعينهم من مواجهة عينيه الثاقبتين، يزم شفتيه في أسى مرير، قبل أن ينطلق صوته هادرا كالرعد يقول: "يا أشباه الرجال ولا رجال! قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحا وشحنتم صدري غيظا وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن "ابن أبى طالب" رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب .. لله أبوهم! وهل أحد منهم أشد لها مراسا وأقدم فيها مقاما مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وهأنذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع .. لا رأي لمن لا يطاع"[11]
كم قرأت هذه الخطبة وأنا أتصورك بموقفك هذا يا أمير المؤمنين؟ موقف الحق المخذول من أشباه الرجال؟ وكم بدنيانا من أشباه وأقزام! ما زالوا كما هم يا أمير المؤمنين، ما زال العرب كما هم، خذلوا كل داعٍ للحق بعد أن خذلوك، وحشدهم للباطل كل أفاق بعد أن حشد "معاوية" من أهل الشام مائة ألف جندي على الدرهم والدينار، على هذا كان دأبهم حتى صاروا قاع العالم ومهزلة التاريخ! نعم سيدي، فأصحاب الرؤوس المنحنية أمامك اليوم هم أنفسهم من قبلوا بصاحب القرد "يزيد بن معاوية" خليفة! وهم من خذلوا الثائر "عبد الله بن الزبير"[12] حتى صرعه "الحجاج بن يوسف" ثم مثل به بعد أن قصف الكعبة بالمنجنيق[13]، هم بذاتهم من تركوا دم المظفر "سيف الدين قطز" يذهب هدراً وأقسموا يمين الولاء لقاتله[14]، ومن ظهورهم خرج "حسن بن مرعي" الذي خان "طومان باي" وسلمه لعدو الوطن تقربا وزلفى![15] ومن أحفادهم انحدر من خذلوا "محمد كريم" في محبس الفرنسيين، بعد أن حكم عليه بفدية قدرها ثلاثين ألف ريال أو الإعدام بالرصاص عقابا على مقاومة المحتل! فوقف الزعيم الذي بذل ماله في المقاومة يهيب بالناس من محبسه، ويقول "اشتروني يا مسلمين .. اشتروني يا مصريين"[16]، ولكن .. لا حياة لمن ينادي، وهم من خانوا بعد هذا فرصة الوحدة العربية الأخيرة في الخمسينات والستينات لضعفهم أمام دولارات البترول[17]، هم من صالحوا اسرائيل ليفرغوا لقصف ليبيا[18]! هم بذاتهم في كل حين وكل قطر، في مصر أو الشام أو العراق أو الجزيرة، أشباه الرجال أمة واحدة، مهما تباينت الأسماء والأزمان والأماكن!
...
والآن، ألا يكفي هذا حلما ليوم واحد؟ أشعر بثقل فوق صدري .. أتمنى لو أفيق من هذا النوم المرهق كالسفر الطويل، لكن المشهد يتبدل لأرى مجلسا لوجوه تعرف بسيماها، هو مجلس لصحابة رسول الله وإن لم أميز شخوصهم، لكنني أحسهم، وأشعر بمجلسهم كأنه يضاء بنور الحقيقة، لا أسمع ما يتناجون به، حتى يدخل عليهم رجل سمين عظيم البطن مائل للطول، وعليه رداء من حرير قرمزي مذهب الأطراف، إنه "معاوية بن أبي سفيان"، نعم ومن غيرك يا "أبا يزيد"؟ من غيرك فض هذه المجالس النورانية للأبد؟ أراه يصافح الجمع الكريم فردا فردا، ثم جلس بينهم، وها هو يميل تجاه أحدهم، فيقول بصوت جهوري قصد به أن يسمع الجميع وإن وجه الخطاب لأحدهم: "يا عمار، إن بالشام مائة ألف فارس يأخذون العطاء مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم، لا يعرفون عليا وقرابته، ولا عمارا وسابقته، ولا الزبير وصحبته، ولا طلحة وهجرته، ولا يتقون سعدا ودعوته، فإياك أن تقعد غدا في فتنة تنجلي فيقال: هذا قاتل عثمان وهذا قاتل علي"
أتهدد بقتل "علي" لو قتل "عثمان"؟ فمالك لا ترسل بعضا من آلافك المائة لتنقذ الخليفة الذي حاصره الثوار وتثبت الأمن في المدينة لو كنت تحرص على دمه؟ أم أن الدرج الذي نويت اعتلاء كرسي الحكم عليه يحتاج لدم الرجل الصالح، الصحابي الكريم الذي حجبتم عنه الناس والحقائق؟ أتراك أردت دمه لتحصل على شرعية بين مرشحي الخلافة؟ شرعية ولي الدم المطالب به؟ .. مائة ألف فارس! مرحى يا أبا يزيد، أسمعتهم رنين الذهب وقرع السياط وملكت جنود المال وعبيد العصا فدانت لك الأرض، ألا رحم الله من لم يتألف بمال ولم يهدد بسطوة .. لماذا؟ لماذا ينتصر الضلال فيك يا دنيا على الحق؟ ولماذا لا يعتدل في أرض العرب أمر إلا لينحرف؟ لماذا كتب على أرباب الحكمة والعدل أن يبذلوا أرواحهم لمجرد إثبات موقف شريف، بينما يرث الدنيا أصحاب العصا والجزرة؟ لماذا لم تستمر دولة الكفاية والعدل التي أسسها رسول الله على التقوى، ولم يقدر لدولة الشيخين "أبي بكر" و"عمر" أن تتوالى حلقاتها الراشدة؟ لماذا قتل "عمر" بعد أربعة ليالٍ من عزمه على رد فضول مال الموسرين إلى الفقراء؟ ولماذا وصلت الخلافة لعلي بعد أن انفرط العقد واحتلت الدنيا قلوب الناس؟ لماذا لم تستمر دولة خامس الراشدين إلا بضع سنوات كحلم جميل تخلل كابوسا أمويا؟ لماذا لم يقدر لثورة "مصدق" في إيران أن تستمر؟ ولثورة "ناصر" في مصر أن تعيش بعده؟ لماذا انتصر الملكيون مع الأمريكان والصهاينة في معركة الستينات وقتل حلم الوحدة العربية؟ لماذا لكل نبي في أرضنا ألف مسيلمة؟ غفرانك اللهم، لا راد لمشيئتك، ولكن النفس على الفرص الضائعة لتدمى، والقلب على كبار الرجال ليبكي أحر البكاء .. القلب .. ما هذا الألم بصدري؟ أطعنة غادرة أم قلب ينفطر؟ آه
...
يفيق من نومه مقطب الجبين عابس الوجه غارقاً في عرقه، ليجد منامته القطنية التي يرتديها بدون أزرار .. لقد مزق أزرار ملابسه وهو نائم! وذراعه الأيسر قد التوى متشنجا بينما كفه اليسرى المضمومة تضغط على صدره بقوة لبرح الألم .. يمد يده إلى زجاجة مياه بجوار فراشه ويرفع رأسه ليجرع منها جرعات قبل أن يصب الماء صباً على رأسه ووجهه وعنقه، ثم يسقط الزجاجة من يده على الأرض، يشعر بنبضه وضربات قلبه كأن شياطينا تطاردها، ماذا؟ أهي أزمة قلبية؟ لقد أصيب والده بجلطة الشريان التاجي وهو في مثل سنه تقريباً .. لا .. بل كان في الخمسين حين حدث هذا، لا يذكر، ويهمس لنفسه قائلا: أهي النهاية يا "علي"؟
فكرة أنها النهاية جعلت نبضه يتسارع أكثر .. لا .. اهدأ .. لا تجعل الخوف يفكر لك .. أنت تحتاج لرعاية طبية عاجلة فقط حتى لا يتطور الأمر وتسوء العاقبة، ولكن .. بمن تتصل الآن؟ هكذا فكر محاولا تهدئة نفسه حتى لا يزيد الجزع حالته سوءاً، يمد يده فيلتقط المحمول ويستدعي قائمة الأسماء، يضغط الحرف (s) ليستعرض الأسماء حتى يصل لاسم "شريف الإمام" ابن عمومته وصديق طفولته السكندري، يضغط الرقم وينتظر ليسمع رسالة محبطة: الرقم الذي طلبته ربما يكون مغلقاً، يحاول ثانية لعل وعسى، ولكن بلا فائدة
"ماري" إذن؟ لكن كم الساعة الآن؟ يمد يده لساعة اليد التي خلعها على الكومود قبل نومه، يلتقطها ثم تسقط منه على الأرض، فيلتف بجزعه ليلتقطها ثانية .. يشتد الألم نتيجة لحركته تلك، لهذه الدرجة؟ مجرد حركة تزيد الألم؟ هكذا فكر وهو ينظر للساعة اليدوية المضيئة فيجدها الحادية عشرة وأربعين دقيقة قبل منتصف الليل، غالبا هي في سابع نومة، هكذا حدثته نفسه، فتمنى ألا تكون معتادة على إسكات أجراس المحمول عند النوم مثلما يفعل هو، يبحث عن الاسم الحبيب ويضغط الرقم، بعد عدة رنات يأتي الصوت العذب كأول الغيث، لابد أنها كانت نائمة: أليس من حقي أن أحلم مثلك؟
خف الألم قليلا وسرت بجسده رجفة انتعاش حين أتاه صوتها، يحاول الرد فيجد صعوبة في أن يخرج صوتا، يحاول ثانية لتخرج الجملة وببدايتها حشرجة لا تخطئها الأذن: لا تفزعي .. أحتاج لزيارة طبيب قلب في منزلي .. فورا
- "علي" ماذا بك؟
هكذا قالت والانفعال يملأ صوتها الذي استيقظ بلمح البصر حين سمعت جملته، أجابها: عرق .. ألم بصدري وصعوبة في التنفس و .. أحتاج طبيبا
- فورا حبيبي، سأرسل إسعافا لمنزلك من مستشفى قريب منك وألحق بها على الفور
برغم الألم ترسم كلمة حبيبي بسمة على شفتيه ويرد: لا أحتاج لإسعاف، فقط طبيب
- فورا.. "علي" .. تماسك أرجوك ولا تتحرك، سأكون عندك ومعي الطبيب فورا، ثم ننتقل لمستشفى لو نصح بهذا
- تمهلي في القيادة .. أرجوك
حين أتاه صوتها عبر المحمول أحس أنها ليست النهاية، فهدأ قليلا، قصتهما لم تنته بعد .. هكذا كان قلبه يحدثه: قصتنا لم تنته بعد، ولا أحسبها ستنتهي في بئر الحرمان هذا ، فلابد لطول الليل من صباح
...


