Sunday, November 30, 2008

انهيار برج بابل- 44-45


(44)
انهيار برج بابل

بعد العشاء تسلم "علي" و"ماري" من "كاظمي" الصور الضوئية للمخطوطات وقرصا مدمجا عليه نسخة إلكترونية من النصوص التي استطاعوا قراءتها حتى الآن مرتبا ترتيبا زمنيا تقريبيا، وحين سألاه عن مكان الكشف وكيفيته، أخبرهما أن بداية الخيط كانت انفجارا حدث في المئذنة الملوية في سامراء بمنتصف عام 2005م على يد ميليشيا موالية لتنظيم القاعدة، بعد أيام من الانفجار، وبينما كانت مجندة أمريكية تصعد المئذنة في مهمة إدارية فوجئت بلفافة جلدية داخل كيس من الكتان البالي، فسلمتها لرؤسائها، ويبدو أنها ثرثرت بالأمر مع بعض زملائها، فشاع الخبر حتى وصل للدكتور "فريد"، والذي تقدم بحكم موقعه بطلب للحصول على اللفافة التي وجدت لدراستها، فوجد بداخلها نص بالخط الكوفي الحديث نسبيا، وقد جاء فيه[1] "هذا تمام وصية القطب العلوي الحسيني، وعترة النبي الأمي، حين وافته المنية في السجن المروزي العباسي، والتي عهد بها لجدنا المغفور له "رافع بن زيد القرشي"، وقد وضعنا كتابنا في موضعه هذا، حتى تخرج المكنونات الجعفرية، من أصلح عقود المنارة الجعفرية، حين يفيض الكيل بالطغيان، وتوسم الأمة بميسم الهوان، فتتصدع مآذن الإيمان، فيكون خروجها بمشيئة الله رحمة، لأن فيها منهج الأئمة، وبمثلها تنصلح أحوال الأمة، ولولا انقطاع الولد واقتراب الأجل، ما حفظناها في غير القلوب، ولا زدنا عنها بغير الصدور والنحور، فهي خبيئة الآباء، ووصية العترة الغراء"
علق "علي" مستبينا فقال: المنارة الجعفرية هي المئذنة الملوية ذاتها؟ نسبة إلى الخليفة "المتوكل على الله جعفر" الذي بناها؟
- نعم، وظاهر من نص الرسالة التي أتتنا من الماضي، أن أحد الأئمة أراد أن يحفظ ما لديه من علوم وهو سجين في مرو، فأسر بموضعها في بيته لواحد من خاصة أتباعه ليأخذها أمانة عنده، وقال ما فهم منه التابع أن الله سوف يظهرها حين تضج الأرض بالمظالم وتضعف الأمة، لتعين المسلمين على إصلاح أمرهم ورأب ذات بينهم، ويفهم من الرسالة أن صاحبه قد التزم بالوصية، وأورث السر المكنون أولاده، حتى وصلت ليد أحد أحفاده - هو كاتب الرسالة - ونفهم من كلامه أنه لم ينجب، ولهذا اختار أن يحفظها في مئذنة مسجد "المتوكل" حين عدم من يوكلها إليه
- وبهذا لا تظهر إلا إذا فسدت الدنيا فسادا يصل لدرجة تهدم منارات المساجد، وهو ما حدث بالفعل؟
هكذا علقت "ماري" فأومأ "كاظمي" موافقا، ثم أردف قائلاً: يغلب على ظني بدرجة كبيرة أن صاحب الوديعة هو الإمام "علي الرضا"، لأنه الإمام الذي نعرف تاريخيا أن "المأمون" حدد إقامته في مرو، وإن لم يسجن سجنا فعليا كما تقول الرسالة، إلا لو كان كاتبها قصد السجن كناية عن تحديد الإقامة، وما يدعم ظني هذا هو موت الإمام "الرضا" وعمر ولده "محمد الجواد" سبع سنين، لهذا لم يتمكن من توريثها له، والأهم من هذا وذاك أن الرقوق تتحدث عن خلاف بين كاتبها وبين خليفة من الخلفاء بتفاصيل تشبه إلى حد كبير ما نعرفه عن خلافه مع "المأمون"
سأله "علي": كيف حددتم مكان البحث في المئذنة؟
- لقد وصفت المخطوطة مكان الخبيئة بأنه أصلح عقود المئذنة، ولتلك المئذنة ستة عقود تزين قمتها وتشكل دائرة كاملة الاستدارة! فحصنا العقود للاستدلال على مكان الخبيئة، وافترضنا أنها تكون في أكثر العقود استواء واتساقا، ووجدنا أحدها مستوي الملاط تماما لا عيب فيه، فحفرنا جداره، لكننا فشلنا في التخمين الأول، ثم حفرنا في آخر كان ثاني العقود استواء وتماثلا فكان هو عين المرام
- هل كان العقد المواجه للجهة الجنوبية الغربية منها؟
هكذا علق "علي" مبتسما وهو يراقب رد فعل "كاظمي" الذي رد بالإيجاب والدهشة تعلو وجهه، وهم أن يسأله كيف حدد هذا، لكن "عليا" عاجله مجيبا: أصلح العقود ليس أكثرها استواء واعتدالا يا عباسي المنطق والاستنتاج، لكنه العقد الذي يقتبل القبلة منها
هكذا قال "علي" مداعبا "كاظمي" حول تخصصه في التاريخ العباسي الذي سادته أجواءه الأبهة والفخامة، وميز معماره الحرص على تماثل الجانبين في واجهات المنشآت، فقال صديقه والدهشة لازالت تعلو وجهه: الأكثر صلاحا هو ما اقتبل القبلة!
- هكذا سيفكر رجل من أتباع الأئمة، علينا أن نفكر بعقل من كتب الرسالة لا بعقل من يقرأها، ولكني أعتقد أنه قصد هذا الجناس اللفظي للخداع، فإذا وجد الرسالة عباسي ظن كما ظننت أنت
- استنتاج عبقري
- بل العبقري هو من بحث وكشف يا "أبا موسى"
- إنما كشفه لنا أصحاب "أبو مصعب الزرقاوي" الذين حاولوا تفجير المئذنة
هكذا قال "كاظمي" مداعبة وتواضعا، قبل أن يترك "علي" وزوجته في غرفة المكتب المخصصة لهما، وبينما اختارت "ماري" أن ترتاح لبضع ساعات حتى يصفو ذهنها قبل أن تبدأ في قراءة المخطوطات الحجازية، لم يستطع "علي" صبرا، فاستأذنها أن يبدأ هو من فوره حتى يشعر برغبة في النوم، وبينما كان يتهيأ لسهرته بدش بارد، أخذ يفكر في كل ما مر به من أحداث اليوم، حتى وصل لقصة اكتشاف اللفائف، واسترجع جملة صديقه إذ قال " إنما كشفه لنا أصحاب أبو مصعب الزرقاوي" فتذكر على الفور قصة برج بابل في سفر التكوين، حيث أراد البابليون بناء برج يبلغ عنان السماء وتكون قمته في الفردوس! فجعله الله وبالا عليهم، إذ تباينت لغاتهم ول يستطيعوا إتمام بنائه لفقدهم لغة التواصل، قبل أن يرسل الله عليه ريحا فينهار، فكأن القصة تعيد ذاتها رمزيا، إذ أراد الأمريكان استغلال ورقة التطرف الديني لتحقيق نصر رخيص على السوفيت في الحرب الباردة، فكان لهم ما أرادوا، لكن الحركات الجهادية المتطرفة التي صنعوها تحولت وبالا عليهم، ففقدوا تواصلهم مع صنيعتهم، والتي استدارت فصفعت كبرياءهم في سبتمبر، فكأن انهيار برجي مركز التجارة كان كانهيار برج بابل، إيذانا بانهيار الصرح الذي بنوه على التطرف والكراهية والدماء، واليوم يفجر أتباع "الزرقاوي" المئذنة الملوية شديدة الشبه في طرازها ببرج بابل، ليخرج من بين أركانها المتصدعة علم لن يكون مؤيدا لهم بحال من الأحوال، فسبحان من يحبط الشر في أرضه بذراع الشر ذاته دون سواها!
...