(14)
راعية الفـــؤاد

"علي" جالس في فراشه تحيطه الوسائد وقد بدل البيجاما الممزقة بأخرى، في يده كوب من شراب الكركديه الدافيء، و"ماري" جالسة على حافة الفراش تجفف قطرات العرق على جبينه بمنديل ورقي وتقول: اتصلت بالجامعة وأبلغتهم، وجدت رقم زميلك الدكتور "مراد هاشم" وأمام اسمه الحروف الأولى من اسم الجامعة، عادتك في تسجيل الاسم مع الجهة التابع لها كانت مفيدة، عذراً لانتهاك الخصوصية، لكن كان لابد من ترتيب الموقف
قال وهو ينظر لها بنظرة حملت الشكر والامتنان فضلا عن الحب المعتاد: فعلت عين الصواب
- صحيح، لماذا الحرفين أمام اسمي المسجل في محمولك؟ (ML) .. فكرت كثيرا ولم أفطن لماذا يرمزان؟
- رغم أنها شفرة بسيطة ومباشرة للغاية، (ML ) تعني My Love .. حبيبتي، وهل هناك صفة أهم من تلك؟
ابتسمت ونظرت بعيدا للحظة في خفر لذيذ، قبل أن تنظر نحوه فتحتوي وجهه بنظرة رائعة، جمعت حبا وتقديرا وحنانا، ثم مدت يدها تربت على خده وأعلى عنقه، وأطالت النظر بعينيه، زمت شفتيها لحظة كمن قررت أمراً، قبل أن تهدي بشفتيها قبلة طويلة لخده الأيسر، ثم تعتدل لتقبل طرف سبابتها اليمنى وتضعها على صدره فوق القلب تماما، وتقول: ليسلم قلبك اللؤلؤي الجميل
- لا تخافي .. عمر الشقي بقي
- لكنك لست شقيا، ولهذا يجب أن نخاف ونتصرف بحرص، لنشكر الرب أنها ليست جلطة في شريان تاجي، لكن لا يمكنك الاستمرار في حياة الدخان والقهوة والشاي والتفكير والأحلام حتى تحدث الجلطة، لاحظ أن هناك ضيق في الشريان أدى لقصور طفيف مع الإرهاق، لا يمكن إهمال هذا، لقد أبلغت زميلك أنك في إجازة مرضية لمدة أسبوع ووعدني أن يدبر الأمر، وأنا أيضا انتهزت الفرصة وحصلت على إجازة رعاية طفل .. لأرعاك
- كلمة شكرا تبدو بلا معنى ولا قيمة أمام ما فعلت وتفعلين
قالها وهو يلتقط كفها فيقبلها بإجلال وامتنان، ثم نظر في عينيها لحظة ثم قال: حين سمعت صوتك على الهاتف، شعرت بشريان جديد يفتح بقلبي، بدأت في التعافي فور سماعي لصوتك وتيقني من رؤيتك بعد لحظات، ربما تكون الرغبة في الحياة التي يتحدث عنها الأطباء
ردت ممازحة فقالت: لا، بل صوتي به نيتروجلسرين موسع للشرايين
مدت يدها فتناولت الكوب الفارغ من يده واستأنفت قائلة: لقد ندبت "مادلين" لزيزينيا لتجلب لي بعض أغراضي، فقد قررت القرار المت.. المتطفل التالي (دائما ما تجد صعوبة في تتالي حرفي التاء والطاء في العربية)، توجد غرفة إضافية هنا، وسوف أستعملها لمدة أسبوع حتى تتعافى، والاحتجاج بحديث الرجل والمرأة والشيطان[19] غير مقبول في هذه الظروف
كان وجودها قريبة منه أكثر مما يتمنى، للحظة خطر له أن هذا القرب قد يذيب جليد الوعد الفاصل بينهما، فأجابها: بالعكس، كنت أفكر كيف أبلغ الخبر لعزة حتى تأتي لترعى أخاها طريح الفراش، وكنت قلقا من فكرة إبلاغها بالهاتف، أعرف أنها ضعيفة الأعصاب بلا حدود، تعرفين الظروف التي مرت بها، فشكرا لك يا حلالة العقد
- صحيح .. كيف تفهم حديث خلوة الرجل والمرأة؟
هم أن يجيب وقد أخذه الحماس، فوجدها تضع يدها على فمه وتقول: كم أنا غبية، قال الطبيب أنك يجب أن ترتاح حتى من الكلام لبضعة أيام
- للطبيب أن يقول ما شاء، لا أستطيع الحياة بغير كلام، بغير الحديث سيتوقف قلبي تماما
- اليوم على الأقل؟
- لا بأس، لكن بعد أن أجيب سؤالك، الحديث رواه الإمام "أحمد" و"الحاكم" وصح عندهما بإسناد قوي، ولو نظرنا للموضوع بنظرة عملية بعيدا عن مثاليات المثقفين، لوجدنا الواقع أن اجتماع رجل وامرأة .. بينهما ألفة أو ميل متبادل، يمكن أن يكون .. موحيا بعض الشيء، أليس كذلك؟
قامت "ماري" ممازحة من جانب الفراش لتجلس على الفوتيه المقابل له وهي تضحك وتقول: مادام موحيا فالفوتيه أسلم من طرف الفراش
ضحك لرد فعلها وقال: حتى لو جاء شيطان .. لا يصلح الشيطان ما أفسده الدهر
- الدهر لم يفسد شيئا، لا تتحدث وكأن عمرك مائة عام أيها الأربعيني المتشيخ! نعود للحديث
- هذا هو مضمونه، المقصود بوجود الشيطان هو الجو الموحي في رأيي، وليس معنى هذا حتمية حدوث علاقة لمجرد أنهما انفردا ببعضهما، فكما أن هناك شيطان هناك وازع خلقي وديني وإرادة إنسانية، مع ملاحظة الاختلاف الزمني، ففي الزمن الذي قيل فيه الحديث كانت المرأة عند أغلب الرجال أحادية المضمون والجوهر، ومرتبطة حتميا بالفعل الجنسي، لكن الأمر اليوم يختلف، وهاك الدليل، ها نحن وحدنا نناقش حديثا شريفا
هكذا شرح قبل أن يقف لحظة ثم يواصل مبتسما: لكن هذا لا ينفي أن الشيطان موجود معنا، أراه يحرك ذيله بخبث برغم الضباب في عينين أرهقهما المرض
ضحكت لدعابته، ثم اتخذت ملامحها سمتا جادا وهي تقول: خطير أن نبرر كل شيء بالفارق الزمني، سيأتي يوم ويقول أحدهم: لو أن الدين لم يعد قابلا للتطبيق في زماننا، فلماذا نحتاجه؟ لماذا لا نفكر بعقولنا وحسب؟ التبرير الزمني قد يفرخ فكر الاستغناء عن الدين بالقيم الحضارية والعقلية
- الدين ليس محدودا في الأمور الخلافية، نحن نتكلم في الخلافيات أكثر مما نتناول الأفكار السامية والرؤى الفلسفية الخالدة لأنها لا تحتاج للنقاش وليست محل خلاف، وهذه الأفكار هي صلب الدين، فجوهر العقائد هو تأسيس شخصية إنسانية تفهم هدفها وطريقها في الحياة وتتمسك به
قالت وقد قامت من جلستها لتسدل الأستار على النافذتين المتقابلتين في حجرة نومه: الموضوع يحتاج نقاشا أطول، سأضعه على جدول أعمال أول جلسة على البحر بعد أن تتعافى، أما الآن فتصبح على خير، وأنا أيضا سأخلد للنوم، فنحن لم ننم ليلة أمس تقريبا، سأستعير كتابا من المكتبة في الصالة لأقرأه قبل النوم
- تصرفي كأنك في بيتك، المكتبة كلها لكتب والدي رحمه الله، كتبي آتي بها معي وأعود بها
- أحلام سعيدة
- كفاني من الأحلام وما تجلب الأحلام! تمني لي نوما معتما بغير أحداث ولا أحزان

Saturday, July 19, 2008

انهيار برج بابل- 10-11-12

(10)
حديث السقيفة

أصغت لما رواه عن أحلامه وخواطره حولها، ومضت ساعة في المناقشة خلال تناولهما العشاء من سمك الوقار الذي تحبه وشرائح السبيط المقلي التي يفضلها، وبعد أن رفع النادل أطباق الطعام الفارغة، أخرجت من حقيبة يدها علبة سجائرها الرفيعة بالنعناع فأشعلت واحدة، ثم نظرت له نظرة ثاقبة كنظرتها حين تتحدث في أمر تراه مهما، وقالت: الأحلام تباديل وتوافيق من خبرات الماضي؟ ولا علاقة لها بالمستقبل
- لم أقل أنها رؤى ولا أني ملهم من السماء، أعرف تماما أنها عوادم عقلي الباطن، وكل ما رأيت فيها من مشاهد سبق لي تخيله من دراستي للمكان والزمان والشخصيات التاريخية، لكن كل هذه التخيلات قديمة ومستمرة منذ زمن بعيد، فلماذا بدأت الأحلام الآن؟
- ربما لفرط انشغالك بمواضيع بعينها، لاحظ أنك انتهيت لفورك من كتابك "النهروان أولا"، فلعل تفكيرك فيهم ومعايشتك لهم خلال تأليفه أوحى لك بما تراه
- رأيت الخوارج في حلم واحد فجر أمس، أما محتوى بقية الأحلام فلا يقع في نطاق كتابي، معظمها مرتبط بالفتنة الكبرى وجذورها وتوابعها
- السبب واضح يا صديقي، أنت تقريبا تعيش بعقلك الواعي بين حقبتين تاريخيتين، الأولى هي القرنين السادس والسابع الميلادي في جزيرة العرب، حقبة "محمد" ثم الراشدين ثم الفتنة الكبرى والدولة الأموية وكربلاء، أما الثانية فهي القرن العشرين في الشرق الأوسط، الستينات وزخم ثورة يوليو ثم التراجع الثوري في السبعينات
- طبيعي أن أنشغل بهاتين الفترتين، الأولى بحكم تخصصي الأكاديمي، والثانية لأن واقعنا المعاصر غرس فيها، فالخمسون عاما منذ الحرب العالمية الثانية وحتى التسعينات حددت مصير الشرق الأوسط اليوم وفي المستقبل المنظور
ابتسمت لتبريره وردت قائلة: رأيت أساتذة متخصصين في كل عصور التاريخ، وكل منهم مهتم بتخصصه، لكن حالتك مختلفة، أنت تعيش فعليا في هاتين الفترتين وعقلك سجين فيهما
أومأ برأسه موافقا وهو يقول: ربما كنت على حق
سألته عن حلمه بعلي بن أبي طالب وهو يكتب قبل الفجر، وهل له أساس من دراساته وتصوراته، فأجابها بأن مسحة الحزن على وجهه حين قام للصلاة قريبة من تصوره لحاله بعد وفاة الرسول، والمعروف تاريخيا أن الإمام اعتزل في بيته مدة بعد وفاته[1]، فربما كان المشهد خلال اعتزاله، وهذا يفسر عدم خروجه للصلاة في مسجد الرسول كعادته، سألته قائلة: اعتزل بسبب البيعة وميراث فاطمة الذي منعه عنها الخليفة الأول؟
ضحك وهو ينفذ بعينيه داخل عينيها وقال: لا يا مستشرقتي الباحثة عن الشبهات، ما قلته هو الفكرة الشائعة والتي لا أراها صائبة، فمن يعرف التركيبة الشخصية للإمام "علي" يدرك أن الهرب والاختفاء ليسا من شمائله، ولا يتفقان مع مواقفه التاريخية
هكذا علق "علي" قبل أن يستفيض في شرح واقعة السقيفة وموقف "علي" منها، وكيف رأى أنه الأحق بالخلافة من منطلق أن حجة المهاجرين على الأنصار هي حجته على الجميع، فقد كان مما قاله "أبو بكر" للأنصار فيها: "إن قريشا أحق الناس بهذا الأمر من بعد الرسول لا ينازعهم ذلك إلا ظالم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء"[2] كذلك قال "عمر" لمن اقترح تعيين أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار: "هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمورها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة؟"[3] .. وهكذا جعل الشيخان حجتهما لأولوية المهاجرين أنهم عشيرة الرسول، فكان "علي" يرى أن أقرب قريش للنبي هم بنو "هاشم"، وأقرب الهاشميين له بنو "عبد المطلب"، وأقربهم به صلة وأسبقهم للإسلام وأكثرهم بلاء فيه هو "علي"، ووافقه على هذا "أبو ذر الغفاري" و"سلمان الفارسي" و"المقداد بن عمرو" و"عمار بن ياسر"[4]، لهذا سماهم الشيعة بالأركان الأربعة، ومن وجهة نظر مغايرة، رأى "أبو بكر" و"عمر" أنهما كفوان له في الفضل والسابقة، وهما بعد ذلك أسن منه، لذلك فهما الأولى بالخلافة، وهكذا كان لكل فريق رأي ولكل رأي وجاهته .. سألته "ماري" عن تأخر بيعة "علي" للصديق[5]، فأجابها بأنه تأخر احتراما لمشاعر زوجته "فاطمة"، والتي غضبت من الخليفة بسبب أرض فدك، ودليل ذلك أنه بايع بعد وفاتها حرصا على وحدة الأمة واحتراما لرأي الأغلبية التي بايعت، ثم تكرر الموقف مع استخلاف "أبي بكر" لعمر، فاعترض الإمام على مبدأ الاستخلاف من سابق للاحق لأن رسول الله لم يستخلف، بل ترك الأمر شورى بين الناس، لكنه لم يعترض على شخص الفاروق بالطبع، ولم يصل الخلاف لحد التنافر والتخاصم، بل كان الإمام للفاروق خير ناصح أمين، ولم يغمطه الفاروق فضله، فولاه القضاء وردد ما يفيد بفضله أكثر من مرة على رؤوس الأشهاد .. هزت "ماري" رأسها موافقة ثم سألته عن النظرية المتواترة في بعض كتب التاريخ، والتي تدعي أن عليا اعتزل الناس غضبا من بيعة "أبي بكر"، فأجابها: هناك واقعة رواها المؤرخون[6]، وفحواها أن "أبا بكر" ندب "عمر بن الخطاب" لتفقد الغائبين عن بيعته وأولهم "علي"، فتوجه "عمر" لبيت الإمام والزهراء في جمع من الصحابة، وخير "عليا" بين الدخول فيما دخل فيه الناس أو حرق بيته بمن فيه! لكني أراها مقولة لم تختبر، فالزهراء كانت في هذا البيت الذي تدعي الرواية أنه هدد بحرقه، وحرق بيت فيه "فاطمة" عشية موت أبيها كفيل بإثارة فتنة تنهدم لها أركان الدولة، فلا أحسب الفاروق يفكر في أمر كهذا فضلا عن التهديد به، كما أرى العلاقة الوطيدة بين "عمر" و"علي" بعد ذلك لا تتفق مع هذا الخبر، وحسبنا رثاء "علي" لعمر بعبارة جامعة مانعة، تدل على فرط التقدير والمودة، قال فيها: "لله بلاء عمر، فقد قوَّم الأود وداوى العمد، وأقام السنة وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه، ثم رحل وتركهم في طرق متشعبة، لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقنُ المهتدي[7]"
- وعلى هذا فأنت ترى رواية التحريق مكذوبة؟
- مبالغ فيها، ربما زار "عمر" "عليا" في بيته واشتد عليه في اللوم لتأخر بيعته لأبي بكر حرصا على وحدة الأمة، أما الباقي فمبالغات تهدف لتشويه صورة الفاروق، لكنها في الواقع تشوه "عمرا" و"عليا" معا، ففارس عدنان لن يهدد بحرق بيته فيكون مستسلما على الصورة التي روتها الأخبار!
- وماذا عن أرض فدك؟ إرث الزهراء؟
- أوقف الرسول ريع الأرض على "فاطمة" في حياته، فاعتبرتها هبة لا ينطبق عليها حديث ميراث الأنبياء[8]، لكن الصديق رأى أن الانتفاع لا يعني هبة أو انتقال ملكية، فاعتقد بوجوب ردها لبيت المال، وردها بالفعل، فبقيت تابعة لبيت المال حتى أعادها "عمر بن عبد العزيز" لأحفاد الزهراء، لأنه رآها هبة لا إرثا، فرأي "أبي بكر" كانت له وجاهته بتكييف الأرض كحق انتفاع، ورأي "فاطمة" وخامس الراشدين كذلك له وجاهة بتكييفها كهبة، وفي كل الأحوال لن يؤثر الحرمان من مال قل أو كثر في "علي" لدرجة اعتزال الناس، فهو نفسه حين صار الخليفة لم يسترد تلك الأرض، بل أوقف أرضا وآبارا له في خيبر على الصدقات، من يفعل هذا لا يعتزل لخلاف على مال أو صراع على سلطة
- فلماذا اعتزل؟
تروى "علي" في الإجابة مجمعا أفكاره، ثم تحدث ففند أولا بعض الروايات التي ترد في تبرير عزلة الإمام، فأما الرأي القائل بأنه جمع القرآن فاستبعده، لأنه لا يبرر تعجل "علي" في العزلة بعد وفاة النبي، فالقرآن محفوظ في الصدور ولا يخشى عليه الضياع، أما الروايات التي رددتها بعض المراجع ومنها أن "جبريل" كان يواسي السيدة "فاطمة" أربعين ليلة بعد وفاة النبي، ويقص عليها ما سيحدث في مستقبل الأيام ليوم القيامة، وأن "عليا" كان يسجل كلامه فيما عرف بمصحف "فاطمة"[9] فمرفوضة شكلا وموضوعا، فلا وحي من خلال الروح الأمين لغير الأنبياء، والله لم يفتح باب الغيب لأنبيائه فضلا عن خلصائه! ومثل هذا يقال لمن روى عن تأليفه كتابين هما الجفر الأكبر والأصغر، وضع فيهما علم الحروف الذي يعرف منه الغيب[10]، فكل هذا غير مقبول، لأن أمير المؤمنين لا كان منجما ولا كاهنا، والله لم يعط مفاتيح غيبه لبشر، حتى الرسول أمره القرآن بإعلان حجب الغيب عنه في الآية الكريمة: "قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"