(45)
ملك وإمام

طالع "علي" المخطوطات الأحدث نسبيا، وهي ستة وعشرون مخطوطا كتبت بالخط الكوفي البسيط المعروف بالليِّن، وستة مخطوطات كتبت بالخط المصحفي الميسر، وبيد شخصين كما يظهر من تباين الخط فيها، فبدأ بهذه المخطوطات الست، وفتح جهاز الحاسب واضعا القرص المدمج في موضعه ليفيد من الجهد الذي بذله "كاظمي" وصحبه، مدققا القراءة في المخطوطات ومقارنا إياها بالنص الرقمي على الكمبيوتر، فلم يجد إلا نذرا يسيرا من التعديلات، وقد استقر في ذهنه وهو يدققها أن النصوص في الغالب لمؤلف واحد، لتوحد الأسلوب فيها وإن خطت بيد اثنين، ومن الجائز أن صاحبها أملاها على كاتبين أو كتب بعضها بنفسه وأملى بعضا، وهي تتناول موضوع "المأمون" والإمام "الرضا" لا شك في هذا، لكن من كتبها يتحدث عن الإمام بضمير الغائب، وهو أسلوب يجيز أن يكون الإمام هو كاتبها متحدثا عن نفسه بضمير الغائب على العادة المتعارف عليها في زمانه، لكنه كذلك يجيز أن يكون كاتبها أحد أتباعه ممن اضطلع على الخلاف وألم بجوانبه
وعلاقة الإمام والخليفة أمر اختلف فيه المؤرخون، فمنهم من قال أن "المأمون" رأى البيت العلوي أحق بالخلافة من البيت العباسي، فأراد التنازل عن الخلافة لعلي الرضا فأبى، فأرغمه على قبول ولاية عهده، وينكر هؤلاء أنه حبسه أو اغتاله بالسم، بينما فريق مقابل يرى الأمر حيلة من "المأمون" لكسب ود العلويين والسيطرة على ثوراتهم لتثبيت ركائز ملكه، لم يلبث أن دس بعدها السم لعلي الرضا حين ثبت له الأمر، وكان "علي" أميل للرأي الثاني، لأن من يقتل أخاه ليجلس على عرش الخلافة كما فعل "المأمون" بأخيه "الأمين"، لا يترك هذا العرش لغيره طوعا! لكنه وجد في مخطوطات "الرضا" تفصيل الأمر في عبارات موجزة مفيدة غيرت رأيه هذا، وجاء فيها: "فقل لمن أكثر القول في شأن الإمام علي بن موسى مع الخليفة عبد الله بن هارون، أن الثاني كان مكدود النفس من قتله ابن أبيه طمعا في الحكم، فحان عليه حين كره فيه الدنيا لما أوقعته فيه من دم حرام، قطع فيه رحمه وآذى به روح أبيه، وأراد التقرب من الله تعالى، فعهد للطالبي بالولاية بعده، لكن آل العباس مازالوا به ينقلون إليه كل وشاية، ويرمون بين يديه بكل فرية وسعاية، حتى أوغروا صدره على الإمام الفقير إلى ربه، فحبسه في بيته، حتى ظن الأول أن الثاني قاتله وإن طال الأمد، فما يرتاح الوشاة إلا بهذا، لتطمئن قلوبهم بدوام الملك في عترتهم، والله في علاه على الجميع رقيب وحسيب"
إذن فالحقيقة لو صدق المخطوط بين الأمرين، لم يعرض "المأمون" الخلافة على الإمام "الرضا"، لكنه ولاه عهده ليحكم بعده، مخلصا في ذلك ومدفوعا بالندم، لكن هذا أقض مضاجع بني العباس، فدأبوا على الوقيعة بين الخليفة وولي عهده حتى أفسدوا الأمر بينهما، فانقلب الخليفة عليه وحدد إقامته في مرو بعيدا عن أتباعه وخاصته من العلويين، ولا يستبعد وفقا للنص أن يكون الخليفة أو واحد من بني العباس هو من دس له السم!
كذلك وجد في المخطوطات عبارة تقول "وقد ميزت الأمة الخلفاء الأربعة الأوائل عمن تلاهم من خلفاء أموية وعباسية، فاختص الراشدون بطيب الطوية، وإخلاص العزم والنية، والحدب على خير الرعية، وباينهم الملوك من بني العباس وقبلهم بني أمية، فكانوا لكبرياء الملوك أقرب منهم لزهد الخلفاء، وكانوا لأثرة الطامعين أرقب منهم لإيثار الأتقياء، عدا الرجلين الصالحين من بني أمية، معاوية بن يزيد وعمر بن عبد العزيز، فقد أعرضا رحمهما الله عن صولة الملوك واعتصما بسمت الخلفاء"، وعى "علي" في سعادة ما احتوته الكلمة من احترام وتقدير للخلفاء الراشدين إجمالا، يثبت نظريته في استحداث التعدي باللفظ على الراشدين بين الطوائف المتأخرة من الشيعة، وفي عصر متأخر، فهذا نص كتب في عهد الإمام "الرضا" تقريبا، سواء كتبه الإمام أو أحد معاصريه، وفيه إقرار برشد الراشدين ومغايرتهم في المنهج والنوايا للأمويين ثم العباسيين!
بعد فراغه من الرقاق الستة المكتوبة احتمالا في زمن الإمام "علي الرضا" ثامن أئمة الإثنى عشرية، بدأ في مطالعة ثلاثة رقاق، صنفها "كاظمي" زمنيا في ترتيب سابق لزمن الإمام "الرضا" مباشرة، إذ ضمت نسخة مما يعرف بالصحيفة السجادية، والمنسوبة لرابع الأئمة "علي بن الحسين" الملقب بالسجاد، وقد كتبت بالخط الكوفي الميسر، ولم يجد فيها جديدا يمكن أن تقدمه من الناحية التاريخية أو في الفكر الديني، فهي تضم قرابة الستين دعاءً، وهي متداولة على نطاق واسع بين الشيعة والصوفية، لكنه لاحظ اختلافا بين بعض ألفاظها وبين ما يرد في النسخ المتداولة، مما يجعلها مرجعية مفيدة للتنقيح والضبط، لأن أقدم مخطوطات الصحيفة السجادية المتداولة توجد في مكتبة مكة المكرمة وترجع للقرن الحادي عشر، بينما ترجع هذه المخطوطة لنهايات القرن الأول الهجري
صنف الرفاق المخطوطات التسعة عشر التالية زمنيا في عهد الإمام "جعفر الصادق"، اعتمادا على زمن نسخها كما بينه الكربون المشع، وكانت مكتوبة بيد واحدة كما هو ظاهر من الخط، وقد نبهت هذه المخطوطات حواس "علي" لأقصى حد، فجعفر الصادق هو سادس الأئمة، وهو من جمع فقه آبائه وغيرهم فصاغ المذهب الجعفري في الفقه، والذي ينتمي إليه الشيعة الإثنى عشرية اليوم، ويعترف به الأزهر الشريف، وكان رحمه الله في ذاته عمادا من عمد التقريب بين المذاهب، فوالدته هي "فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر" حفيدة الصديق، وفي نسبها برهان مبين على استحداث العداء بين الصديق وبين آل البيت في زمن متأخر، فالتصاهر بين بيوت العرب وعشائرهم لم يكن ليتم على الضغائن وسوء الظن بين الأصهار، فضلا عما روي عن الإمام "الصادق" ويفيد براءته ممن يتبرأ من الشيخين "أبي بكر" و"عمر"، أي أنه ألزم أتباعه بالاعتراف بخلافة الشيخين والإقرار بها، لكل هذا تحفزت حواس "علي" لمخطوطات من زمنه، وقد وجد المخطوطات الستة الأولى رسالة في الرد على الخوارج، فسعد بها سعادة غامرة، فقد ورد في بعض المصادر أن للإمام "الصادق" رسالة في الرد على الخوارج، لكن لم يصل إلينا أي أثر منها، فهل تكون هذه المخطوطات هي الرسالة المفقودة؟ حين قرأها "علي" وجدها رسالة كاملة من الاستهلال للختام، ووجد فيها الكثير من الإضافات النافعة في التعرف على فكر الخوارج، فهم لم يحرصوا على تدوين مذهبهم، فكان ما وصلنا عنهم أكثر مما وصلنا منهم، وقد حرص كاتب المخطوطات الستة على عرض كل أطروحة من فكرهم وافية ثم تفنيدها بالعقل وبالنقل، وبأسلوب قريب من أسلوب "الصادق" وإن لم يكن مطابقا له، ومن أهم ما ورد في المخطوطة تعريف للخوارج، كان أوفى وأصوب ما قرأ، جاء فيه "فاعلم حفظك الله أن الخارجي هو من شق عن صدور الناس فقال يؤمن هذا ويكفر هذا، ومن استحل دم الخلق في غير قصاص، وعلامة الخوارج في فقههم تعميم الخاص في الحرمة وتخصيص العام في الإباحة، خلافا لعموم فقهاء الأمة، ممن يرون الأصل في الأمور حلها مالم تحرم! يضيقون على الناس ما جعل الله فيه سعة، ويفهمون الكتاب والسنة على المنطوق دون المضمون، وهم لضعاف النهى في كل حين مآل ومثابة، فلا تجد فيهم عالما أو عاقلا مشهود له بالعلم والعقل إلا على غرض أو إلى حين"، كانت يدي "علي" تهتز من الانفعال وهو يخط ملحوظاته حول هذا الجزء من المخطوطات، ويسبح الله في سره عجبا وحبورا، فقد كان التعريف لصيقا بفهمه الذي أورده في كتابه الذي أثار زوبعة في البرلمان، مما يشكل مرجعية جديدة لفكرته
تلى تلك الرسالة حول الخوارج في الترتيب الزمني رقان من جلد الغزال، فيهما تناول لبعض المسائل الفقهية، وضمنها مسائل الزواج والطلاق، وكانت مطابقة لمذهب الإمام "الصادق" المعروف عنه، والذي ذهب فيه لعدم وقوع البينونة الكبرى بطلاق الثلاث لفظا، بل تحتسب طلقة واحدة، وكذلك ما روي عنه من اشتراط حضور شاهدين عدلين لوقوع الطلاق، وهو ما أثبت مرور الزمن وواقع الحياة أنه أكثر مواءمة لمقتضى الحال وأحفظ للأسرة، هذا الخط الفكري الباحث عما ينفع الناس هو الخط العام في فقه الإمام "الصادق"، ولطالما أعجب "علي" بهذا المنهج، وحمد للشيخ الجليل "محمود شلتوت" شيخ الأزهر السابق رحمه الله الاعتراف بالمذهبين الجعفري والزيدي من مذاهب الشيعة الإمامية والزيدية على الترتيب[2] وتدريسهما في الأزهر
كانت سعادته كبيرة بثالث المخطوطات المنسوبة لزمن "الصادق" لأنها صححت مفهوما شائعا عن فكر الإمام، فقد حوت المخطوطة رسالة موجزة في القياس العقلي اجتهادا، وهي بهذا تؤكد قبول المذهب الجعفري للقياس العقلي على عكس ما شاع في التراث، وأشهر ما روي في ذلك منسوبا للإمام هو قوله لأبي حنيفة النعمان: لا قياس في دين الله، فقد احتوى الرق الأول في مقدمته على عبارة جاء فيها "ومن أمثلة قياس سلفنا الصالح، ما قاس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أمر عقوبة شارب الخمر على عقوبة قذف المحصنات، بأن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فعقوبته كعقوبة الفرية وهي ثمانون جلدة"[3]
ثم كانت رابع المخطوطات المنسوبة لزمن "الصادق" متصلة في ثمان رقاق، لاحظ فيها مع إمعان النظر اختلافا في رسم الحروف، مما يفيد باختلاف شخص من خطها، وكانت رسالة تجمع العديد مما ينسب للصادق من مأثورات، وأروع ما جاء فيها عبارات عن صفة المؤمن تقول "فاعلم أصلحك الله أن المؤمن يحب ويبغض، وهل الإيمان إلا حب في الله أو بغض فيه؟ وسمته التي يعرف بها سروره بحسنة يرجوها من الله، وحزنه لذنب ألم به، صومعته بيته، يكف فيه بصره ولسانه وفرجه، فإذا غادره لم يغتب ولم يكذب ولم يحسد ولم يصانع ولم يماليء على جور، لا يسخط الله برضى واحد من خلقه، ولا يتباعد منه تعالى بتقرب إلى الناس، مركبه في الحياة حسن خلقه، لا يستبدل به غيره على شدة أو بلهنية، لا يستوحش في طريق الهدى لقلة أهله، فوالله لقد اجتمع الناس على مائدة شبعها يسير قصير، وجوعها شديد طويل"
تنبه "علي" من سبحته مع درر الحكمة تلك على أذان الفجر، فقام فتوضأ ثم صلى ركعتي الفجر، وتمدد فوق سجادة الصلاة يفكر ويرتاح من طول السهر، وقد ألمت به فكرة أهمته، فقد صدقت تخريجات "كاظمي" والرفاق في مجملها في تحديد زمن المخطوطات، لكن القول بأنها كتبت بيدي الأئمة أنفسهم أو بإملائهم على غيرهم هو قول لم يختبر، فليس في واحد منها تأكيد لهذا أو نفي له، فعلى عادة هذا الزمان، كان الكاتب يستخدم صيغة الغائب وليس المتكلم حين يتحدث عما مر به، فلا يقول: قال فلان لي كذا وقلت له كذا، ولكنه يقول: قال فلان لعلي كذا فأجابه بكذا، فيصعب علينا أن نعرف هل يروي كاتب النص عن نفسه أو عن غيره، كذلك لم تكن النصوص تختم بخاتم كاتبها إلا ما كان مكاتبة رسمية، لهذا خلت كل المخطوطات من أختام أو إشارات مباشرة لشخص كاتبها! ولم يكن الافتقار للدليل القطعي مفاجأة له، فهذا حال دارس التاريخ دوما، لكن ما شغله هنا ليس الجانب الأكاديمي والتاريخي، إنما أهمه الهجوم المؤكد الذي سيتعرض له الكشف على مستوى الإعلام والجماهير بنفي نسبه للأئمة أو خلصائهم ورجالهم المقربين، وأخذ يقلب الأمر على وجوهه جميعا حتى نام متوسدا ذراعه على السجادة، وعندما صحت "ماري" بعد الفجر بقليل وجدته على هذه الحال، فأيقظته ليبادلها المواقع، فرقد في الفراش بغرفة النوم، وبدأت هي عملها مع النصوص الأقدم والأخطر، نصوص القرن الأول للهجرة