نظرت إليه نظرة لمعت بها عيناها وهي تقول: فماذا يرى إمام القرن الحادي والعشرين؟
ضحك لوصفها له بإمام القرن، ثم أجاب وهو يشعل سيجارة مع كوب الشاي الساخن الذي يحب أن يعقب به طعامه، فأوضح أن لديه تصورات لكنها تبقى بغير دليل ولا قرينة تؤيدها، فربما وضع الإمام كتابا في المحكم والمتشابه وناسخ القرآن ومنسوخه، فهذا هو العلم الذي وصفه "ابن عباس" بالحكمة وقال بأن ذخائره عند آل البيت[11]، وربما وضع مصنفا جمع فيه أهم الأحاديث الحاكمة للتشريع كما سمعها من الرسول، لأنه خاف أن ينساها أو تفقد بموته، لكن أي من هذين الاحتمالين يحتاج انجازه بقلم بوص ومحبرة وقتا أطول بكثير من فترة العزلة على أقصى تقدير لها، فلا يبقى غير احتمال ثالث، فلعله كتب صحيفة حول استنباط الأحكام والفقه الديني كما فهمه من الرسول، منهج وأسلوب لا تفاصيل، فهذه الصحيفة لو وجدت لفصلت في الخلاف الأبدي بين أهل الرأي ممن يحتكمون للعقل بعد الكتاب والمتواتر من السنة، وبين أهل الحديث ممن يرجحون كفة النقل ولو على حساب العقل، فأنا أتصور أن تحليل الإمام "علي" لحدث كسقيفة بني ساعدة[12] التي اعتزل بعدها، دفعه لإنجاز مؤلف كهذا بناء على ما خرج به من استنتاجات
توقف عن الحديث لحظيا بعد جملته الأخيرة ورشف رشفات متتالية من كوب الشاي ليزيد من حماس المستمعة الوحيدة التي لا تمل نظرياته، فطنت "ماري" لتوقفه فضمت الجاكت الخفيف على صدرها مع هبة هواء باردة أتت من ناحية البحر وقالت مغازلة لغرور محاضرها: أي استنتاجات يا واكلاً عقلي؟
احتواها بنظرة شاكرة لغزلها الرقيق الذي يشعره أنه مازال حيا، ثم أجاب: التغير اللحظي بعد وفاة الرسول، تغير دفع المهاجرين والأنصار للاجتماع في السقيفة لمناقشة انتقال السلطة بينما الرسول في الغسل ومعه "علي" و"العباس"، كذلك لفت نظره تنازع الأنصار والمهاجرين على السلطة، وكل فريق يسوق من القرآن والسنة دليلا على ما يراه حقا له[13]، ففطن لأن الثورة الروحية قد انتهت بوفاة الرسول، وأن الطبيعة البشرية في نفوس الناس ستكون أقوى كثيرا بغياب الكابح النبوي، فجنود الحق والحقيقة في حياة "محمد" لن يبقوا جميعا على حالهم بعده، فمنهم من سيعتصم بحبل الله، ومنهم من سيغلبه ضعفه الإنساني وهوى نفسه، ومن سيضله رأيه، وهو ما حدث بالفعل بمرور الزمن، فطن الإمام من كل هذا لأن النقل وحده لا يكفي، ولابد من حكم عدل دائم حتى يوضع النقل في موضعه، هذا الحكم الدائم لا يكون إلا منهجا للتعامل مع النصوص، منهج استنباط إذا جاز التعبير، لأن نصوص الكتاب والسنة التي هدت الناس للحق، ربما توضع في غير موضعها فتضلهم، وتكون قول حق يراد به باطل كما كان الإمام يردد
أطرقت "ماري" لحظة قبل أن تقول: في البداية كنت أحب شخصية الإمام كانعكاس ل... لتقديري لك، لكن مع كثرة مطالعتي لسيرته أشعر بالوضع ينقلب، فأقدرك إجلالا لمثلك الأعلى الرائع المتمثل فيه، فالإمام شخصية أسطورية، وتقديره لم يقتصر على المسلمين، فقد افتتن "جورج جرداق" شاعر لبنان الرقيق به، وكتابه عنه[14] من أروع ما كتب في ترجمة "علي" على الإطلاق، وحتى المجتمع الدولي، فقد وقع "كوفي أنان" في هوي عبارته الحكيمة "يا مالك إن الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، وتمنى لو استطاع أن يعلقها في كل المحافل الدولية لتغنيها شعوب العالم، وباقتراح منه وافقت الأمم المتحدة على اعتبار رسالة "علي" هذه لواليه على مصر أحد مصادر التشريع الدولي[15]
كان "علي" ينظر لها بشرود، فقد شرد عقله من العام إلى الخاص، لهذه الدرجة يا "ماري" لم تعودي قادرة على قولها؟ على النطق بكلمة حب؟ فتصبح علاقتك بي مجرد تقدير؟ هكذا كان يفكر حين لوحت بيدها أمام عينيه وقالت: أوعيت لما قلته بخصوص رسالة الإمام لمالك الأشتر؟
تنبه وندت من فمه آهة شجن حملت حسرة على العمر الذي يضيع وأخرى على "الأشتر"، فأجابها: لك الله يا مصر .. أفضل حاكم مسلم تولى عليها لم يكد يدخلها حتى اغتيل فيها، كأن قدرها ألا يعمر فيها على المزاود إلا شر البقر! هل قرأت قصة "مالك" وولايته على مصر؟
- أعرف إنه مات مسموما على مشارفها
- نعم، لكن للموضوع أبعادا أعمق ترتبط بتاريخ مصر مع الولاة العرب بوجه عام
نظرت له وهي تضع سيجارة أخرى من سجائرها الرفيعة بين شفتيها المكتنزتين، ثم قالت: كل شيء عندك أعمق وأكثر دلالة
قام وهو يطفئ عقب سيجارته في منفضة السجائر المكتنزة بالرمال أمامه، ثم مد يده نحوها يدعوها للمشي وهو يرد قائلا: العمق موجود في كل شيء حولنا، والدلالات تنمو بوفرة .. "وفي كل شيء يلوح الهوى .. ولكن لمن ذاق طعم الهوى"[16]
- "علي الإمام" لا يغير عاداته، تمشية قصيرة على البحر بعد العشاء، وبعد كيلومتر واحد يتعب ويرجع ليشرب قهوته
ابتسم وهو يخلع سترته من القطيفة بنية اللون، ويتجه نحوها ليحيط بها كتفيها، ويقول: ربما لم نتزوج لأننا نفهم بعضنا أكثر مما يجب، ضمي السترة على صدرك، فالجو أبرد مما تحتمله سترتك الخريفية
- ولو كانت سترتي ثقيلة لأعرتني سترتك أيضا، أظن أن إعارة سترتك لفتاة أمر يرضيك بحد ذاته، ربما عقدة قديمة؟
رد ضاحكا على ملاحظتها الذكية: ربما .. فقد كان مشهدا مألوفا في كلاسيكيات السينما المصرية - تماما كمشهد فتح الشامبانيا ليلة الدخلة - عندما كان "عماد حمدي" و"رشدي أباظة" هم الفتيان الأوائل، قبل أن تحل بالسينما المصرية أزمة شفرات الحلاقة والصابون التي فرخت نجوم اليوم، لن أتعجب لو رأيت فتاة تعير أحدهم سترتها في فيلم حديث، فأكثرهم يعانون من الهزال
قامت وهي تلف نفسها بالجاكت الثقيل وتخرج شعرها من تحته لتنثره على كتفيها كحرير أسود، نظرت لعلي ممتنة وقشعريرة الدفء تسري بجسدها، ومع ذلك لم يمنعها الامتنان من التعليق بعناد مرح: وهل بالضرورة أن تكون المرأة هي الضعيفة التي يحميها السيد القوي من البرد؟
- لا .. ليس بالضرورة، أعطني سترتي ودعي الفيمينيزم يحميك من البرد
قالها وهو يحرك يديه على ياقة الجاكت كأنه يهم بنزعه عنها، فضحكا سويا ضحكة صبيانية أنستهما سنين العمر، ثم اعتدلا متجهين نحو شاطئ البحر الهادئ، واستأنف "علي" يقول: لماذا لا يكون لكل من الرجل والفتاة دور مختلف؟ المشاركة تبادلية بطبيعتها والتطابق افلاس، فعلى مستوى المجتمع لا يمكن أن أدرس اليوم في الجامعة وأخبز غدا في فرن وبعد غد أجري جراحة لمريض! ولهذا ظهر مفهوم العقد الاجتماعي[17]، بين الرجل والمرأة كذلك لابد من عقد اجتماعي يوزع الأدوار، هو أقوى جسديا فيحتمل عنها برد الشتاء، وهي أقوى روحيا ويمكنها أن تشيع الدفء فيه قلبا وقالبا بنظرة من عينيها، المساواة في القيمة، أما تطابق الملكات فهو الإفلاس بعينه
- دعنا من هذا الموضوع الذي لن نتفق فيه أبدا ولنرجع لمصر وولاتها
...

(11)
أهل مصر في خِــرْبِتََّّا

تهادى الصديقان على الشاطيء الذي قل رواده بحلول الليل، فسار "علي" واضعا كفيه في جيوب الجينز الأزرق، وبجواره سارت "ماري" عاقدة ذراعيها لتتقي هبات من رياح البحر شابتها برودة منعشة حين تداعب وجها، ثم تزداد قوتها أحيانا فتحمل شعرها الناعم المقصوص بأناقة في كل اتجاه، وبعد خطوات صامتة قليلة قالت وهي تلتفت له بنظرة تسبح في الذكريات: أتدري متى أعجبت بك للمرة الأولى؟ كان لقاؤنا الثاني في كافيتيريا الجامعة،لم أصرح لك بهذا حينها، كانت صورة العربي الذي تراوده الخيالات الجنسية المريضة مع أول كلمة إعجاب لا تزال عالقة بذهني
ابتسم "علي" وهو ينظر في الفراغ مستدعيا مشهد ذلك اليوم وقال: كنت ترتدين بنطالا رياضيا أسود اللون، وقميصا برتقاليا، وترفعين شعرك بعقصة ذيل الحصان
نظرت له نظرة جانبية ذات معانِ تراوحت بين التمني والحسرة، راقها كثيراً أنه يذكر تلك التفاصيل عنها، لا توجد امرأة لا تحب هذا! نظرت أمامها وهي تبلل شفتها السفلى التي جففها رذاذ البحر المالح وقالت: كان الأمر مرتبطا بفتح مصر لهذا تذكرته الساعة، يومها سألتك عن رأيك في الحملة العربية على مصر، أهي فتح أم غزو أم احتلال؟ فأجبت بأنها الثلاثة معا، فتح في نظر العرب المسلمين، لأن تبعية مصر لدولتهم كانت نقلة نوعية، وغزو في نظر الرومان الذين رأوها غزوا بربريا من بدو الصحراء ينتقص أطراف الإمبراطورية المقدسة[18]، واحتلال في نظر الأقباط اللذين انتقلت بلادهم من محتل لمحتل، يومها شعرت بأنك باحث حقيقي، ففكرتي عن الباحثين المسلمين من العرب والباكستان تحديدا أنهم يدرسون التاريخ لخدمة مضمون محدد سلفا، يريدون التدليل عليه ولو بلي عنق الحقيقة
أشعل سيجارته بصعوبة بسبب الريح ثم قال: يخدمون صورة الدولة الإسلامية التقليدية، والتي يريدون تصويرها كدولة ملائكية لترغيب الناس في دولة يقودها دعاة الإسلام السياسي، والحقيقة أن عظمة الإسلام تكمن في رؤيته العملية للإنسان وحضارته، وعظمة رسول الإسلام كانت كامنة في بشريته بغير قداسة
أطرق لحظة قبل أن يكمل معلقا وهو يلتفت إليها بنظرة ذات دلالة: أيام الدراسة في يوركشاير كانت أجمل سنين العمر .. حتى الآن على الأقل
هربت من تلميحه لتعود لنقطة الحوار: كنت تريد أن تقول شيئا يتعلق بفتح مصر واغتيال "مالك"، احكِ يا "شهريار"
- في زمن حقوق المرأة "شهريار" يحكي و"شهرزاد" تقطع رقبته لو ملت من قصته؟
- بالضبط
هكذا ردت باسمة فأجابها ضاحكا ضحكة قصيرة: اللهم سلم، بلغني أيتها الملكة السعيدة أن "عمرا بن العاص" حين فتح مصر وعين واليا عليها في خلافة "عمر" كان حاكما ذكيا، فخلق حالة من التوازن والهدوء النسبي فيها، قطعا لم يكن العرب والقبط سمنا على عسل كما تصورهم كتب التراث الإسلامي، لكن الفتح كذلك لم يكن شديد البطش والدموية كما صوره التراث القبطي، كانت هناك مقاومة مصرية في بارمون[19] وبهنسا والفيوم وإتريب ومنوف وسمنود ونقيوس[20]، وطبيعي أن "عمرا" واجه المقاومة بالقمع كأي فاتح[21]، لكنه حاول من جهة أخرى استرضاء الأقباط، ومن ذلك أمره بتجديد قبر "مرقص" الرسول[22]، وتجديد مقياس النيل لتحديد الضرائب، لهذا كانت الأوضاع محتملة بوجه عام، لكن دوام الحال من المحال
هكذا قال مبديا حسرته على عدم دوام الهدوء النسبي بحصافة "عمرو بن العاص"، ثم حكى لها عن مصر ومن تعاقب عليها من الولاة، حيث بدأ التغيير في أواخر عهد "عمر بن الخطاب"، إذ قدر الخليفة أن خراج مصر أقل مما يجب، فولى "عبد الله بن أبي سرح" على خراج مصر الوسطى والعليا، ثم اغتيل "عمر" وتولى "عثمان" الخلافة، فطلب منه "عمرو" عزل "عبد الله" عن الصعيد، لأن إرهاقه للمصريين جباية وقسوة قد يؤدي لثورتهم، لكن الخليفة - والذي كان "عبد الله" أخوه في الرضاع[23] - ولاه جباية الأموال وقيادة الجيش في مصر كلها بدلا من عزله، واقتصر دور "عمرو" على إمامة الصلاة، ثم عزله الخليفة منها تماما[24]! فذاقت مصر ويلات "ابن أبي سرح" من جباية متعسفة[25] وإهانات لا تنقطع[26]، فضلا عن انشغاله بفتوح شمال أفريقيا التي وهبه الخليفة كل أسلابها طعمة له لو فتحها، فانشغل بذلك وأهمل ولايته، وحين اشتكى وفد مصر للخليفة في موسم الحج، عاقبهم "ابن أبي سرح" بتعليقهم على المقرعة حين عادوا، وضربهم حتى الموت[27]!
هنا سألته "ماري": هو ذاته من كان كاتبا للوحي وارتد[28] فيم أذكر؟
- كان طابورا خامسا لقريش في تقديري، أسلم وطلب الانضمام لكتاب الوحي، ولبث برهة ثم فر إلى مكة، وهناك ادعى أنه شارك الرسول في صياغة بعض الآيات مشككا في إلهية القرآن[29]
- أنت تراه طابورا خامسا لأنك مسلم، أما أنا فلا أستطيع أن أنفي احتمال صدقه في دعواه تلك!
لم تكن أول مرة يتعامل فيها مع المنطق المادي الجدلي، فرد بهدوء: لنفترض جدلا أني لست مسلما ونتعامل مع الرواية منطقيا، هل من المعقول أن يشرك صاحب دعوة كائنا من كان في صياغة آيات يفترض إنها منزلة من الله؟
- نقطة جيدة، على كل حال من الغريب أن يصبح "ابن أبي سرح" واليا بعد موقف كهذا، خاصة أن استمراره على وجه الأرض بعد فتح مكة كان بشفاعة "عثمان"[30]، ليعفو عنه "محمد"، والذي كان قد أمر بقتله ولو تعلق بأستار الكعبة[31]
أومأ مصدقا على ذلك، ثم قص عليها كيف أدت قسوة "ابن أبي سرح" في الجباية لسخط أقباط الإسكندرية، فراسلوا قيصر بيزنطة يستنجدونه باسم المسيح، ويتعهدون بمساعدة قواته لو غزا الإسكندرية عن طريق البحر، وقد كان، فأرسل قيصر لهم جيشا بقيادة "إيمانويل" الخصي، فاحتل الإسكندرية بمساعدتهم، وبلغ الأمر الخليفة "عثمان" فجرد جيشا بقيادة "عمرو بن العاص" لمواجهة التحرك العسكري البيزنطي، فطرد "عمرو" الروم وزاد الجباية على المصريين في الثغر تأديبا لهم[32]، ومع ذلك استمر "ابن أبي سرح" واليا بعد هذه الأزمة
وهكذا بدأ النقاش يأخذهما كالعادة باتجاه الفتنة الكبرى، وكيف كتب الخليفة أمراً بعزل "ابن أبي سرح" وولى "محمد بن أبي بكر" مكانه، فحالت دون ذلك خدعة "مروان" الشهيرة[33]، ورجع الثوار للمدينة فاشتركوا في حصار الخليفة، وتمرد "محمد بن أبي حذيفة" في مصر مستغلا ظرف الثورة، فأخذ البيعة لنفسه، فواجهه أهل خربتا[34] الموالون لمعاوية وعزلوه ثم قتلوه، حتى تولى الخلافة "علي بن أبي طالب" فأرسل "قيس بن سعد بن عبادة"[35] واليا عليها من قبله، وكان واليا فذا، وصفه "علي" لصديقته فقال: جمع "قيس" بين صفات الأمانة والقوة على الحكم، ولم يكن في رأي أهل زمانه يفتقد أيا من مقومات الإمارة غير اللحية، فقد كان أمرداً
- مشكلة كبيرة حقا!
علقت "ماري" ممازحة، فأجاب: اللحية عند العرب كانت ضرورة من ضرورات الوجاهة والمهابة، فكان قوم "قيس" من الأنصار يقولون: لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا[36]
استأنف يحكي كيف استقرت مصر تحت حكم "قيس"، بعد أن صالح أهل خربتا الموالين لمعاوية على أن يعطيهم نصيبهم من الفيء مقابل ألا يخرجوا عليه، فالتزموا بذلك، لولا أن "معاوية" كاد له، فدبر حيلة لإيهام "علي" بأن ولاء "قيس" للأمويين، وأنه لهذا يحمي أهل خربتا الموالين لمعاوية[37]، وقص عليها كيف أثمرت المكيدة، فأمر الخليفة "قيسا" بحرب أهل خربتا فامتنع عن تنفيذ أمره، هنا علقت فقالت: كان يرى أن فيها أعيان أهل مصر فرفض أن يحاربهم، أظنني قرأت هذا في مخطوطة منسوخة من رسالة "قيس" للخليفة
أومأ برأسه موافقا وهو يبتسم لمفارقة تاريخية وقال: لكن أهل مصر هؤلاء ليسوا مصريين
أجابت متعجبة وقد رفعت حاجبيها برقتهما الطبيعية الغير مزججة، وهي تبحث عن مكمن خدعة في كلام "علي" الذي ظنته يمزح: أهم إنجليز؟ لا أستبعد هذا، فعهدي بكم هو اتهامنا بأننا سبب كل مشاكلكم
أجابها ممازحا: لأنكم كذلك فعلا يا عزيزتي، لكن هذه لا ذنب لكم فيها، فنحن نتحدث عن زمن كانت فيه قبائل الجرمان تحط رحالها بالكاد في الجزر البريطانية
قالها وهو يكشر أنفه في حركة طفولية فابتسمت، واستأنف قائلا: من تعبر عنهم كتب التراث الإسلامي والمخطوطات بكلمة أهل الأمصار عموما، أي أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة إلى آخره، هم قبائل وأفراد عرب استوطنوا هذه الأقاليم بعد الفتح، ومن قصدهم "قيس بن سعد" تحديدا بوجوه أهل مصر كانوا قبائلا يمنية في مجملها، مع بعض أفراد من قريش وغفار وثقيف وعبس ممن سكن إقليم البحيرة، والذي يتميز حتى اليوم بأصوله السكانية العربية، وخربتا كانت عاصمة لإقليم البحيرة في ذلك الزمان
أمسكت رأسها بكفيها وهي تقول: عجيب هو استخدامكم للمفردات! مرونة بلا نهاية
- المرونة موجودة في كل اللغات الآرامية، فالمجاز فيها يفتح أبوابا لا نهائية لتوالد المفردات والمعاني
- ليس لدرجة العربية، حتى الأب المباشر للعربية وهي النبطية ليست كذلك، عفوا لخروجي عن الموضوع
- لا بأس، نعود للموضوع ونعود لربوتنا لأننا ابتعدنا بما يكفي
استدارا عائدين للمقهى الذي بدا ضوؤه بعيدا بينما "علي" يستأنف حديثه، مبينا كيف عزل "علي" واليه "قيس" عظيم الكفاءة والأمانة بسبب مكيدة "معاوية"، وولى عليها بدلا منه أفضل قادته، وهو "مالك الأشتر"، فأفزع هذا الخبر كلا من "معاوية" و"عمرو"، فدبرا لاغتيال "مالك" بالتعاون مع أحد صنائعهما في مصر، والذي اعترض "مالك" وهو في طريقه للفسطاط، ودعاه لتناول شربة من عسل، دس له فيها السم، فمات "مالك" غيلة، ودفن في المرج، ومازال قبره هناك وقد كتب على شاهده بيتا من الشعر يقول "تلك آثارنا تدل علينا .. فانظروا بعدنا إلى الآثار"[38]