Saturday, November 29, 2008

انهيار برج بابل- 43

(43)
على ضفاف الأعظمية
وصل الرفاق إلى بغداد قبل الغروب مباشرة، فاتجهوا إلى حي الأعظمية حيث منزل "كاظمي" الذي أصر على استضافتهم، كان بيته على ضفاف دجلة مكونا من طابقين ويحيطه حزام أخضر زرعت فيه زهور يانعة، واختار له "كاظمي" اسم "كرمة النعمان" المنقوش على لوح حجري بجوار الباب، حين سأله "علي" في أول مرة زاره فيها عن اختيار لقب الإمام "أبي حنيفة" أول أئمة الفقه السني لبيته وهو الشيعي، أجابه "كاظمي" قائلاً: إمام عظيم، ومنطقي أن يسمى باسمه بيت في الأعظمية التي اشتهرت بضريحه ومسجده
كان "علي" يضع "كاظمي" تحت المرتبة الأسمى بين أصدقائه، ويطلق عليه لقب "رجل من زمن الحب"، فهو عالم فذ ومثقف مستنير، وهو فوق ذلك رجل وضع الله في صدره طاقة حب بلا نهاية، كان "علي" يذكره حين يسمع عن مشاحنات طائفية ببغداد، ويتصور كم يتألم رجل مثله لهذا العنف الأحمق، ويذكره واصفا التطرف والطائفية قائلا "لكل داء دواء يستطب به .. إلا الحماقة أعيت من يداويها"، ومن حسن حظه أن منطقة الأعظمية حيث يسكن عرفت الهدوء النسبي بعد واقعة جسر الأئمة في نهايات 2005م، حين أنقذ ساكنوها من السنة عددا كبيرا من الحجاج الشيعة الذين انهار بهم الجسر، فسقطوا في نهر دجلة، يومها ظهرت الشخصية العراقية الحقيقية ممثلة في تدافع قاطني الحي السني لنجدة الغرقى القادمين من حي الكاظمية الشيعي، ولهذا ندر العنف الطائفي فيها بعد هذا الحادث
أما "علي" فيرتبط حي الأعظمية في مخيلته دائما بقصيدة "نزار قباني" في رثاء زوجته التي قتلت في حادث إرهابي ببيروت "بلقيس يا عصفورتي الأحلى ويا أيقونتي الأغلى .. ويا دمعا تناثر فوق خد المجدليه .. أترى ظلمتك إذ نقلتك من ضفاف الأعظميه؟ بيروت تقتل كل يوم واحدا منا وتبحث كل يوم عن ضحية" فهاهي الأعظمية الغناء الراقدة على ضفاف دجلة كغانية تتهيأ لحبيبها قد طالتها يد الحماقة بالخراب والموت! فصارت كبيروت السبعينات والثمانينات تبحث كل يوم عن ضحية، وكأن كأس الموت في بلاد العرب نخب نمرره بيننا!
استقر الجميع بعد الترحيب والأشواق في صالون البيت، فعرفهم "كاظمي" بفريد الذي كان حتى هذا الصباح مديرا لمشروع اليونسكو في العراق، فصار في المساء مقاتلا منفردا في كتيبة الحقيقة، صافحه "علي" بود وتبجيل يليقان بموقفه، وبعد استقرار الجمع قال "علي" موجها كلامه لكاظمي وابتسامة ودودة تعلو وجهه: أين شايك العراقي المهيل[1] يا "أبا موسى"؟
- القوري على النار يا صديقي
التفت "علي" لزوجته مفسرا فقال: القوري هو إبريق الشاي باللهجة العراقية، والشاي العراقي المغلي يشرب في أكواب صغيرة تسمى الاستكان، فللعراقيين طقوس في شرب الشاي لا تقل عن طقوسكم الإنجليزية، وإن كانوا قد عرفوه على أيديكم زمن الاحتلال
ثم التفت لكاظمي فقال: شرح لنا "ديار" ما حدث للوثائق قبل أن نفهم موضوع الكشف ذاته تفصيلا، كيف حدث وأين وما هو محتوى الوثائق الذي أزعجهم لهذا الحد؟ حان حين الفهم يا صاحب المبادرة
- كان "فريد" يخشى أنكم قد ترغبون عن العمل في مرمى الخطر الذي أظلنا بعد خطف الوثائق، لهذا شرح لكم "ديار" قبل خروجكم من آربيل
وصل الشاي تحمله مدبرة المنزل التي بدت ريفية بجلبابها الأزرق الفضفاض وطرحتها السوداء التي تغطي نصف رأسها وعنقها، وزعت الاستكانات على الضيوف، فبدأ "كاظمي" يحكي بينما ضيوفه الذين أرهقهم السفر ينعمون بمذاق الشاي ورائحته المنعشة، بدأ بالقاء سؤال على الجمع قائلا: ما هو الإمام؟
- ما أم من؟
هكذا علق "علي"، فابتسم "كاظمي" مجيبا: بل ما، ومن هنا تبدأ الحكاية، فأنا أتفق معك في نظريتك حول شيوع نظرية المخلص في كل الأديان، الفارس الذي يخرج في آخر الزمان فيغير وجه الأرض ويحل العدل محل الظلم والحق محل الباطل، وأوافقك في أن شيوع الفكرة وتضارب الأخبار لدينا يلقي ظلالا على الموضوع برمته، لكنني شخصيا كنت في انتظار إمام مختلف عن هذا الشائع في آداب العالم، فالإمام في لغة القرآن جاء بالفعل بمعنى الفرد الذي يقود الناس ويهديهم كقوله تعالى "قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً"[2]، ولكنه جاء كذلك بمعنى الكتاب والعلم الذي يهدي للحق، كقوله تعالى "وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً"[3] والذي تكرر بلفظه في سورتين من القرآن، هود والأحقاف، فلماذا لا يكون الإمام المنتظر علما ينفع الناس ويعينهم على صلاح دنياهم؟
- فكرة منطقية، لكن لماذا تميل لفرضية الإمام المكتوب؟
- ما الذي كتبه الإمام "علي" في عزلته؟ أو بدأ كتابته خلالها؟ ما الذي دعاه ليتفرغ فور وفاة الرسول فلا يضع ثوبه إلا لصلاة الجمعة؟ وما هو أساس الأخبار المتضاربة عن الجفر ومصحف فاطمة والصحيفة الجامعة، كل هذه الأخبار الشفوية لابد لها من أساس بنيت عليه وتفرعت منه، وقد يكون هذا الأساس نصوصا مكتوبة، كان الأئمة يقرأونها ويضيفون إليها مع إحاطتها بالسرية بسبب ظروفهم السياسية، فعرف هذا مع الوقت بعلم آل البيت، وخلق حوله العامة أساطيرا تحاول استنتاج كنهه وطبيعة محتواه
- ولماذا يكتم آل البيت عن الناس علما ينفعهم؟
سألته "ماري" فأجابها: لأن محتواه لم يكن موجها للصدر الأول من المسلمين، فلم يكن فيه جديد عليهم غير ما عرفوه وفهموه من الرسول، فهو مدخل للفكر الديني لا يضيف للسلف ولكنه يضيف لنا اليوم، ذخيرة لتصحيح المسار لو جاز التعبير، خواطر في الفكر الديني كتبها السلف في صدر الإسلام، ولم تصلنا مشافهة تروى عبر العصور وتتعرض للتشوه من فم إلى فم كما هو الحال في الأخبار التي كتبت بعد مئات السنين من موت أبطالها، لكنها أعدت لتصلنا مخطوطة بلفظها كما أراده من كتبها!
- ما هو محتوى المخطوطات وأين صورها؟
قال "علي" وقد أثار الحديث اهتمامه لأبعد حد، فقد دق الكلام على أوتار شغلته كثيرا هو الآخر، فأجابه: المحتوى يتكون من ثمانية وأربعين رقا، أقدمها ستة عشر رقا يرجع تاريخها للقرن الأول الهجري، جزء كبير منها يصعب تمييزه لكتابته بالحجازي القديم وتآكل أجزاء منه، وهذه مهمة خبيرتنا
- و بقية المخطوطات؟
- اثنان وثلاثون مخطوطا من القرنين الثاني والثالث للهجرة، كتبت في تقديري بيد خمسة أشخاص، ولدي تصور عمن تنتمي إليهم الرقوق من الأئمة لكن ثقتي بتصوري ليست كبيرة، وهذه مهمتك يا "علي" من الناحية البحثية
- وهل لي مهام أخرى في نواحٍ غير بحثية؟
هكذا سأله "علي"، ليشرح له "كاظمي" غايته في استخدام الكشف لدعم جهود التقريب بين السنة والشيعة الإمامية والشيعة الزيدية، حيث تفصل المخطوطات في كثير من الأمور الخلافية، وهذا يحتاج إلى مهارة خاصة في صياغة الطرح الذي ستتناوله الصحف والبرامج الاعلامية حتى يخرج بصورة مبسطة يسهل فهمها، وكذلك سيفيد نسب "علي" للأشراف في إضفاء بعد روحي على الكشف عند العامة
هنا عارضه "علي" قائلاً: وجود هذا التراث يعني أن كاتبيه قصدوا أن يتركوه مكتوبا حتى يتسنى لكل مسلم قراءته والإفادة منه، إمام مكتوب كما قلت أنت، لكن التركيز الإعلامي على وجود عضو في الفريق من الأشراف، سيجعل البعض يقول: ولماذا لا يكون هو المهدي المنتظر مادام منتسبا للرسول؟ وعندها نعود لنقطة الصفر، ويضاف اسمي لقائمة المجانين ممن ادعوا أنهم المهدي عبر التاريخ
- فكرت في هذا الاحتمال، ومع ذلك أرانا بحاجة للتأثير في البسطاء حتى نحقق نتيجة لشعب العراق الذي يسفك دمه بيد أبنائه، والتأثير في هؤلاء يختلف عن التأثير في الخاصة
كان شعور خفي لدى "علي" يخبره أن صاحبه لا يفصح عن الدور الحقيقي الذي يريده له، ولا عن خطته الحقيقية، فموضوع التقريب بين المذاهب ودوره الفوري في تهدئة الوضع الطائفي في العراق كان دفعا شديد التسطيح من رجل ككاظمي، لذلك علق قائلا: سنؤثر فيهم لو آمنا بما نقول بما فيه الكفاية، وإن كنت أرى أن ما يجري اليوم في العراق لا يجري على أساس من الخلاف المذهبي، قدر ما يجري على أساس من تكتل أصحاب المصالح، فالكتل الشيعية والسنية وغيرها لا تتناحر على الفرق بين المذاهب، ولكن على مكاسب ترجوها كل طائفة، عموما كل هذا سابق لأوانه، هل الصور موجودة هنا؟
- بعد العشاء تأخذ أنت و"ماري" نسختكما، وهي مصورة على جهاز تصوير الخرائط بالحجم الطبيعي للمخطوطات
- علينا أن نسرع يا سادة، فغدا سيحدد موعد المؤتمر الصحفي لإعلان الكشف الجديد بعد موافقة الحكومة على تأمين المؤتمر، وأنا أتوقعه خلال أيام
هكذا قال "فريد" فعلق "علي" في دهشة: خلال أيام؟
قاطع "كاظمي" صديقه "فريد" الذي هم بالرد قائلا: أعدت لكما "أم موسى" جناحا فيه غرفة مكتب وبها حاسب آلي ووصلة إنترنت فضلا عن غرفة النوم في الدور الثاني، لتكونا على أتم راحة في بحثكما، ولن نزعجكما في غير مواعيد الطعام
- لكننا لا نتكلم عن ورقة عمل، بل مخطوطات يتعين علينا دراستها بروية وصياغة طرحها التاريخي
هكذا علقت "ماري" فرد عليها "فريد" قائلا: للأسف يا سيدتي علينا الإسراع لو أردنا لكشفنا رؤية النور، ولو أردنا نحن شخصيا الاستمرار في رؤية النور
مرة ثانية رأى "علي" في عبارة "فريد" هذه تلميحا لخطر غير مبرر لو كانوا يتحدثون عن وثائق تاريخية! وتذكر عبارة "كاظمي" في مكالمته التليفونية الأولى عن الأمر الآخر والمرتبك بتيار الإسلام السياسي كما أشار، فبدأت شكوكه تتنامى