علقت "ماري" قائلة: نويت زيارة ضريحه أكثر من مرة، وكذلك ضريح "عقبة بن عامر" لكني لم أفعل للآن
- حين تأتين للقاهرة في المرة القادمة نزورهما سويا، ولو كان لديك وقتا كافيا يمكننا زيارة قبر "محمد بن أبي بكر" في ميت دمسيس بالمنصورة، فحكايته هو الآخر كحكايات أبطال اليونان، تراجيديا كاملة الأركان
حكى لها عن "محمد بن أبي بكر"، وكيف كان تقيا وصاحب مروءة لكنه لم يكن رجل دولة، وقد ولاه "عليا" على مصر بعد اغتيال "مالك" فثار عليه أهل خربتا ومهدوا الطريق لجيش الشام ليغزو مصر وعلى رأسه "عمرو بن العاص"، فاستولى الأمويون على مصر، وقبضوا على واليها "ابن أبي بكر" فقتلوه ومثلوا به مثلة فظيعة[39]، إذ شقوا بطن حمار ميت وأفرغوها من الأحشاء، ثم وضعوا جثمان "ابن أبي بكر" في جوف الحمار وأحرقوا الجثتين معا! تنهد وهو يعلق على حكايته: ومن حينها صارت مصر درة التاج الأموي، فجرى عليها ما جرى على كل الأمصار، أجهض الأمويون التجربة الاقتصادية الإسلامية القائمة على الكفاية والعدل، وقاموا بثورة مضادة لثورة الإسلام الاجتماعية فكونوا مجتمعا طبقيا عنصريا، عومل فيه غير العربي كمواطن من الدرجة الثالثة في وطنه
التفت "علي" نحوها فراعته دموع في عينيها، توقف عن السير وأوقفها ليسألها، فأجابته: أتمنى أن تثق بحقيقة واحدة، وأن تحسها كما أحسها بداخلي تماما، تمنيت كثيرا لو لم أعدها بهذا الوعد السخيف وهي على فراش موتها
اختلج جفناه برعشة لا إرادية وهو ينظر لها فتكاد روحه تنبعث شعاعا لترسو على وجنتيها، قالت وهي تمد يدها لتمس كتفه: كم هو جميل أن أكون بجوار إنسان يؤمن بشيء ويعيش من أجله، أنا لا أصغي إليك وأنت تحدثني عن التاريخ لفضول مهني أو ثقافي، ولكن لسبب عاطفي، إيمانك بقضاياك وآرائك يخلق حولك تيارا رائعا من الحماس في زمن بلا حماس، فأشعر وكأني أمام أحد عظماء التاريخ، "جان بول مارا" .. "كرومويل" .. "جيفارا"، لهذا تمنيت أن أبقى بجوارك طول الوقت
رد وهو يجد صعوبة في خروج الكلمات من حلق قبضه التأثر وإن اصطنع الابتسام: ليتني يوم في عمر واحد منهم يا صديقتي، هؤلاء رجال صنعوا التاريخ، أما أنا فأدرسه وأحكيه فقط
- بل تحييه ثانية لترشف من عبره يا صديقي
أكملا طريق العودة نحو الربوة صامتين، كان يحاول أن يستوعب الكلمات التي قالتها منذ لحظات، كلمات حانية وإن أثقلتها الحسرة على عذابهما معا، كان يواسي نفسه مسترجعا قول القائل "ليس مهما أن تحب، المهم هو أن يحبك من تحب" .. وهو يحبها ويعلم أنها تحبه، فلتذهب الدنيا بعد هذا بنا حيث أرادت! وكانت مثله تفكر فيما قالته تواً، فتستشعر خطراً، بدأ تعبيرها عن مشاعرها يعود لمعدله الذي كان عليه في يوركشاير قبل أن يتبين لهما أن الطرق لن تتقابل، ربما لأنها تعلم أنه يحتاج أن يسمع هذه الكلمات تماما كما تحتاج هي أن تقولها، فبرغم محاولته الدائمة للحفاظ على توازنه النفسي، إلا أنه في حقيقته رجل يئن تحت جبل من الأحزان، فهمومنا تنتكس أحزانا عندما نعجز عن تحقيق أي تحسن فيها، وهو مهموم بقضايا وطنه، تتراكم عليه الأحزان وهو يرى عالمه الخاص الذي ولد ونشأ فيه وأحبه ينحدر نحو الهاوية، فعالمه هو الطبقة الوسطى المصرية، تلك التي ينتمي إليها بكل ذرة في كيانه، ويخنقه شعوره بحجم الجهل والفساد اللذان يحيطان بمصيرها، ويفوقان قدرته على المواجهة، لهذا كانت حاجته للحب مضاعفة، وهي تعلم أنها و"عزة" وحدهما مصدر الحب والحنان في حياته، فإذا كان الوعد السخيف يمنعها من منحه كل شيء، فليس أقل من كلمات يعرف بها أن قلبا في فضاء هذا الكون ينبض مع قلبه!
...

(12)
النهروان أولاً

أنصت جراح القلب الشهير لمحدثه على الطرف الآخر من الهاتف وهو يقول: لا يوجد حد لنزقه!
- هو أخو طليقتي وحسب، أي نسب هذا الذي يطفح علي صديده كل حين كالخرَّاج؟
- يستعدي علينا الدولة ويسمينا خوارج العصر! ويسمي كتابه: النهروان أولاً، كأنه يطالب بإبادتنا كما فعل "علي" بخوارج النهروان!
- ليس أول أو آخر من هاجم، كم دقت على الرأس طبول يا شيخ "يزيد"
- لو تركنا الطبول تدق كيف تشاء، سيأتي يوم تعلو فيه على صوت الدعوة، ولو مر كل غثاء كهذا مر الكرام فسنرجع لظلمات الستينات والعلمانية الناصرية لا أرجعها الله
- وماذا نفعل إذا؟
تقهقر صوت "يزيد" وهو يقول في وداعة وتوازن مصطنعين، كمن تدرب على هذا التلون لسنوات: نحن ملتزمون بمنهج سلمي وحضاري، فليس أمامنا غير الرفض بصورة شرعية
- هذا أمر انتهى أوانه مع تعديل قانون الحسبة[40]، ثم أنه لم ينكر معلوما من الدين بالضرورة
- أول الغيث أن نقدم طلب إحاطة لوزير الثقافة حول كتاب يسيء للدين ويعكر الصفو العام، ولو قدمته أنت تحديدا فسيكون الموضوع جاذبا للإعلام، نائب يواجه نسيبه السابق انتصارا لحدود الله
لم ترق الفكرة لزياد لأول وهلة، فقال وهو يهرش أذنه اليسرى كعادته حين يفكر: ربما حدث العكس، فيفسر الأمر بأنه تصفية حسابات شخصية
- سيضاعف هذا ضجيج الصحف والإعلام، وهو عين المرام
- ألديهم فكرة عما تطلبه مني؟
- وهل أحادثك بأمر كهذا من تلقاء نفسي؟ سيأتيك أحد الإخوة بمسودة لمجموعة نقاط ونسخة من الكتاب، لتبني أنت عليها طلب الإحاطة بأسلوبك، لن أوصيك يا طبيب القلوب
يعرف "زياد" تماما دور الشيخ "يزيد"، فله دور قيادي على مستوى محافظة الجيزة فضلا عن دوره في التنسيق بين أعضاء المجلس ذوي الانتماءات الإسلامية، لهذا لم يتعب نفسه بالاعتراض كثيرا، فيزيد يمثل واحدة من أعتى جماعات الإسلام السياسي، ودعم هذه الجماعة وتشعب علاقاتها مع النظام كانوا طريقه لكرسي المجلس، كل هذا كان ماثلا في ذهنه وهو يرد قائلا: موافق، مع تحفظي على توجيه الموضوع لي بسبب علاقة سابقة به، هو وأخته بغضوا إلي الحلال، ولا أريد شيئا يذكرني بهما
كانت عبارة "بغضوا إلي الحلال" هذه حجته الدائمة لعدم الزواج بعد أن طلق "عزة الإمام"، وحرص على تكرارها كلما سنحت فرصة، فأجابه "يزيد" قائلاً: تحفظك مقبول، فتوكل على الله وارفع رأسنا، لو احتجت لأي شيء هاتفني على محمولي الشخصي، سأكون في مارينا غدا وبعد غد وربما أغلقت محمول العمل
- عروس جديدة؟
- ليت الشباب، سنوات المعتقل والتعذيب في شبابنا أوهنت عظامنا قبل الأوان، همتكم يا أهل الطب لتبتكروا لنا الجديد، فلا أزرق ولا أصفر صار يجدي معنا
يقهقه "يزيد" الذي يعشق ككل أعضاء جماعته الحديث عن اعتقالاتهم وتعذيبهم، فيررون من ذلك ما حدث وما لم يحدث، ويضحك "زياد" ضحكة لها من صوت أكثر مما بها من مسرة، ويرد قائلاً: أدام الله عليك العافية، اطمئن واعتبر الطلب قد قدم
- على بركة الله
أغلق "زياد" الخط وألقى الموبايل على الأريكة الأمريكية قبل أن يلقي بنفسه عليها في سأم، "يزيد" هذا من المقربين وحملة الخطوط الساخنة مع أعلى سلطات جماعته، فلا مفر! هكذا فكر وهو يمشط بأصابعه لحيته المهذبة أسفل شارب حليق، ويمدد ساقيه على منضدة معدنية بمنتصف غرفة الكشف بعيادته الخاصة بالمهندسين، لا ريب أن المهمة ثقيلة جداً على قلبه، ولكن لماذا؟ شرود "زياد" وملامحه التي تكدرت وعضلات وجهه المتقلصة تنم عن معاناة داخلية كبيرة، لم كل هذه المعاناة من مهمة برلمانية عادية؟ .. يقطع شروده رنين الهاتف الداخلي فوق مكتبه، يرفع السماعة ويرد على سكرتيرته بضيق فيأتيه صوتها مترددا لما أحست ضيقه: هل أدخل من عليه الدور؟
- أيوجد أحد ذو حيثية خاصة؟
- لا
- فأعطني نصف ساعة إذا، ومري لي بقهوتي
- هل تذكر سيادتك موعد النقابة في التاسعة مساء؟ لقد
- أذكره
هكذا قاطعها ووضع السماعة في عنف ملحوظ ومد يده لدرج مكتبه فأخرج علبة خشبية سحب منها سيجاراً ضخماً، تحسس السيجار بينما تجمعت قطرات العرق على جبينه برغم التكييف المركزي في عيادته الفارهة التي يرتادها كبار الساسة والوزراء، شردت عيناه المعلقتان بالشكل القضيبي للسيجار الضخم بين يديه فبدا كالغارق في ذكرياته، كان هذا منذ سنين لا يحصي عددها، يوم اقتحمت "عزة" حجرة النوم إثر عودتها من زيارة أسرتها، كان المفروض أن تقضي الليل هناك لتعد لأخيها المدلل بعض الوجبات سهلة التجهيز في ثلاجته، لهذا سول له شيطانه أن يتصل بسكرتيره الخاص ويطلب منه لقاءً عاجلاً، هناك في حجرتهما وعلى فراش الزوجية نام مع "وليد"، فتى قوي في الثمانية وعشرين كان حريصاً على إرضاء نزواته الفاجرة، "وليد" نفسه لم يكن شاذاً، بل إن "زياد" يوقن أنه يفضل النساء وكانت له علاقات بالعديد منهن، لكنه ذكي ويعرف كيف يسلك طرقا مختصرة للثراء والسلطة، فهو يحصل شهريا على ثروة صغيرة لا يستهان بها من عمله معه، فضلا عن العلاقات التي يكتسبها لقربه منه، والخدمات التي يعرف متى وكيف يطلبها فتجاب، ومن جهة "زياد" كان شباب "وليد" يرضي شبقه الشاذ تماما، وكانت لحظاته معه لحظات سعادة يختلسها، فيمارس جنونه الذي يعتبره حقاً له، ثم يعود ليلعب دور الرجل السوي ورب الأسرة المتزوج أمام الناس .. وأمام زوجته .. زوجته التي كانت!