انهيار برج بابل- 42

(42)
نادي السافاري


كانت ثلاث ساعات قد انقضت منذ غادروا مطار آربيل حين سأل "علي" صديقه "ديار": هل لسيدة اليونسكو علاقة بالعالم الجديد في تقديرك؟
ابتسم "ديار" بسمة لها عمقها، وقال بطريقته حين يسأل في موضوع شائك، فيدلي برأيه ملقيا الضوء على حقائق مجردة بغير تصريح: أمريكية متزوجة من رجل أعمال فرنسي كبير، ولهما علاقات متشابكة في الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وغيرها، ومن مشجعي صقور الليبرالية الجديدة في البيت الأبيض
- فهي نقطة ارتكازهم في اليونسكو؟
- ربما
هنا تدخلت "ماري" بسؤال: عم تتحدثون يا سادة؟ تبدون لي كرجال مخابرات فجأة؟
- عن منظمة العالم الجديد يا سيدتي
هكذا علق "ديار" باسما وهو ينهب الطريق نهبا بسرعة مائة وعشرة كم/ساعة، فردت مستنكرة: هل تعتقدان حقا في هذه الأسطورة الحضرية؟
- ليس بالشكل الذي تقرأينه في روايات الإثارة، فالمنظمة ليست الوريث العصري لفرسان الهيكل[1] ولا لجماعة الإليوميناتي[2]، ليست حتى منظمة عنقودية بالمعنى المفهوم بحيث تحكمها قواعد مكتوبة وهيراركي إداري، فتسمية منظمة مجرد تسمية مجازية لشبكة مصالح مشتركة على اتصال ببعضها البعض عالميا، وتنعقد بين أطرافها تحالفات مرحلية تستمر طالما استمرت وحدة الأهداف وتنتهي بنهايتها، لكن خطوط الاتصال تبقى مفتوحة
هكذا شرح "ديار" قبل أن تسأل "ماري" مستزيدة عن التفاصيل والحقائق التي تشير لوجود هذه الشبكة وكيف استنتجا أن لها علاقة باختفاء الوثائق، يشير "ديار" إلى "علي" ليجيب زوجته، فيبدأ "علي" شرحه بسؤالها: ما هي مأساة الرأسمالية في صورتها القحة؟ قبل أن تقتبس من اليسار الاشتراكي المعتدل كثيرا من مبادئه، كالضمانات الاجتماعية وغيرها؟ ما هي مشكلة الفكر الذي يزرعه الليبراليون الجدد في عالم اليوم؟
يشعل "علي" سيجارته، ثم يجيب على تساؤله بنفسه فيقول: مأساتهم أنهم يريدون توظيف الجماهير في عملية الإنتاج بتكلفة اقتصادية بهدف تعظيم الربحية وتحقيق الاقتصاد المتنامي، وهذا معناه أن يظل عائد عمل هذه الجماهير الذي يدخل جيوبها محدودا، لكنهم يريدون من نفس الجماهير أن تستهلك أكثر وأكثر من منتجاتهم لتنمية السوق، وهنا يظهر التعارض، فالحد من دخل الموظف والفني والعالم والعامل يؤدي لتهافت قدرتهم الشرائية كعملاء، بينما تلح الدعاية الاستهلاكية على عقولهم صباح مساء ليستهلكوا المزيد ويشتروا المزيد مما لا يحتاجونه من منتجات، ولرتق هذه الفجوة ظهرت القروض الاستهلاكية في بلاد الاقتصاد المؤمرك، لنصبح مدينين للمؤسسة الرأسمالية بالفرق بين أجورنا المحدودة وتكاليف استهلاكنا الغير محدود، وبرغم هذا تبقى مشكلة، فالطبقة الوسطى المكونة من الفئات العاملة تصاب كل فترة ومع تصاعد الاستهلاك المجنون بالعجز، فتسقط أمام العربة الضخمة التي تجرها، ويؤدي هذا السقوط لعجزها عن سداد القروض فيؤثر هذا سلبا على المؤسسات البنكية الرأسمالية، وبالتالي على المؤسسات الإنتاجية التي تمولها تلك البنوك فيما يعرف بظاهرة الدومينو، وهكذا تتفاقم المشكلة ويحدث الركود التضخمي الذي مرت به الولايات المتحدة أكثر من مرة عبر تاريخها القصير
- تحليل جذاب، لكن ما علاقة كل هذا بمنظمة العالم الحر؟
- كيف تتوقعين أن يتقي اليمين المتطرف هذا الركود وتكرر حدوثه كل حين؟
- الحروب
- الحروب من آلياتهم الهامة بالطبع، لكن بصورة أعم يتعين عليهم إما أن يحصلوا على الطاقة والمواد الخام ومدخلات الصناعة بتكلفة معقولة من خلال نفوذ قهري على بعض عشوائيات العالم - ونحن على رأسها - أو فتح أسواق جبرية في هذه العشوائيات، أو الاثنين معا، ويحدث هذا من خلال احتلال، حروب، مناطق نفوذ، أو حكومات عميلة تنفذ ما يحتاجونه هم لا ما تحتاجه شعوبها، تعددت الأسباب والعولمة واحدة
- وبعد؟ أين الدليل على وجود المنظمة التي كنتم تتهمونها منذ لحظات
شرع "علي" يحكي لها، بادئا بواقعة حدثت في الولايات المتحدة عام 2002م، حين وقف رئيس جهاز المخابرات في دولة خليجية صديقة للولايات المتحدة ليخطب في حفل استقبال في أمريكا، ففوجيء به الجميع وهو يقول: "عام 1976، وبعد فضيحة ووترجيت، كان الكونجرس يقيد حركة المخابرات المركزية الأمريكية بقيود لا تطاق، فصارت مقيدة في تحريك الجواسيس حول العالم، وفي دفع النقود لعملائها، وكتابة التقارير السرية، كل شيء تقريبا، لهذا كونت الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية تحالفاً يجمع إمكانيات أجهزة مخابراتها، حتى تساعد المخابرات المركزية في الحرب ضد الشيوعية، فكونوا ما أسموه "نادي السفاري"، والذي شاركت فيه كل من فرنسا ومصر والسعودية والمغرب وإيران، وكان له دور رائع في الحرب الباردة وتحقق النصر الأمريكي فيها"[3]
كانت هذه الواقعة بداية طوفان من الكتابات التي تتبعت نادي السفاري وما سبقه أو تلاه من تحالفات مخابراتية بين قوى اليمين المتطرف حول العالم، فنادي السفاري لم يكن وليد لحظته، حدثت البداية الحقيقية من خلال صداقة الثنائي الملكي "فيصل بن عبد العزيز" عاهل السعودية و"محمد رضا بهلوي" شاه إيران، وثالثهما "أنور السادات" رئيس جمهورية مصر العربية، حيث اتفق الثلاثة على تحالف بين المخابرات السعودية والمصرية والسافاك الايراني لمواجهة المد اليساري في المنطقة، ويهدف التعاون لدعم الأنظمة الرأسمالية في الشرق الأوسط وعرقلة قيام أي أنظمة يسارية جديدة فيه، بل والعمل على إسقاط الأنظمة اليسارية القائمة بالفعل كلما أمكن، ثم انضم لهذا الحلف جهاز المخابرات العراقي بعد اتفاق "صدام حسين" مع كل من "فيصل" و"السادات" على ذلك، وحصولهما على موافقة الشاه[4]! برغم حساسية العلاقات الإيرانية العراقية، كان هذا في بدايات 1974، وحين قيد الكونجرس المخابرات الأمريكية كما نوه الأمير الخليجي، فكَّر يميني فرنسي متطرف هو "آليساندر دو مونارك" في فكرة نادي السفاري، واقترح على الولايات المتحدة دعم الحلف المخابراتي الذي بدأ في 1974م لمواجهة اليسار، فتكون نادي السفاري باتفاق سري في أول سبتمبر عام 1976م تحت رعاية المخابرات المركزية الأمريكية ودعمها الفني المباشر، وبدعم مادي جزئي من مجموعة أصحاب المصالح من ملوك المال في الولايات المتحدة والمعروفة بالمؤسسة الشرقية، يتممه دعم نفطي لا نهائي، وبعضوية كل من فرنسا ومصر والسعودية والمغرب وإيران، بهدف دعم المخابرات المركزية ضد القوى اليسارية في الشرق الأوسط وأفريقيا، بينما ظلت علاقة المخابرات العراقية بهذا الحلف موسمية وغير ثابتة، ثم أعد للنادي اليميني مركزا للاتصالات بباريس، ضم قاعة اجتماعات سرية ومركز اتصال دولي أسفل مطعم فاخر من مطاعم الدرجة الأولى، حتى يكون المطعم ستارا لدخول وخروج الشخصيات الهامة[5]
- و هل قاموا بعمليات مؤثرة بالفعل؟
هكذا سألت "ماري" مستفتسرة وموقفها يتحول من الاستخفاف بالفكرة إلى الإهتمام بها، فأجابها قائلاً: الأمثلة كثيرة، قمع تمرد إقليم كاتانجا في زائير ضد نظام "موبوتو سيسيسكو"، حيث أرسلت قوات مشاة مصرية ومغربية محمولة بسلاح الجو الفرنسي مع عدم التصريح بهوية القوات، إذ تم تسريب خبر مضلل للميديا يدعي أنها قوات فرنسية بلجيكية[6]! كذلك تم تخطيط وتمويل حملة تشويه الزعيم "جمال عبد الناصر" على مستوى مصر والعالم العربي بتوظيف إمكانيات صحفية وإعلامية وفنية ضخمة[7]
لم تكن "ماري" قد استوعبت ما سبق حتى فاجأها "علي" قائلاً: لكن العملين الكبيرين كانا معاهدة كامب ديفيد والحرب الأفغانية
ثم استأنف شارحا كيف تم الترتيب لكامب ديفيد من خلال النادي السري، ففي يوم 31 أكتوبر عام 1977م، توجه "السادات" لزيارة شاه إيران ليحدثه في الأمر، وتوقعا أن أمريكا ستحب الظهور كراعية وحيدة للسلام – وكانا على حق في تصورهم هذا – لهذا اقتصرت الترتيبات على مصر وإيران والمغرب، واستبعد الفرنسيون من مناقشة الأمر، ثم بدأ التنسيق مع الطرف الإسرائيلي من خلال اتصالات الشاه بمناحم بيجن مباشرة، واتفقا على تصوير الأمر بصورة مبادرة برلمانية حتى يمكن تسويقه جيدا في الغرب، فيشير "السادات" في خطاب أمام مجلس الشعب لاستعداده لمناقشة السلام مع الكنيست الاسرائيلي نفسه، ويلتقط "بيجن" طرف الخيط من هنا، فيوجه دعوة للسادات لزيارة الكنيست، وقد كان، أعلن "السادات" ما طلب منه يوم 9 نوفمبر، ووصله خطاب الدعوة لزيارة اسرائيل يوم 15 نوفمبر، واقترح فيه "بيجن" يوم 19 نوفمبر كتاريخ للزيارة، فرد "السادات" عليه في اليوم التالي بقبول الدعوة، وحدثت الزيارة المعروفة[8]
- لم يبد الأمر لي كذلك أبداً!
هكذا علقت "ماري" فأجابها: ولا بدا كذلك لأي أحد قبل تسرب حقائق السفاري من المخابرات المركزية الأمريكية ذاتها!
ثم استأنف موضحا العملية الكبرى الثانية والتي تمت بعيدة عن كل هذا، هناك في وسط آسيا وفوق جبال أفغانستان الوعرة، وهذا الجزء من مغامرات السفاري هو ما اشتهر إلى حد بعيد بعد 11 سبتمبر، فبتمويل سعودي وطاقات بشرية مصرية وسعودية، وتسليح وتدريب أمريكي، ودعم لوجيستي باكستاني، خلقت ظاهرة العرب الأفغان بهدف حصار واستنزاف السوفيت في أفغانستان، ومازال المصريون في الثلاثينات والأربعينات من العمر يذكرون اللافتات الكبيرة التي علقت بمباركة حكومية في شوارع القاهرة وعواصم الأقاليم داعية الشباب للسفر والجهاد في أفغانستان، وطرحت في الدول العربية عشرات الآلاف من الكتب والأشرطة زهيدة الثمن أو المجانية تحمل عنوانا موحيا هو "آيات الرحمن في جهاد الأفغان"[9]، ووزعت المدارس والجامعات السعودية نسخا منها على الطلاب، قبل أن يتبين للجميع أنها كانت آيات الرحمن في جهاد الأمريكان، فوصم كفاح الشعب الأفغاني لتحرير بلده بالغرض، وجر البلد النامي محدود الموارد لمستنقع الإرهاب[10] جرا فلم يخرج منه حتى اليوم، ثم انقلب السحر على الساحر، فحين انتهت الحرب الباردة، نسي الأمريكيون في نشوة النصر هؤلاء المساكين الذين تركوهم في جبال أفغانستان، رفضتهم بلادهم التي شحنتهم لآتون الموت هناك، فاعتقلت بعضهم ورفضت دخول البعض الآخر، لهذا تحول كل منهم إلى عبوة ناسفة تتحرق شوقا لهدم وتدمير أمريكا والعالم المتحضر بأسره
- أي مسرحيات أخرى قام بها جوالة السفاري؟
هكذا سألت "ماري" وعلامات الدهشة تعلو وجهها من كل ما تسمعه، فأجابها "علي" قائلا: القائمة طويلة، محاولة انقلاب فاشلة على الرئيس "أحمد سيكوتوري" محرر غينيا من الاستعمار الفرنسي، لأنه أمم الإقطاع الغيني وانتهج نهجا يساريا، ودعم نظام الديكتاتور اليميني "سياد بري" في الصومال في حركته المعروفة باسم "الصومال الكبرى" والتي أراد بها توحيد الصومال وجيبوتي وأوجادون، أي منطقة القرن الأفريقي، فساعده السفاري في حرب أوجادون ضد أثيوبيا عام 1977م، مما دعا لتدخل الاتحاد السوفيتي داعما أثيوبيا حتى لا ينجح نادي السفاري مع "سياد بري" في السيطرة على القرن الأفريقي، وكان "سياد بري" قبل الحرب قد عقد اتفاقا مع الولايات المتحدة طرد بعده الخبراء السوفيت كما فعل السادات في مصر ومزق معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفيتي، وعلى كل حال فقد لقي عقابه المناسب حين نفاه الجنرال "فارح عيديد"، تماما كما حدث للشاه في إيران![11]
- لكن في عالم اليوم ما دور هذا النادي؟
سألت "ماري" فأجابها "ديار" قائلا: النادي كبروتوكول تعاون مخابراتي بين هذه الدول لم يعد قائما، لكن شبكة مراكز الثقل الاقتصادي والسياسي التي خلقته مازالت تحتفظ بدرجة كبيرة من التنسيق فيما بينها، والمهتمون بلعبة الأمم يسمون تلك الشبكة اصطلاحا بمنظمة العالم الجديد، منظمة غير رسمية لكنها قوية بلا نهاية ومنتشرة بلا حدود، تقودها الشركات العملاقة متعددة الجنسيات على الساحل الأمريكي الشرقي، تلك التي وضعت الليبراليون الجدد و"بوش" الأب ثم الابن في البيت الأبيض، وإلى هذه الشبكة اليمينية المتطرفة تنتمي رؤوس الأموال النفطية المستثمرة في تلك الشركات بمئات المليارات، كما تنتمي إليها العديد من عروش الخليج العربي اليوم، وكذلك ترتبط بها كل الحكومات الدائرة في فلك الولايات المتحدة! وأشهر إنجازات المنظمة المعاصرة هي حرب الخليج الثانية بعد وصول "بوش" الأب للبيت الأبيض، حيث استدرجوا "صدام حسين" لمصيدته في الكويت، لتتدخل القوات الأمريكية لحماية عروش النفط ظاهريا فتحتل الخليج كله فعليا، ثم كان الإنجاز الأخير خلال رئاسة "بوش" الابن، حيث اُختلق التصعيد اللازم لاحتلال العراق في 2003، فلا كان للعراق علاقة بما حدث في 11 سبتمبر، ولا كان لديه بالطبع أسلحة دمار شامل كما أيقن العالم اليوم، لكن لديه ببساطة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في الكرة الأرضية! ولو كان البعث فقط أكثر مرونة وأقل وحشية في التعامل مع شعبه لما كانت العراق لقمة سائغة لهم أبدا
هكذا علق "ديار" فأجابته "ماري" قائلة: لقد سقط نظام "صدام حسين" بالفعل يوم اقترف كارثة حلبجة يا عزيزي، فنظام يقتل شعبه بالسلاح الكيماوي هو نظام ساقط ينتظر هبة ريح لتتم إزاحته! لكن اعذراني لو قلت أن عقلي لا يهضم ما تتحدثان عنه، مازلت أرى أن العلاقات الاقتصادية والسياسية في الألفية الثالثة أصبحت أكثر تعقيدا من إيجازها في نظرية للمؤامرة ومنظمة سرية
- ليست مؤامرة، إنما هي أشبه بمفهوم شبكة أصحاب المصلحة (stakeholders) التي تؤثر في قرارات أي شركة وتوجه الأحداث بها، فالفارق حجمي فقط، ففي حالة منظمة العالم الجديد نتحدث عن شبكة تدير العالم المعمور ذاته
- وهل أنت متأكد في ظل كل هذا أن علينا ألا نقلق؟
علقت "ماري" ضاحكة فقال "ديار" مطمئنا في لهجة مازحة: تقديري أن طيور الظلام لديها في العراق اليوم فرائسا سمينة تلهيها عن ثلة أكاديميين يبحثون في رقوق غزلان وثيران
رد "علي" مبتسما وشارد الذهن إلا قليلا: هذا يعتمد على نوع الطيور يا صديقي، وعلى درجة شبقها للدماء!