في لحظة دخولها من باب الحجرة كانا في ذروة الجنون، عريانين حتى من الظلال، ونجفة السقف والأباجورات كلها مضاءة! كأنهما حرصا على أن يكون المشهد صادما لها حتى الموت، وقد كان، أف لهذا المجتمع السخيف الذي يربط تحقيق ذات الرجل بذكورته! فلولاه ما تزوج منها ولا مر بهذه التجربة المهينة، هكذا فكر وهو ينفث الدخان القوي الرائحة .. سقطت حقيبتها من يدها وهي تلطم خديها لطمتين، قبل أن توليهما ظهرها، فتعدو في الطرقة الممتدة أمام غرفة النوم وهي تترنح، ثم تتهالك وهي تلج الحجرة الصغيرة، الحجرة التي كان يفترض أنها للأولاد، أولاد لم ينجبهم أبداً! اندفع من الفراش عاريا وجرى خلفها وهو يلف محرما حول وسطه، وحين دخل الحجرة الصغيرة على صوت نحيبها كانت تضرب حائط الحجرة برأسها في عنف مجنون، كمن تريد أن تقتل نفسها، أو على الأقل تتخلص من وعيها، وكانت الدماء قد بدأت تتفجر بالفعل من جبهتها فتلطخ طرحتها الصفراء وأعلى وجهها، كانت تلطم رأسها في الجدار الصلد وهي تعض بأسنانها على إبهامها، وحين حاول الاقتراب منها صرخت بوجهه بكلمات غير مفهومة، وأبعدته بيدها في قوة وعنف لم يعهدهما بها من قبل، ميز من كلامها لفظة "وسخ" أو هكذا هيأ له، حاول أن يقول لها أن تكف عن الصياح وإثارة فضيحة يخسر فيها الجميع دون جدوى .. مر "وليد" خلف ظهره هاربا يلملم ملابسه، فلمح "زياد" خياله على الحائط الذي ترتطم به رأسها! وما هي إلا ثوان معدودة حتى سقطت على الأرض فاقدة للنطق، بينما عضلات وجهها تتشنج كمن أصابها صرع!
قامت من انهيارها العصبي بعد ثلاثة أسابيع في مستشفى نفسي متخصص، لم تنقطع خلال هذه الأسابيع تحقيقات "علي" معه كل يوم عن سبب حالتها، وحين عادت من المستشفى لبيت أبيها زارها وحاول أن يتحدث، أن يشرح ويبرر، كان أكثر ما يؤلمه وقتها أنها تنظر إليه بتقزز شديد، وعندما حاول أن يشرح أنه هكذا خلق وأن هذا ليس ذنبه، ردت كقنبلة تفجرت في وجهه بعد طول صمت: أنا لا أحاسبك على شذوذك، فهذا شأنك مع ربك، إنما أحاسبك على أمر واحد فقط يخصني، لماذا تزوجتني؟ لأكون ستارا يحجب عن الناس حقيقتك؟
حاول أن يجد إجابة سائغة لا تجعله مذنبا فقال: كنت آمل في تغير ميولي مع ممارسة علاقة طبيعية
- أنت طبيب وتفهم جيدا أن هذا غير ممكن، لكنك تزوجتني لأن ثوبك الجديد تطلب هذا، مجرد كذبة اجتماعية، كقصائد الغزل التي كنت تكتبها في الكلية لترسم صورة المثقف اليساري وحياته الزاخرة بمغامرات عاطفية، لكنك حين قفزت لمعسكر الإخوة لم تعد صورة المغامر صالحة، فكان لابد من الزواج ليتم الشكل المقبول اجتماعيا
أطرق مقطبا حاجبيه بينما تعتمل في صدره مشاعر غاية في التعقيد، هناك جزء عميق في نفسه يعرف أنها على حق تماما، لكنه استطاع أن يروض هذا الجزء في ذاته منذ زمن بعيد، تماما كما روض عقله على تبرير كل شيء وأي شيء يريد .. استأنفت وقد وضعت يدها فوق صدرها لتتغلب على شعورها بخفقان ورغبة في القيء: أتذكر خطبتك العصماء أيام مؤتمر السكان حين طرح موضوع الشواذ إعلاميا؟ أتذكر كلماتك عن زمن التبجح بالانحراف وشيوع البلوى؟ كنت تكررها في كل مناسبة وتعبيرات الاشمئزاز ترتسم على وجهك زورا، أيمكن لبشر أن يصل لهذه الدرجة من الزيف؟
قال بعصبية ظاهرة بينما نظرته مازالت مصوبة نحو قدميه: وماذا كان علي أن أفعل؟ أخسر كل شيء بسبب صدفة جينية لا ذنب لي فيها؟ ليس ذنبي أن تكويني الجيني خلق عندي استعدادا وأكملت ظروفي الحلقة فصرت هكذا، هل أواجه مجتمعا متخلفا بأمر لن يقبله أبدا؟ هل هذا عدل؟
- المجتمع ليس متخلفا، لقد عاش فيه من هم مثلك دائما، ربما بغير ترحيب كأوروبا، لكنهم عاشوا دون أن يرجمهم أحد ولا يصفق لهم أحد، تعرف أن أحد أساتذة الكلية كان معروفا بشذوذه دون تصريح، لم يقتله أحد، لكنه لم يصبح نجم مجتمع ولا يمكن أن يختار عميدا ولا رئيسا لجامعة، ولا عضوا في البرلمان يمثل حماة الفضيلة والشرف والدين، لم تخش على مستقبلك ولكن على طموحك، وكان اختيارك لزوجة منسبة مدعما لوضعك في التيار الذي انضويت فيه حين صار رائجا ورابحا
انقلب توسله لشيء من التنمر حين ذكرت البرلمان، فرفع بصره من الأرض لينظر اليها وأمسك معصمها بشيء من العنف، وقال بصوت كالفحيح: طموحي من حقي .. ونجاحي من حقي، وصلت لكل هذا بكدي، وليس من حق كائن من كان أن يقف بطريقي
- وما ذنبي أنا؟
- كنت زوجة سعيدة، لو لم يحدث ذلك الموقف لكان من الممكن ..