Thursday, November 27, 2008

انهيار برج بابل- 41

(41)
الطريق إلى بغداد

حال خروجهما من المطار، التقى بهما الدكتور "ديار" خبير الآثار الإسلامية مرحبا ببسمته الودودة، فاستقلا معه سيارته، و"ديار" عراقي كردي، وحاصل على درجة الدكتوراة في علوم الحفائر من فرنسا، وقد أقام بها فترة من الزمن على إثر صدام مع نظام البعث الذي كان حرصه على طمس الهوية الكردية أكثر من حرصه على وحدة العراق، في نهاية الثلاثينات، شرقي الملامح وأنيق الطلعة، وأكثر ما يميزه ابتسامة تخرج من قلب صاف فتجد موقعها في قلب من يراه، في الطريق أخبرهما بفقد أصول الكشف الأثري في حادث سطو من جهة مجهولة بالغة النفوذ والسطوة، حاول بروحه المرحة أن يخفف وقع المأساة، فالعالم الكردي الذي عركته الحياة بخبراتها – وأهمها خبرة الصدام مع البعث العراقي في عز صولته - لم تعد تهزه الملمات، ربما لهذا السبب وبفضل شخصية "ديار" كان وقع الخبر عليهما أقل من وقعه على "كاظمي" هذا الصباح، فقد طمأنهما على استمرار البحث من خلال النسخ الضوئية الدقيقة، فضلا عن ثلاثة أصول لمخطوطات من القرنين الأول والثاني كانت معه في رحلته لباريس لتأكيد أصالتها بالكربون المشع، فنجت من السطو، استأذنه "علي" في الحديث بالعربية الفصحى أو الإنجليزية حتى لا تجد زوجته صعوبة في متابعة الحديث باللهجة العراقية، فاختار "ديار" الفصحى وعقب مازحاً: أم أنك صدقت دعايات البعث التي تتهم الأكراد بكراهية اللغة العربية ورفض الحديث بها؟ ربما كان هذا رد فعل على حظر القومية الكردية واللسان الكردي زمن البعث، لكن الموضوع ليس عنصريا، وكيف نرفض العربية ولغتنا الكردية تكتب بحروفها؟ لي صديق شاعر من الموصل يكتب الشعر بالعربية والكردية بنفس الطلاقة والبلاغة
فأجابه "علي" الذي استطاع أن يسيطر على مشاعره المضطربة منذ حلمه الكئيب على متن الطائرة، فقال: تعجبني الكتابة الكردية، أراها عملية لغياب التشكيل والاستعاضة عنه بحروف ومقاطع، فهي ميزة كبيرة خاصة في زمن الآلة الكاتبة ثم الكيبورد، حيث تصبح الحركات العربية مرهقة جدا
- ومع ذلك تبقى لانسيابية الحروف المتصلة في الخط العربي قيمتها الجمالية، فقد أتاحت طيفا من الخطوط الفنية يصعب تطبيقها في الكردية لكثرة مقاطعها
بهذا أثنى كل منهما على حضارة الآخر بغير عناء، فعندما يتحدث الناضجون من أبناء الحضارات المختلفة، يترك كل منهم مهمة الاطراء على حضارته للآخر، فضلا عن عدم نقد الآخر بغير حرص ولباقة
كانت هذه أول مرة يزور فيها "علي" فضلا عن "ماري" كردستان العراق، فأخذ "ديار" يشرح لهما نبذة من تاريخ آربيل الذي يعود لألفي عام قبل الميلاد، منذ كانت تحمل الاسم السومري القديم آربيلوم، وقبل أن تحور لأصلها الآرامي آربيلا، أما اسمها الكردي، هاولِر، والذي يكتب بالكردية "هه.ولير" فمعناه معبد الشمس، نظرا لدور الشمس الرائد في العقائد الزرادشتية ثم الإيزدية التي اعتنقها الأكراد لقرون طويلة قبل انتشار الإسلام في القرن التاسع الميلادي، ومازال بكردستان أقلية إيزدية حتى اليوم، فضلا عن أقلية آليفية[1]، والطائفتان تمارسان شعائرهما وحياتهما بحرية تامة في ظل الحكم المدني الحالي .. سألته "ماري": هل تصنف العقيدة الآليفية كفرقة من العلوية أم كعقيدة منفصلة؟
- الآليفية في تقديري نتجت من تزاوج الفكر الديني العلوي مع الفكر الديني الإيزدي، فمن الإيزدية أخذت النزعة الإنسانية واحترام الآخر والتطهر السلوكي وتقديس العمل كأعلى مراتب العبادة، ومن العلوية أخذت شخص الإمام "علي" كنموذج تاريخي لهذا السلوك القويم، وبعض روحانيات الفكر الصوفي، من "محيي الدين بن عربي" تحديدا، لكنها لا علاقة لها بالعبادات الإسلامية من قريب أو بعيد، فمن الصعب أن نعدها فرقة مسلمة على حالها اليوم، أما العلوية فتنويع من الشيعة الإسماعيلية في رأيي، نتج عن الطبيعة الجغرافية في سوريا والعراق، ومن امتزاج الفكر الديني الإسماعيلي بالفكر الديني النسطوري المسيحي أولا، ثم الفكر المسيحي الغربي خلال الحروب الصليبية
- وأنت يا "علي" ما رأيك؟
سألته "ماري" وهي تتجه إليه بنظرها لتكتشف شروده، ولتلاحظ عودة السحابة القاتمة لمحياه ثانية، وبدا غير متابع للحديث فاعتذر عن ذلك قائلا: عذرا، كنت أفكر في واقعة الاستيلاء على الوثائق، وعن دور الحكومة المؤقتة فيها
- دور المنفذ فقط، فهناك قوتان يفيدهما اختفاء الوثائق، الليبراليون الجدد في أمريكا أولا والمحافظون الإيرانيون ثانيا، فالليبراليون الجدد يريدون المقاومة العراقية مشغولة ومشلولة بالصراع الطائفي، والموارد العراقية مرتهنة في حرب الارهاب، أما الإيرانيون فيهمهم ثبات المذهب الإثنى عشري بالشكل الذي كرسوه، فهو آليتهم للهيمنة وكبت التيارات الإصلاحية في إيران، كذلك يهمهم بقاء الوضع مهلهلا في جنوب العراق، حيث يلوون ذراع أمريكا من خلال قواتها المرتهنة هنا للإفلات بمشروعهم النووي
هكذا أجاب "ديار" فعلقت "ماري" قائلة: هل تعتقد بحق أن هناك تراث ديني يمكنه أن يوقف حربا طائفية؟ حتى يعتقد الأمريكيون بخطورة المخطوطات على وجودهم في العراق ونفوذهم النفطي
فأجاب "ديار": دعنا ننتظر حتى يحدثكم "كاظمي"، فهو أقدر على شرح فكرته
استغرقت المسافة بين آربيل وبغداد قرابة الأربع ساعات بسيارة الجر الرباعي التي قادها "ديار"، كانت خطة سفرهم لبغداد بالطائرة قد ألغيت بسبب تعطل الطيران بين آربيل وبغداد لظروف أمنية، فكان خيارهم أن يقصدوا بغداد رأسا عن طريق البر توفيرا للوقت بدلا من قضاء الليلة في آربيل انتظارا لمواصلة الطيران غدا، وفي الطريق استمر الحوار، فأدلى "علي" برأيه في نظرية "ديار" في القوى التي تفيد من اختفاء المخطوطات قائلا: أوافقك على الجبهة الأمريكية كصاحبة مصلحة مباشرة، لكني أستبعد إيران لأن المخطوطات لو ضرتها مذهبيا تفيدها سياسيا، فتصاعد المقاومة العراقية وانخفاض موجة الإرهاب الطائفي يفيدها بزيادة الورطة الأمريكية في العراق، والتي تجعل حصول الإدارة الأمريكية على موافقة الكونجرس على عمل عسكري ضد إيران شبه مستحيل، وأضيف للقائمة بدلا منها القوى الوهابية، فلو كانت هذه المخطوطات أصلية فستكون بمثابة الضربة المنهجية القاصمة للفكر الوهابي
- وأي ضربة يا صديقي! محتوى الوثائق يبرز مبدأ حرية العقيدة ومسئولية الفرد المسلم الكاملة عن أعماله، ويقنن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار بعيد جدا عما صاغته الوهابية، ويبرز فوق كل هذا دور التكافل والتضامن الإجتماعي كركيزة لبناء مجتمع مسلم
- ضع نفسك مكانهم إذا، لقد أنفقت المليارات لخلق نفوذ إقليمي للوهابية، وبالتالي خلق استعداد للتبعية وتبني النمط الحياتي الذي يخدم مصالح اليبراليين الجدد، فهم من يزعم الوهابيون أن الإسلام يوافق منهجهم وفكرهم الاقتصادي المستغل
علقت "ماري" على طرح زوجها قائلة: ليس للقوى الوهابية القدرة التنظيمية واللوجيستية لعمل كهذا الذي سمعنا تفصيله لتونا!
- لم أقصد أنهم نفذوا الجزء السابق من المؤامرة، لكنني أنتظر لهم دورا في مرحلة قادمة، تنظير ديني يكذب محتوى المخطوطات .. دعم مالي لحملة علاقات عامة ودعاية عالمية لبث الشكوك حول المخطوطات والمشاركين في الكشف، وقد يحتاج الأمر في النهاية لفتوى تهدر دمنا جميعا، وتنفذ بيد شاب متطرف لا يعي من كل هذا حرفا، كل هذه أمور لن يقوم بها الليبراليون الجدد بأنفسهم
- أعتقد أنك ضخمت الأمر كثيرا
- من يمكنه تجنيد موظفة بحجم سيدة اليونسكو يمكنه الكثير، نحن نواجه جبل الجليد عند قاع المحيط هذه المرة يا سادة
هكذا رد "علي" قبل أن يمد يده فيحيط عنق "ماري" ويقرب رأسها من فمه ليهمس في أذنها قائلا: لا تخافي يا حبيبتي، فلولا يقيني أنك ستكونين بكل خير ما كنت معنا الآن
سألته عن سبب يقينه، فكر أن يحدثها عن شعوره القاهر حين دعاه "كاظمي" للعراق بضرورة اصطحابها معه، ثم عن حلمه الذي كان نذيرا وبشيرا معا، لكنه خشي إزعاجها أولا، وخشي كذلك نقدها لتفسير أحلامه لا كعادم للعقل الباطن كما اعتادت أن تقول ولكن كرسالة روحية، لم يجد جوابا يهرب به من الموقف كله، فنظر إليها وأجابها بنظرة حنون ردد معها مقطعا من أغنية لفيروز يقول "سنرجع خبرني العندليب غداة التقينا على منحنى .. بأن البلابل لما تزل هـناك تعيش بأشعارنا .. ومازال بين تلال الحنين وناس الحنين مكان لنا"

انهيار برج بابل- 40

(40)
ثقافة الموت
نظر "فريد" إلى شاشة هاتفه المحمول ليجد الرقم يشير لمكتب اليونسكو الإقليمي في "بيروت" فأجاب رغم شعوره بعدم الرغبة في محادثة أي مخلوق، لكنه أدرك أن الاتصال لابد مرتبط باستقالته، وكما توقع، أتاه صوت مدير المكتب الإقليمي ليخبره أن بريده أشعل النار في المركز الرئيسي في باريس بسبب حجم الكشف والطريقة البوليسية التي تم الاستيلاء بها على المخطوطات، وأن مؤشرات التحقيق توحي مبدئيا بحالة فساد بطلتها هي من هاتفته وأرسلت له بريدا تطلب فيه تسليم المخطوطات، فقد استغلت منصبها الكبير لتساعد جهة مجهولة في الاستيلاء على كشف حضاري بالغ الأهمية، وفهم منه أن التحقيقات مستمرة، لكن أحدا في اليونسكو لا يعرف أين ذهبت الوثائق، وظاهر الأمر أن المتآمرة لم تتوقع رد فعل "فريد" العنيف، بل ظنت أنه سيمرر الريح، على هذه الملحوظة علق "فريد" بصوت غلبته الدهشة من جرأة المرأة على ارتكاب جريمتها، فقال: غبية .. لو كنت أعرف كيف أمرر الريح لكنت مكانها منذ عقد من الزمان يا صديقي
- كلنا نعرفك يا رجل، وهذه ليست أول أزمة لعلماء اليونسكو مع عملاء السياسة والمخابرات، كن واثقا أننا جميعا معك، وافعل ما يمليه عليك ضميرك كعالم تحت مظلة اليونسكو، سيشرفنا هذا جميعا، لهذا سأعتبر أنك سحبت الاستقالة، وأعدك أنني لو لم أتمكن من الوفاء بهذا فسنستقيل معا، نحن في العراق لنحافظ على تراثه لا لنسرقه أو نطمس تاريخه، ولن أقبل غير هذا
شكره "فريد" على موقفه المنتظر من عالم مثله، لكنه اعتذر بأن ما سيفعله يتضمن اطلاعا مكثفا للميديا العالمية على الموضوع، وأن الوقت لا يحتمل دورة الموافقات والاجراءات حتى يتم هذا تحت مظلة اليونسكو، عليه العمل بسرعة بعد ما حدث، فلو كان الموضوع مهما لدى من رتبوا المؤامرة لدرجة طائرة خاصة وعربات مدرعة تحرسها كتيبة من الجنود، فكل الاحتمالات واردة لمحاولة خنق الموضوع والتكتم عليه، عندها سأله محدثه: هل لديك أي خيط قد يساعد لجنة التحقيق على تحديد الجهة التي استولت على المخطوطات في حال رفضت تلك المرأة الإفصاح عمن وراءها في التحقيق الجنائي؟
- لا أتوقع أن يتم تحقيق جنائي، سيصفى الموضوع بعزلها من منصبها، ثم تمارس الجهات السياسية تهدئة للأمور حتى تمر الأزمة بسلام، الأعصاب الباردة التي ارتكبوا بها فعلتهم، وسطوتهم على الحكومة العراقية لتخرج تصريحا بنقل المخطوطات الأثرية للخارج، كل هذا يشي بالفاعلين يا صديقي! ليسوا من عصابات الشوارع في بروكلي على كل حال، سأرسل لك صورة ضوئية من الإذن الصادر من الحكومة العراقية المؤقتة، ربما تكون الحكومة العراقية هي طرف الخيط لتحديد الجهة الفاعلة، وإن كنت أظنها جهة لن يملك أحد وضعها في قفص اتهام!
في هذه اللحظات كان "علي" يفيق من نومه فجأة على ارتطام عجلات الطائرة الشديد نسبيا بأرض المطار، نظر لزوجته بجواره فوجدها تتأمله وعلى وجهها إمارات الخوف وتقول: لم يكن حلما، حاولت إيقاظك أكثر من مرة .. فأدرت وجهك نحوي مغمض العينين وابتسمت وأنت تربت على ذراعي بيدك، ثم تحركها بإشارة لأهدأ قليلا، كنت أشبه حالا بمرضى الصرع النفس-حركي، وكنت تتمتم بكلمات لم أتبينها!
هكذا حدثته بالانجليزية مندفعة بسرعة شديدة كعادتها حين تتوتر، فابتسم لها بسمة من يسترخي بعد إرهاق طويل وإن لم يغادر طائف غامض من الحزن ملامحه وقال: لا تفزعي، قد يكون آخر الأحلام على كل حال
قام معها عندما توقفت محركات الطائرة بحركة آلية، لقد رسخ في نفسه أن في الحلم إشارة لموته هو، ولدور غامض تلعبه "ماري" في وصول رسالة منه للعالم .. أو إتمام رسالته بطريقة غامضة، ثم شرد قليلا في ذكرى موت والده ووالدته التي داهمته فجأة، تذكر يوم هبط للقبر مع جثمان والده الراحل وساعد حفار القبور على وضع الجثمان مقتبلا القبلة، ثم نثر الرمال الطاهرة على الكفن رمزا للدفن، حين فتح الكفن عن وجه والده ليقبله شاعت في جسده رعدة حزينة، فقد امتص الموت سخونة الجسد وتركه باردا كقطعة من حديد في برد الشتاء، حين خرج من القبر لفح الهواء ظهره الذي تعرى من قميصه لفحة شديدة، فشعر بأن ظهره أصبح عرضة للرياح بموت أبيه، ثم تذكر قصة قبر والدته مع الريحان الأخضر، كان وأخته يجدان عيدانا من الريحان مشبوكة في باب قبرها الحديدي كلما زاراها، واستمرت الرياحين لعدة أشهر بعد الوفاة، كلما ذبلت بدلها من وضعها بأخرى خضراء! لم يكن لوالدته أقارب ولا أصدقاء أحياء في تلك المدينة التي توجد بها مدافن أسرتها! فمنذا يهتم بقبرها من بين كل القبور؟ لسبب ما تذكر كف والده الكبيرة القوية، كانت كفه الطفلة تطمئن فيها حين يسير معه على النيل بعد الفجر، ثم قذفته الذكريات لحضن أمه الدافيء أبد الدهر، وكيف كان يتسلل صبيا من فراشه في ليالي الشتاء ليرمي بنفسه في أمان حضنها، فليرحمهما الرحمن كما ربياني صغيرا وآزراني كبيرا! .. هكذا فكر "علي" وهو يسير بممر الطائرة، ثم اقتحمته عبارة "ماري" وهي تقول "في اليوم الثالث يقوم من بين الأموات" .. إنها عبارة المجدلية التي صرخت بها في وجه قيصر بعد صلب المسيح في التراث الديني المسيحي، فمن كانت تعني ماريته هو؟ لم تكن تعني المسيح بكل تأكيد؟ ولماذا تحتل عقله منذ الأمس أحداث الهوان العربي وذكريات موت الأحبة؟ أهي رغبة في تعذيب الذات؟ أم شعور بدنو الأجل؟ هكذا كان يفكر حين ركبا الأتوبيس الداخلي الذي نقلهما لصالة الجوازات في مطار آربيل الدولي، وقف في الطابور الطويل يتأمل رجال الجوازات ببدلهم العسكرية النظيفة، ويراقب من بعيد إجراءات تفتيش الأمتعة الصارمة، يقوم بها شباب كردي متحمس لحماية وطن عزيز حازه بعد قهر السنين ومآسي دامية كمأساة الموت الكيميائي في حلبجة، تذكر مقطعا من قصيدة لنزار قباني يقول "مواطنون نحن فى مدائن البكاء .. قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء .. حنطتنا معجونة بلحم كربلاء .. طعامنا، شرابنا، عاداتنا، راياتنا .. زهورنا، قبورنا، جلودنا مختومة بختم كربلاء .. لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء .. معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا .. معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا .. معتقلون داخل الحزن .. وأحلى ما بنا أحزاننا"
كانت زوجته فزعة منذ رأته يتفصد عرقا أثناء نومه، وزاد من روعها وجهه الذي خيمت عليه سحابة سوداء لم ترها قبل اليوم أبدا، سألته أكثر من مرة خلال الساعة الماضية عما به، فأجاب بأنه مرهق، فمصارحتها بخاطر الموت الذي سيطر على وجدانه كانت قسوة تتجاوز قدرته

انهيار برج بابل- 39

(39)
دموع التاريخ


الدكتور "فريد حسني" مدير برنامج اليونسكو للحفاظ على التراث الإنساني في العراق، يجلس مطرقا على الفوتيه الجلدي في غرفة مكتبه، وعلى وجهه علامات الحيرة والانزعاج، في منتصف العقد السادس من العمر، تختلط فيه ملامح الوجه الشرقية التي ورثها عن والده المصري بصراحتها وطيبتها، بلون بشرة فاتح مشرب بحمرة وزرقة عينين صافيتين ورثهما عن والدته الإنجليزية، يجلس قبالته الدكتور "كاظمي عبد الأمير" بجسده الممتليء في بدلته الزرقاء ورأسه الأصلع اللامع، ووجهه الناطق بهوية جنوب العراق، يزيد من وضوح ملامحه حادة الخطوط شارب سميك خالطت سواده بضع شعيرات بيضاء، تعكس ملامح وجهه انفعالا واضطرابا هو الآخر وهو يقطع لحظات الصمت قائلاً: لكنها جريمة ضد الإنسانية كلها! لمصلحة من يطمس هذا التراث؟
يبتسم "فريد" بمرارة المطلع على باطن أمور لا ترضيه وهو يقول: دناءات السياسة مصرة على حرمان البشرية من تاريخها الحقيقي، والأذرع الظلامية تبرز وتخفي في تراث الإنسانية كيف شاءت ووفقا لتوجهات الكبار، قد يكون الأمر جديدا عليك، لكن صدقني يا عزيزي، حتى التاريخ الذي يدرسه الأطفال في المدارس توجهه المؤسسات المالية العملاقة خلف المحيط، تلك هي حقيقة عالمنا، لكني أظنهم هذه المرة أرادوا حرماننا من المخطوطات بسبب أمر آخر، تفهم ما أعنيه
- تعرف كل هذا، فلماذا أعطيتهم الأصول
- الأصول كانت معي بصفتي الوظيفية، ومن حق الإدارات العليا أن تطلبها لتحفظها في مكان آمن، خاصة في ظروف الحرب الحالية
- لكنه تراث عراقي! والحكومة العراقية لم تسمح ..
- كان معهم مندوب رسمي من الحكومة، وطلب مني بيانا مكتوبا بالمحتويات ليرفقه بإذن مختوم يسمح بسفر المخطوطات خارج العراق بطريقة شرعية تماما، وما أن تركوني حتى أتاني بريد الكتروني يطلب إغلاق الموضوع تماما وحتى إشعار آخر، وخبرتي تقول أنه لن يكون هناك إشعار آخر، فقد وصفوا المخطوطات في كل المكاتبات والبريد الإلكتروني بالمخطوطات الآشورية، وهذا يعني أنهم ينوون التعتيم الكامل، فلو حاولنا طرح الموضوع على الرأي العام العالمي سينكروه ويتهمونا بالجنون، ويثبتوا بهذه المكاتبات أن ما سلمناه لهم كان مجرد نصوص آشورية مكررة، قيمتها التاريخية محدودة!
- آثار آشورية يعثر عليها في سامراء؟!
- سيدعون أننا وجدناها في شمال العراق، أو في خبيئة حديثة في سامراء نقلت إليها من مكانها الأصلي، لن يعضلهم ذلك، فالكذب حرفتهم
هكذا رد "فريد" قبل أن يشعل سيجارة فينفث دخانها بغيظ واضح، غيظ من تعرض لهذه الأمور أكثر من مرة حتى فاض الكيل، ففي اليوم السابق، جاءته مكالمة هاتفية من أحد قيادات اليونسكو- الهيئة الدولية التي ترعى الثقافة والتراث الإنساني- طالبة منه أن يسلم أصول المخطوطات المكتشفة إلى لجنة تصل بغداد بعد الظهر، وتزوره في مكتبه في حراسة قوات أمريكية لاستلام المخطوطات، لأن الوضع في العراق ليس آمنا للحفاظ عليها، وحين طلب "فريد" الانتظار حتى تضطلع عليها خبيرة الحجازية القديمة وأستاذ متخصص في تاريخ الفتنة الكبرى يصلان للعراق ظهر ذات اليوم، أجابته محدثته بأن بإمكانهما الاضطلاع على نسخة ضوئية، ثم أضافت أن الأمر أتاها من جهة أعلى وغير مطروح للنقاش، وأن مكاتبة بهذا الأمر ستصله كتابيا على بريده الإلكتروني خلال لحظات، وأكدت عليه ألا يطلع كائنا من كان على أمر التسليم حتى تغادر المخطوطات العراق مع اللجنة بطائرة خاصة أعدت لذلك! .. عندها أيقن أن النية مبيتة لقتل الأمر تماما، وأن عينا لن تقع بعد اليوم على تلك المخطوطات، فكر في الرفض والتمرد، لكنه عاش عمره كله رجل واجب وشرف مهني، والمخطوطات ملك الحكومة العراقية التي وافقت واليونسكو الذي أصدر الأمر، فكيف يمنعها عنهما؟ لهذا كان عليه القبول بالأمر الواقع وشعور بالقهر يزلزله، قهر عالم تكبله ألاعيب السياسة والنخاسة، وزاد من قهره ما خطط له مع "كاظمي" و"ديار" من توظيف المخطوطات لإعلان السر الذي أثقل ظهر "كاظمي" في الشهور الأخيرة .. وقبل حلول الليل، كانت طائرة خاصة تقلع من مطار بغداد وعلى متنها المخطوطات التي أنفق عاما كاملا مع الدكتور "كاظمي" والدكتور "ديار" للحصول عليها ثم فك طلاسمها وسبر أغوارها! كان يحتاج لمشاورتهما في الكارثة بأسرع وقت، لكنه لم يهاتفهما إلا في صباح اليوم التالي التزاما بواجبات وظيفته وحفاظا عليهم، فمن يدري ما عاقبة أن يعرف أحدهما بالأمر في الوقت الخطأ؟
كان الصمت قد طال بينه وبين "كاظمي"، لهذا قام الأخير يهم بالذهاب لمنزله، وخبر اغتصاب أصول كشفه التاريخي مازال على عتبة دماغه لا يريد أن يدخلها، أو لا يريد هو أن يفتح له الباب فيدخل حتى لا يموت كمدا، فهو خبر يعني تداعي الكثير مما خطط له، فقد كانت خطته هي توظيف هذا الكشف الأثري لخدمة هدف أكبر، هدف من أجل هذا البلد المنكوب بواقعه الدامي، لهذا فهو يحتاج لشيء من الوقت والعزلة ليستوعب ويرتب البدائل، كان منظره وهو يقوم مهزوما من مقعده يوحي بأنه شاخ عشر سنوات في اللحظات الماضية، لهذا نظر له "فريد" نظرة فاحصة قبل أن يستوقفه بكلماته: لا تعتقد أني فعلت هذا حرصا على وظيفة، التزامي الوحيد كان واجبي الرسمي، تمويل الكشف جاء من اليونسكو، وعقدك معهم يحفظ السبق العلمي لك ولمجموعتك، والتراث الإنساني المكتشف للعراق ممثلا في حكومته، ويحفظ حق إدارة الآثار والتصرف فيها لليونسكو، وبهذا يكون حفظ الوثائق من اختصاص الحكومة ثم اليونسكو، وكلاهما طلب نقلها خارج البلاد
هز "كاظمي" رأسه متفهما في تبرم وإحباط من الأمر كله، ولما هم بالتوجه نحو الباب أوقفته كلمات "فريد": أرسلت استقالتي فجر اليوم، استقالة مسببة احتجاجا على غلق ملف المخطوطات والحصول عليها بنية اخفائها، وأرسلت صورة من بريد الاستقالة الإلكتروني للعديد من وكالات الأنباء العالمية ومعه صورة إلكترونية من المخطوطات، وطلبت عقد المؤتمر الصحفي الذي كنا نخطط له، من حق البشرية أن تعرف ما لدينا بأي ثمن
استدار "كاظمي" متجها نحو "فريد" وهو ينظر إليه بود بالغ، جلس أمامه واضعا يده على ساعده، كأنه يعتذر عن لحظات أساء فيها الظن به، فاستمر "فريد" في حديثه: هناك الصور الضوئية، وهناك جزء من المخطوطات الأصلية مع "ديار" منذ عاد من رحلة فرنسا، وهذا يكفي لعقد المؤتمر، فالمعركة لم تنته بعد، متي يصل صديقك المصري وزوجته؟
- اليوم، و"ديار" ينتظرهما في مطار آربيل
- الخطر يتزايد ومن حقهما أن يعرفا بجلية الأمر، فليحدثهما "ديار" بكل شيء ليشاركا لو قررا المشاركة على بينة من أمرهما، أو على الأقل يطلعهما على الاستيلاء على المخطوطات ليدركا وجود خطر ما في تلك المهمة
أشار "كاظمي" برأسه موافقا على ما قاله صديقه قبل أن يقوم من مقعده ثانية، ثم يشد "فريد" من كتفيه فيضمه لصدره ويعانقه، وانحدرت دمعة من عينيه لفرط تضارب مشاعره بين الأسى والحب والأمل وشعور بالقهر الذي تعرضا له معا، وتعرضت له حقائق الماضي في المخطوطات وحقائق الحاضر في الوثائق! كانت دموعه كأنها .. دموع التاريخ
...