- أن أعيش مغفلة للأبد؟ لا يا سيدي، أنت واهم، تتخيل لفرط أنانيتك أن الناس جميعا يصدقون الممثل البارع المتقن لدوره
تراخت يده واستدار ليعطيها ظهره وهو يرتكز على ضلفة دولاب الفضيات المفتوحة بذراعه، وأجاب متسائلاً بتوجس وألم: ماذا تقصدين؟
- كنت أشعر طول الوقت، لم أتمكن من مواجهة نفسي ربما، وكنت أخشى أن أظلمك بظنوني ربما، لكني كنت أشعر بهذا، قضيت هذه السنوات أطرد الفكرة من رأسي لتعود فتحتلها ثانية بنخر كنخر السوس في العظام، قبل الزواج كان مجرد إحساس بشيء غريب بيني وبينك، كانت الألفة بيننا أقرب لعلاقات البنات ببعضهن البعض، وراحتي في الحديث إليك - والتي كنت أسميها لفرط حماقتي حبا - كانت تفتقر للرغبة الممزوجة بالحذر الأنثوي الطبيعي تجاه رجل، وبعد الزواج صدمتني رغباتك الشاذة التي كنت تدعي أنها عادية جدا، وأن هذا حال كل الرجال، لأنك واثق أن لم يكن لي علاقة حميمة برجل قبلك، فتخيلت أنني من أهل المريخ وأني أصدق أن لكل الرجال ميول مقززة كميولك
انهارت على مقعد الصالون وقد غالبتها رغبتها في القيء حين تذكرت شذوذه في علاقته معها منذ اليوم الأول، بكت وهي تتذكر هذه اللحظات وحاولت طردها من رأسها، ثم وضعت يدها على فمها لتقاوم رغبتها في إفراغ معدتها الخاوية إلا من الماء، لكنها كانت بالرغم من كل هذا منتشية بعد طول قهر، فهل أسعدها ضعفه في هذه اللحظة؟ هل أعاد إليها شيء من كرامتها الجريحة؟ ربما شعرت بذلك حين أتاها صوته خفيضا مرتعشا: كفى .. لا داعي للتجريح
- أنا من تقول كفى، الإنسانة التي خسرت عمرها هي من تقول كفى، المرأة التي جرحتها عيناك المعلقتان بالرجال وهي بجوارك هي من تقول كفى، الزوجة التي ضحت بالأمومة حين علمت بعقمك هي من تقول كفى، والمغفلة التي لوثت فراشها باللواط هي من تقول كفى، وهئنذا أقولها لك، كفى .. طلقني الآن وارحل للأبد
صحا المفاوض داخله في لحظة حين سمع لفظ الطلاق، كان معدا ومهيأ لهذا منذ اللحظة الأولى، بل إنه كان ينتظر هذه الكلمة ليملي شروطه، فعليه أن يضمن ألا يؤثر هذا الحدث الغبي سلباً على حياته ومستقبله، أجابها: موافق .. لكن
- بدون شروط
- طلبي لا يضرك، لكن رفضك يضرني، ولا أظن أن ضرري يجديك شيئا، فبيننا على كل حال عشرة وخبز وملح
قالها بلهجة لا تخلو من تذلل، يعرف تماما كيف ومتى ومع من يستخدمه، فسألته: ما هو؟
- سنقول للجميع أن العقم هو سبب الطلاق، فلا يعرف مخلوق غير هذا، حتى أخوك
- لكنه يعرف بالفعل
صعق كمن مسه تيار كهربي قوي فانتصب منتفضا من وقفته المسترخية، وفقد لهجة التذلل التي كان يصطنعها فقال بوقاحة: أخبرته بهذه السرعة؟
- يعرف منذ زمن بعيد، نصحني بالرفض بعد أول لقاء معك حين تقدمت لخطبتي، وليتني سمعت له وأجبت
هدأ قليلا حين فهم أنها تتحدث عن مجرد شعور، فقال وهو يضحك بسخرية: مكشوف عنه الحجاب؟
- لا .. لكنه رجل بلا زيف، عينان صافيتان لم يطمس عليهما الجشع وجري الوحوش بغشاوة الغباء، رجل لم يركع لسلطة أو يلهث خلف مال فظل نقيا، لهذا يرى بقلبه
لطالما كرهها وهي تتحدث عن أخيها بهذه الطريقة، قاطعها قائلا: وماذا قال قُدِّسَ سِرُه[41]؟
- رأى في عينيك كذبة كبرى تعيش فيها وتعيش فيك، ورأى رجلا بغير ثوابت غير الوصول لما يريد وبأي ثمن
- هذا لا يعني أنه يعرف
استمرت كأنها لم تسمعه: كان يحاول أن يطمئن بعد أن تأخر الإنجاب، واليوم .. حين أتذكر حديثه أكاد أجن، كأنه كان يعرف كل شيء، وحين جاءني في المستشفى نظرت في عينيه وبكيت بكاء مكتوما من القهر والصدمة، فنظر لي ودمعة عاصية تلمع في عينه، ثم همس في أذني قائلا: لا تخافي يا صغيرتي، خطأ لابد من تصحيحه وفورا
قال "زياد" وفي عينيه جرأة من يمكنه أن يقتل ليصل لهدفه: إذا دعيه في شكوكه ولا تحوليها ليقين
وقف ناظرا اليها وهي مطرقة كأنها لا تسمعه، كان يشعر بألم عندما يتخيلها تقص لعلي مشهده مع "وليد"، كان يتخيل "علي" وهو واقف بباب غرفة النوم مكانها، تقتحم نظراته عريهما في ذلك الوضع المشين، وتلتصق نظرات الاشمئزاز بجلده فتكويه كيا، استجمع عقله وطرد تلك الخيالات حتى يستطيع أن ينهي الموقف كما يريد، فليس هذا وقت جلد الذات، استأنف قائلاً: الطلب الأهم، الطلاق مستحيل الآن، ليس قبل الانتخابات وبداية الدورة البرلمانية القادمة، لن أفرض عليك خلال هذه المدة أن تكوني في بيتي، فلتبقي هنا ثم نتمم الطلاق رسميا بعد الانتخابات
- بعد الانتخابات؟ معنى هذا ..
جاء صوت "علي" من ناحية باب غرفة المعيشة التي جلسا بها وهو يقول: معناه ستة عشر شهراً
التفتت "عزة" له فكأنها رأت ملاكا بينما هي مغروسة بقاع الجحيم، أما "زياد" فرمقه بعينين تنضحان بالكراهية، لطالما كره كل شيء في "علي" كرهه للموت، كان يشعر بصدره ضيقا لمجرد وجوده، ومواجهته الآن في موقفه هذا تجعله أكثر كراهية له من أي وقت سبق، "علي" المتصنع الجبان الذي يدعي أنه لا يحب المال لأنه عاجز عن تحقيقه، ويدعي الزهد في المناصب لأن همته لا تبلغها، بهذا الحقد الأسود كان يرمق "علي" وهو يخطو داخل الغرفة بينما تجنب "علي" النظر إليه، أتاه صوت "علي" غير خالٍ من التوتر، قائلا: الطلاق سيتم صباح الغد
- ومن سيجبرني؟
طغى كرهه لعلي على الموقف فأفلتت منه طريقته في التفاوض وأصبح مستفزا، التفت "علي" نحوه قائلا بحدة من يكظم بجوفه بركانا: بجوفي نار تشويك شياً لو أطلقتها، أمامك سواد الليل وتطلقها في الصباح، لن تعيش أختي على ذمة مثلك يوما آخر، ليتها كانت على ذمة رجل
شعر بلطمة إهانة ففقد دبلوماسيته تماما وهو يقول: أخطأت حين أتيت هنا بقدمي، فلترني كيف ستجبرني على طلاقها يا .. يا سيد الرجال
استدار يهم بالخروج، فأمسك "علي" ذراعه بقوة ولفه إليه يواجهه، ثم رفع سبابته في وجهه بحدة، كان في عينيه وصوته غضب وكره لم ترهما أخته من قبل، قال وهو يقرع بسبابته ذقن "زياد": لا تحسبن نفوذك الذي حققته في زمن شاذ مثلك يجديك شيئا، كشف طبي بسيط سنطالب به حين نرفع قضية عاجلة في محكمة الأسرة، يكتب بعده الطبيب عبارة معروفة تقول "مستعمل من الخلف ويهوى كما تهوى النساء"، وينهار مستقبلك السياسي للأبد
هم بالكلام ليسفه من تهديده رغم أنه أزعجه كثيرا، فعاجلته كلمات "علي" الذي قال وحدة غضبه تتصاعد: والأفضل لك أن تجدي المحكمة، فلو حدث العكس لن يكون لدي سوى حل واحد، هو قتلك
لم يشعر "زياد" بساعي العيادة وهو يضع القهوة، فلم يرشف منها رشفة واحدة، فقط تذكره لهذه اللحظة هو ما هزه لدرجة الإفاقة، لقد استسلم بعد التهديد، مهما كانت قدرته على المراوغة فمجرد رفع قضية ومطالبة طليقته بتوقيع الكشف الطبي عليه كانت كفيلة بوضعه في مزبلة السياسة للأبد، ولهذا تحديدا كان ضيقه من طلب الإحاطة المطلوب توجيهه لعلي، فهو آخر إنسان يحب مواجهته، لكن بطلاقه لها لم يعد من حق مخلوق أن يطلب توقيع مثل هذا الكشف عليه، وإذا حاول "علي" البغبغة بكلام مرسل سيكون من السهل إظهاره بمظهر موتور يحاول تشويه نائب شريف يدافع عن الدين، فإذا لم يكن من المعركة بد فلتكن شرسة جداً، حتى لا يترك لغريمه فرصة للنجاة .. هكذا فكر "زياد"، فلو كان شطر عقله يخاف من كشف المستور، فشطره الآخر يحب هذه المعركة، فهي فرصة لا تعوض ليشوه هذا المغرور الذي يراه الجميع فوق البشر، وهاهو الغبي يضع نفسه أمام أقوى فصيل سياسي في البلد، وهكذا الكلمنجية البعيدين عن دوائر السلطة والقرار من أمثاله، لا يدركون أن تيار الإسلام السياسي اليوم صار كجبل الجليد، يبدو منه على السطح جماهيره المتعاطفة معه، وشبابه متنامي العدد في الجامعات والمحافل الثقافية والسياسية، لكنهم لا يعلمون شيئا عن حجم جبل الجليد الحقيقي، وعن مدى تجذره في دوائر صنع القرار في الداخل والخارج، وعن تشابك علاقاته ومصالحه المتبادلة مع سيدة العالم الحر، وأقوى دولة عرفها تاريخ البشر، لم يدرك الرومانسيون كما أدرك هو في الثمانينات أن جذور هذا التيار ترتبط بالعالم الجديد الذي يتم الآن رسم حدوده وتحديد قواعده بقوة المال وقوة السلاح، وأنه لهذا صار أعتى من أن يقهر، وإلا لسحقه النظام فوراً، فها أنت تواجه التنين بغرورك يا ابن الأشراف، فلنر همتك يا فارسا .. بلا سيف ولا جواد! هكذا فكر وهو يبتسم ويرفع السماعة ليسمح بدخول المرضى المنتظرين بالخارج