Friday, November 14, 2008

انهيار برج بابل- 38


(38)
يوم الظلمات

الأحد، الثالث والعشرون من سبتمبر
بعد منتصف ليلة السبت، الثاني والعشرين من سبتمبر، أقلعت من مطار دمشق الدولي طائرة خطوط الزوراء العراقية من طراز يوشن-18 روسية الصنع، متجهة نحو كردستان العراق، حاملة على متنها خليطا متباينا من مختلف الجنسيات والأعراق، كان هناك عراقيون يتحدثون اللغة الكردية، وآخرون يتحدثون العربية بلهجة جنوب العراق، واثنان في نهاية الطائرة تسمع منهما السريانية، فضلا عن عدد من المواطنين السوريين بدو كمجموعة واحدة في مهمة، وفي الصف الثالث من صفوف الطائرة متوسطة الحجم جلس "علي" على الكرسي الخارجي جهة الممر وإلى جواره زوجته، كلاهما ممدد ومغمض العينين في هذه الرحلة الليلية، نامت "ماري" ورقدت فوق ساقيها رواية بوليسية، من نوع خفيف سلس تفضله في السفر لتزجية الوقت مع عدم إرهاق العقل، وإلى يسارها جلس "علي" مغمض العينين، مستيقظا كما هو ظاهر من تمتمة شفتيه بغير صوت كعادته إذا اندمج مع أغنية يطرب لها، إذ كانت سماعات جهازه الصوتي في أذنيه، وصوت "أم كلثوم" يتدفق بقوة في وجدانه وهي تشدو: "بغداد يا قلعة الأسـود .. يا كعبة المجد والخلود .. يا جبهة الشمس للوجود" .. اختلجت عيناه لذكر قلعة الأسود التي يزورها اليوم محتلة، إنها زيارته الثانية للعراق تحت القتام، ومازال عقله منذ أقلعت الطائرة يسترجع كل حلقات المأساة منذ عام 1991م وحتى اليوم، إذ نجحت أمريكا في التسعينات ثم في الألفية الثالثة فيما فشلت فيه في الستينات، يوم حاولت توريط العراق في غزو الكويت عام 1961م، تحت حكم "عبد الكريم القاسم" الداعم لسياسة الأحلاف، فطالبت العراق يومها بضم الكويت رسميا وبدأت حشود عراقية تتحرك صوب الحدود الكويتية، ونشطت معها أساطيل أمريكية في المتوسط لتكون على مقربة من الأحداث تماما كما حدث في 1991م، لكن في الستينات كان للوطن العربي قائد ذو رؤية نافذة ونفوذ قومي، فمنع الكارثة قبل وقوعها، تدخل "جمال عبد الناصر" بثقل زعامته الشخصية وثقل مصر الذي كان إقليميا فحسم الأمر، مثنيا "القاسم" عن عزمه الأخرق ثم مسقطا نظامه الموالي للإمبريالية العالمية بيد الشعب العراقي نفسه، تدخل "عبد الناصر" لأنه كان يرى بعين القائد كل الكوارث التي حدثت فيما بعد منذ غزو الكويت وحتى اليوم، وأولها تواجد عسكري أمريكي مباشر في خضم النفط العربي من الخليج للعراق
هكذا حدث نفسه وهو يخرج من حقيبته السوداء الصغيرة علبة لبان النيكوتين، يتذكر تعليق "ماري" على هذه العلبة فينظر لوجهها الحالم المستلقي بجواره في وداعة طفلة، فهو يذكر أنها قالت له حين ابتاعها: لا أحب هذه العلبة، تجعلني أراك ضعيفا متلهفا على جرعة من عقار
- التدخين هو الرفاهية الوحيدة التي سمحت لنفسي بها
- ليس رفاهية بل لعنة، ثم لماذا تمنع نفسك من الرفاهية، وأين يتبخر دخلك من الجامعة ومن إرثك وعائد بيع كتبك ومقالاتك؟
نظر إليها يومها مبتسما، ثم أطرق بوجهه نحو الأرض، واضطر أن يلمح لها عن الحقيقة حتى لا تظن به الظنون، فقال بتورية ظاهرة المعنى: من ملك الله في ملك الله
فهمت ما يعنيه يومها، فربتت على كفه بحنان، فقد كان المناضل الاشتراكي حريصا على تطبيق أفكاره على نفسه بأقل تقدير، تذكر "علي" ذاك الحوار وهو يمضغ لبان النيكوتين ليهدأ الصداع برأسه، ذلك الصداع السخيف الناجم عن سحب النيكوتين من خلاياه، ثم داعب أزرار جهازه ليبدل النشيد الوطني بموسيقى هادئة تناسب الاسترخاء وتمدد في كرسيه، ومرت دقائق بطيئة سمع فيها نبض قلبه المنتظم، حتى شعر بثقل في جفنيه، فرحب بالكرى لقتل الوقت، لكن النوم لم يقتل الوقت وحسب!
...
أرى عسكرا فيه الراكب والراجل، يتقدمه فارس في وجهه شبه بمالك الأشتر، أكاد أقسم أنه "ابراهيم بن مالك" دون غيره، فعدا وجه أبيه وبسطة بنيانه، ورث الولد من والده هيبة تجلله في غير كبر، وأرى بجواره راجلا يأخذ بمقود فرسه ويجد السعي بخطوات حثيثات، توحي ملابسه بتقشف زاهد، لكن اتقاد عينيه يوحي بذكاء السياسي، يمر بي الركب فأسير قرب الرجلين، وأسمع الفارس يدعو الراجل لركوب فرس أو العودة، فيجيبه الراجل بعبارة مميزة: "أحبُّ أن تَغْبَرَّ قدمايَ ساعة في نصرة آل محمّد"[1]
إذن فالراكب هو بحق "إبراهيم بن مالك" والراجل بجواره هو "المختار بن أبي عبيد"[2]، الثائر الذي أنصف آل بيت النبي مضطلعا بثأرهم، هكذا تخيلتك دائما يا "مختار"، هكذا رأيتك بعين خيالي كلما قرأت عنك .. ليث حزين، كانت حركتك ثورة للحق والحقيقة، وغضبة على الجور والبهتان، فكافأتك الأقلام المؤلفة جيوبها بالنكران حينا وبالتشويه أحيانا! زعموا أنك ادعيت النبوة ودعوك بالكذاب! وزعموا أنك قمت طمعا في حكم الكوفة، وافتروا عليك أنك من السبئية! والله عليم بالقلوب رغم ما يفترون، ويذكر الزمان لو نسوا يوم فجع المسلمون بقتل سبط النبي وآله في الطَّف، وكنت أنت يا ربيب حجر "علي بن أبي طالب" سجينا في الكوفة، سجنك "عبيد الله بن زياد" مع من سجن من الموالين للحسين ليمنعكم من الخروج لنصرته، وأتاك في سجنك نعي "الحسين"، فزلزل النبأ المشئوم قلبك، وقهرك الغبن حتى النخاع، ويذكر الدهر لو نسي البشر قسمك ألا تهنأ بعيش حتى تنهض بثأر السبط المغدور، وتخرج من محبسك بوساطة صهرك "عبد الله بن عمر"، فتقيم في مدينة النبي ترتقب الفرصة لتبر بالقسم، لكن قدر الله كان أعجل "ليزيد بن معاوية" من ثأرك، فمات ورفض ابنه "معاوية" الثاني ولاية عهده واعتلاء كرسي خلافة جاءه ملوثا بدم آل البيت[3]، واستقل "عبد الله بن الزبير" بالحجاز والعراق، وولى على الكوفة "عبد الله بن مطيع"، فخرجت يا "مختار" إلى أصحابك وثقاتك فيها، ووافقته في ذلك يا "ابراهيم بن مالك"، طلاب ثأر لا طلاب حكم، فعزمتما على القيام لثأر الحسين، بعد أن أخفقت ثورة التوابين[4] في النهوض به، وفي تلك الليلة الحالكة من عام 687م، صحت الكوفة من نومها على الثوار يحملون المشاعل ويجرون في شوارعها يدعون الناس بدعوة الحق، هادرين بشعار ثورة "المختار" الذي رحبت به القلوب: يالثارات الحسين .. يالثارات الحسين، وتمكن الثوار من الكوفة وغلبوا حاميتها، وقامت دولتك يا "مختار" فيها، وأنصفت الموالي من من الفرس والترك وغيرهم من الجور الأموي الذي ميز العربي على الأعجمي بنعرة قومية، فاتبعك الموالي من العجم والمهمشون من العرب، وخرجت من قاعدة الكوفة لتبر بالقسم الكريم، فقتلت "شمر بن ذي الجوشن" الذي ضرب عنق سيد الشهداء، وقتلت "أبجر بن كعب" الذي كشف ستر السيدة "زينب" في كربلاء وشرم أذنها ليسلب قرطها، وكذلك ذبحت "إسحاق بن حوية" الذي سلب قميص "الحسين" بعد موته، وهأنذا أراك و"ابراهيم" على رأس جيش جيشته للنيل من "عبيد الله بن زياد" فأمكنكم الله منه بفضله فأرديتموه
...
تتغير صورة الراكب فوق الفرس، فأرى "المختار" معتليا جوادا وهو في زي من جلد مدبوغ غير ما كان عليه منذ قليل، لا يبدو في معركة، فليس في يده سيف ولا رمح، لكن أمامه جمهرة من الرجال كأنهم تكالبوا على رجل وسطهم، والرجل يصرخ طالبا الرحمة، ثم يندفع من وسط هذه الجمهرة والنيران تشتعل في ثيابه، يكاد قلبي ينخلع من صراخه المحموم، ثم تصل لأنفي الرائحة الخانقة لاحتراق جلد بشري، فأشعر بانقباض يعصر معدتي، وتجتاحني رغبة في القيء، لابد أنه "حرملة بن كاهل"، الرجل الذي أحرق قلب "الحسين" على فلذة كبده "عبد الله" الرضيع الذي لم يبلغ العام، فرماه بسهم وهو على ذراع أبيه في كربلاء[5]
...
تهبط على عيني غشاوة سوداء، بل هو الليل قد أرخى على الصحراء سدوله، أرى على بعد خطوات مني جماعة من الرجال تحلقوا حول نار، وحين أقف على بعد خطوات منهم، أرى وسطهم وجها وضيئا أعرفه بسيماه، النبل والكرامة والجلد وقد تجسدت تمشي على الأرض، هو سبط رسول الله، وخيط دمه في الأرض، "الحسين بن علي" سيد الشهداء، فلابد أنها تلك الجلسة في صحراء كربلاء ليلة المأساة الكبرى، ليلة الطف وما جرى فيها، ويالهول ما جرى فيها! هو اجتماع السبعين رجلا من آل "الحسين بن علي" على ظمئهم ليلة المعركة، بعد أن منع عنهم جيش "عبيد الله بن زياد" الماء، أقترب فأجلس على مرمى حصاة من الجلسة المباركة، لم يسمع وقع أقدامي على الحصى أحد ولا رآني أحد، لقد اعتدت هذا على كل حال، يصلني صوت سيد الشهداء رخيما مطمئنا، كأنه لا يوقن أن موعده مع جيش البغي هو الغد، وأنه مقتول فيه لا محالة، فأسمعه يقول "لا أعلم أصحاباً أوفى من أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً خيراً، إني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل غشيكم فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو أصابوني للهوا عن طلب غيري"[6]
- ولم نفعل؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً
قالها صوتٌ فيه فتوة وحزم، أنظر لصاحبه الجالس على يمين "الحسين" فأرى رجلا فارع القامة، جميل الوجه، يعتم بعمامة خضراء فيها ريشتان، هو قمر بني هاشم إذن، "العباس بن علي بن أبي طالب"، أخو "الحسين" لأبيه من زوجته أم البنين، الفارس الملقب بساقي العطاشى، من اقتحم الماء مع عشرين رجلا يوم الطف، فسقى "الحسين" ثم حمل قربة من ماء ليسقي آل البيت، لكن جيش البغي تكالب عليه حتى قطعوا كفيه وضربوا رأسه ضربة ألحقته بركب الشهداء
أرى "الحسين" يطرق قليلا ثم ينظر لنفر من الرجال أمامه ويقول: يا بني "عقيل بن أبي طالب"، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم
فيخرج من بينهم صوت يقول: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك
أي معدن من البشر أنتم يا بني هاشم؟ أي عترة مباركة يا بني عبد المطلب؟ أي نسل من أسود الشرى يا بني أبي طالب؟ .. وهاهو "الحسين" السبط يقترح خطة المواجهة المريرة فيقول "فإن شئتم فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فاحفروا حولنا وخيام أهلنا خندقا، فإذا كان الغد أشعلنا فيه نارا فلا يحيطوا بنا، ونحن بضعة وسبعون رجلا وهم فوق الأربعة آلاف، وما أحسب خندقنا هذا يدفع عنا الموت حتى غروب الشمس غدا، لكن علينا الجد في قتال الباغين لو قاتلونا، حتى نهلك دون الحق ولم نقصر فيه"
هكذا قال الإمام "الحسين بن علي"، صاحب أشرف ثورات الأرض، ثورة ضد البغي والظلم الذي طال، فقد خالف "معاوية" عهده لأخيه "الحسن"، وكانا قد اتفقا في عام الجماعة أن يلي "معاوية" الخلافة، فإذا مات عاد الأمر شورى بين المسلمين، يولوا أمرهم من أرادوا، لكن "معاوية" أطمعه موت "الحسن" –وقيل أنه هو نفسه من دس له السم - فأخذ البيعة لولده "يزيد" حيا، وأصحاب رسول الله بعد على وجه الأرض يمشون! ويتألمون من هذا الواقع الغريب الكئيب، حين يلي من كان كيزيد منصبا تولاه الراشدون الأربعة ويجلس مجلسهم، حتى ندم بعض من اعتزل الفتنة منهم وقال: "ليتني نصرت عليا على الفئة الباغية" .. ثم أصبح "يزيد" خليفة، فأيقن "الحسين" أن الغمة الأموية التي حلت بالأمة بعنصريتها ومظالمها لن تنزاح بغير القوة، فلا عهد لهم ولا ميثاق، فكان خياره الثوري أن يستجيب لأهل الكوفة، فيخرج إليهم بأهله ثائرا، يحسب أن عرب الكوفة اليوم كعرب يثرب أمس، أنصارا للعدل والحق ينصرونه كما نصر أهل مدينة النور جده المصطفى، ولم يعلم أن قلوبهم معه، لكن سيوفهم مع "عبيد الله بن زياد"، والي "يزيد" المخلص الذي هددهم حين علم بخروج "الحسين"، فخافوا سيفه وطمعوا في خزائنه إلا نفرا قليلا، فاعتصم ببيته منهم من اعتصم، والتحق بالجند الأموي من التحق طمعا في صلة أو منصب يصيبه بسفك دم آل محمد!
...
ظلام للمرة الثانية، لكنه ظلام دامس ليس به شبح من ضياء هذه المرة، يتناهي إلي صوت الحسين هادئا، ينساب في أذني كماء في غدير، فأسمع سبط النبي يقول " اللهم أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعُدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، شكوته إليك، رغبة مني إليك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته، فأنت ولّي كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة"
ياللظلام، يالصولة البغي في الأرض وجولته، أهكذا يفعل بالحسين؟ أهذا ما وعيناه من قول الله في كتابه العزيز "قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ"[7] أهذه مودتنا لآل بيت نبينا بعرضهم على السيف والتكاثر عليهم في عزلتهم ووحدتهم؟
صوت الحسين يتردد ثانية، هادرا كالبحر هذه المرة كأنه يخطب في جمع، يقتحمني صوته من كل الجهات، يقول "فانظروا .. هل يصلحُ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألستُ ابن بنت نبيِّكم، وابن وصيّه وابن عمّه وأوّل المؤمنين لرسول الله بما جاء من عند ربّه؟ أوليس حمزة سيّد الشهداء عمّي؟ أوليس جعفر الطيّار في الجنة بجناحين عمّي؟ أولم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي، هذان سيدا شباب أهل الجنّة؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟"
لا أسمع جوابا من جيش البغي الذي صاح فيه "الحسين" بهذه الكلمات الموجعات صباح المعركة، كأنه يخاطب الريح التي تصفر في خلفية صوته، فلا مجيب له غيرها! ثم أسمعه يسمي قوما بأسمائهم فيقول: يا "شبث بن ربعي"، يا "حجّار بن أبجر"، يا "قيس بن الأشعث"، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثِّمار واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جندٍ لك مجنّدة؟
ولا جواب غير عصف الريح، لكن .. ما هذا الظلام الدامس؟ ما أسمعه هو ما ورد في الآثار على أنه خطاب "الحسين" في العسكر الأموي صباح كربلاء، في وضح النهار، فمابال الظلام يحيط بي بلا نهاية؟ أسمع صليل سيوف وصهيل خيل وحمحمتها وهي تهلك، لكنني لا أرى قتالا، لا شيء غير الظلمة الحالكة! وأسمع صوت السبط النبوي يقول لصحبه "يا كرام، هذه الجنة فُتحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتطلعون لمقدمكم، ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيه، وذبوا عن حرم رسول الله"
- نجعل القلوب فوق الدروع وندفع عنهن بصدورنا يا ابن بنت رسول الله
هذه الصيحة كانت عند الظهر، حين رفض جند "ابن سمية" أن يمهلوا سبط النبي للصلاة، واشتطوا في القتال، فسقط من عسكره القليل أكثره، حتى لم يبق حوله إلا خاصة أهله وولده، ما بال هذا الظلام لا ينقشع؟ أهو رحمة من ربي حتى لا أرى وقعة البغي؟ لا .. الله نور السماوات والأرض، والظلمات غياب النور، فهذا ظلام القلوب التي فارق نور الله حناياها لتحتلها ظلمات الطمع والجزع! الطمع في مال "يزيد" وسلطانه، والجزع من كلبه "ابن زياد" الذي سلطه على من خالفه
أسمع صيحة حسينية ملتاعة تتقطع لها نياط القلوب، سبط الرسول يصرخ قائلا "واولداه"
يختلج قلبي، لقد سقط "علي بن الحسين" إذن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما أعظم مصابك ومصاب الأمة فيك يا ابن سيد شباب الفردوس! قتل أشبه الهاشميين بجده المصطفى صلوات الله عليه! فطوبى لك وتعسا لنا أيها الشهيد بن الشهيد بن الشهيد! وهاهو صوت "الحسين" بين قعقعة السيوف كأنه مذبوح بألمه يقول "صبراً على الموت يا بني عمومتي، لا رأيتم هواناً بعد اليوم إن شاء الله"
نعم يا سيد الشهداء، لا هوان بعد يومكم هذا إلا لمن هان على نفسه، فقد بينتم طريق الشرف والكبرياء، ورسمتم بدماكم الزكية خطة العنفوان والإباء، حياة مع الشرف والعزة أو موت يطيب للكرماء، فلو أنكم يا عترة الهادي لم تضنوا بنفوسكم الزكية الطاهرة في سبيل الحق وعلى مذبح الحقيقة، فبأي نفوس نضن نحن بعدكم؟ سبعة عشر رجلا من رهط النبي وخيط دمه تساقطوا زهرة فزهرة، في يوم هو ربيع بني أمية، وخريف المسلمين جميعا! فأي بلاء نخاف بعدك يا كربلاء؟ يصك أذني صوت لم يغادر صباه بعد: يا عماه
إنه "القاسم بن الحسن"، سقط ابن الإمام الذي ترك الخلافة طلبا للسلام وحقن الدماء! أهذا عهد "الحسن" إليكم يا بني أمية؟ أهذا ما صالحكم عليه من أمر المسلمين يعود إليهم؟ فما لبثتم أن خيرتم ولده وشقيقه بين البيعة لسيدكم أو الموت في الصحراء؟ أسمع صوت "الحسين" تعركه بحة شديدة يقول "الآن انكسر ظهري يا عباس"
سقط قمر الهواشم إذن، رحمك الله يا ساقي العطاشى! يا عجبا من نجوم تسقط إذا سقطت نحو السماء، وسيوف ترتفع إذا رفعت للحضيض، يا عجبي من انتصار رهط "الحسين" بموتهم وهزيمتكم بحياتكم يا عبيد الدرهم والدينار! هم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنتم جيف تترمم فوق الأرض لا في بطنها، وهاهو سيد الشهداء ينشد أنشودة الشهادة الكبرى "القتل أولى من ركوب العار، والعار أولى من دخول النار، بسم الله وعلى ملة رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"
أراه بعين خيالي واقفا وسط القتام يزود عن حريم البيت النبوي وحيدا، والسهام تتكالب عليه من كل حدب وصوب، ولو وعت السهام ما أصابته، ولو كان لها فؤاد لكانت عليه بردا وسلاما، وأراه يسقط وما في جسده مكان لضربة سيف أو رشقة سهم! فرع النبوة يسقط، نجم يعلو نحو مكانه في سماء الحقيقة ليبقى أبد الدهر! أواه يا سيد الشهداء! يالغربة الحق والعدل بعدك بين الناس يا خيط دم النبي .. قتلك البغي عطشانا في أرضنا يا "حسين بن علي"، فاهنأ بشربة من كأس جدك في الجنان لا تظمأ بعدها أبداً .. أمكنهم منك خوف الجرذان في صدورنا! ووهن العناكب في سواعدنا! وخور المخاط في عزائمنا! نحن من قتلك بسيف البغي يا "حسين" يوم سكتنا عن نصرة الحق، قتلناك ألف ألف مرة في هذه الأرض، قتلناك في كل ثائر وكل مناضل وكل صارخ في برية الحق قبلك وبعدك .. فتبت أيادينا .. تبت أيادينا!
تنقشع الظلمات لأرى سيدة ترفل في ثوب فضفاض .. إنها .. إنها "ماري"! لماذا هنا؟ وكيف؟ وما هذا الثوب؟ أراها ترتدي ثوبا من كتان أبيض وعلى رأسها طرحة بيضاء مسدلة نحو كتفيها! ما أقربك من مريم العذراء على هذه الصورة يا ماريتي؟ أو ما أقربك من .. مريم المجدلية؟ أرى خلفها سماء وسحاب، كأنها تسير في السماء! من هذا الذي يقف أمامها؟ يعترض طريقها السماوي؟ كأنه رجل؟ لكني لا أميز منه شيئا غير ظلام! رجل من ظلال سوداء! تقف أمامه منتصبة القامة شامخة الرأس، ثم ترفع يدها وبها بيضة كبيرة تتوهج بنور أبيض، تضعها في وجه رجل الظلام، يقتحم نورها وجهه الظلامي كأنه يقشعه، ها هي ماريتي تنظر له نظرة حزم وبسالة أعرفها في وجهها وتقول "في اليوم الثالث يقوم من الأموات"

انهيار برج بابل- 37

(37)
دماء في جبل قاسيون

السبت، الثاني و العشرون من سبتمبر
انطلق الزوجان بعد الظهر ليبدأ برنامج اليوم، كانت ليلتهما السابقة حافلة، فقد حضرا حفلا ساهرا للفن الشعبي السوري، عزفت فيه موشحات من ألحان "صبري مدلل" وغيرها من ضروب الطرب الشامي الذي تساعده انسيابية اللهجة على النفاذ للقلوب، فلهجات بلاد الشام التاريخي على اختلافها ذات سحر خاص وموسيقى ظاهرة، ما عدا بعض مناطق شرق الأردن وطرابلس في لبنان، لهذا قامت "ماري" غير المعتادة على السهر للصباح من نومها على صداع عنيف احتاج لقرص من مسكن قوي حتى يرحل عن رأسها الرقيق، وبعد الفطور الشامي انطلقا بسيارة الجر الرباعي التي استأجراها نحو جبل قاسيون الشهير، والذي وصل تمدد دمشق إلى سفوحه، كانت "ماري" تحتفظ برخصة قيادة دولية، ففضلا إيجار سيارة تظل معهما طوال اليوم، مستعينين بخرائط المدينة التي حصلا عليها من الفندق، فحتى لو زار "علي" مدينة ألف مرة، فمن الصعب الوثوق بذاكرته فيما يخص الطرق والشوارع والاتجاهات، كانت تعرف هذا جيدا، في الطريق أخبرته بأن اسم الجبل هو صيغة الجمع من لفظة "قاسي" في الآرامية، خلافا للعربية التي يجمع فيها بلفظة قساة، فليس في الآرامية جمع تكسير .. وصلا عند سفح قاسيون من جهته الشرقية، لتبدأ جولتهما في معالمه بمسجد الأربعين ومغارة الدم الشهيرة داخله، والتي تقول الأسطورة أن "قابيل" قتل أخاه "هابيل" فيها، وبها حجر أحمر ترجع الأسطورة حمرته لدم ابن "آدم" الشهيد! ومحرابان ينسب أحدهما للخليل إبراهيم والآخر للخضر عليهما السلام! كانت "ماري" ترتدي جينزا أزرق وفوقه قميص سماوي طويل الأكمام، فأخرجت من حقيبة يدها ايشاربا أبيض غطت به شعرها، فقد تحسبت لزيارة عدة مساجد في برنامج رحلة اليوم، وهي لا تفضل إيجار العباءات التي تنتقل من جسد إلى جسد كما فعلت في المسجد الأموي
سألته بينما يصعدان السلالم الحجرية نحو المغارة: وفقا للكتيب السياحي معي، فمغارة الدم هي أقدم معالم الجبل، أليس كذلك؟
- الله أعلم
- معقول "علي" لا يعرف؟ ماذا أصابك يا عراب التاريخ؟
- "علي" في جبل قاسيون كأي تلميذ في الصف الأول الابتدائي، ليس متأكدا من أي شيء! فقاسيون مزار أسطوري وليس تاريخيا، وأنا لست متخصصا في الميثولوجيا
- لست مقتنعا بالطبع بمسرح جريمة قتل "هابيل"؟
- مقتنع فقط أن كرات الدم الحمراء يتحول لونها خارج الجسم للسواد بعد بضعة أيام، ومقتنع أن وجود مسرح لجريمة حدثت منذ مائتي ألف عام مستحيل
عندما دخلا المغارة الأسطورية، كان أول ما بحثت عنه عيناها هو فم الجبل، والذي قيل أنه فتحه هلعا على "هابيل" يوم قتل، فبقي مفتوحا، فقد بالغ الكتيب في وصف التكوين الصخري بأنه مطابق تشريحيا للفم واللسان والأسنان والبلعوم! كأنه من نحت فنان عبقري! لكنها ما أن رأته حتى أحبطت تماما، فقد كان نتوء صخريا يمثل اللسان، فوقه قوس صخري يمثل الفك الأعلى المفترض لفم الجبل! مشهد قد تراه في الصخور في أي مكان فلا تنتبه إليه، لهذا علقت قائلة: فعلا نحت لفنان عبقري، فقط نسي كاتب الكتيب أن يقول أنه فنان عبقري عمره ثلاث سنوات!
ضحك "علي" لتعليقها وهو يشير للحجر الذي تقول اللوحة أنه كان الأداة التي قتل بها الأخ أخاه، وعلق قائلاً: وهذا الحجر الملون بأوكسيد النحاس، من المنتظر أن نصدق أنه ملون بدم "هابيل"
سارا جنبا لجنب يراقبان سقف المغارة ليعثرا على آثار كف جبريل ولفظ الجلالة، فالأسطورة تقول أن الجبل كاد يتداعي يوما بينما نبي الله "إلياس" قد آوى للمغارة هربا من حاكم ظالم، فهبط جبريل عليه السلام ودعم السقف بكفه، وتركت أصابعه أثرها في الصخور! وقفا جنبا لجنب أسفل التكوين الطبيعي الذي يفترض أنه بصمات حجرية، وبجواره ما يقال عنه لفظ الجلالة، مرة ثانية لا هذا شكل كف ولا ذاك لفظ الجلالة! فعلق "علي" قائلا: كأن أي خطوط متوازية تصبح أصابعا لكف! ولو أنكرت هذا الخرف أمام البعض سيجفل منك كأنك تقولين كفرا! رغم أن هذه الأساطير هي عين الضلال وسوء الأدب مع الله
- الضلال مفهوم، فما سوء الأدب؟
- حين نعتقد أن المغارة كادت تقع فوق رأس نبي، فأرسل الله الروح الأمين حامل الرسالات ليسندها فنحن نعتقد ضمنا أنها كادت تتداعى من باب الخطأ! وليس بمشيئة الله، وأن كن فيكون لا تسندها وتقيمها! فاحتاجت لكف الملك! فتلك إساءة أدب مع الله، لا تناسب الإيمان بطلاقة قدرته وإحكام الكون وما يحدث فيه
- سيدعون أن الهدف من الحدث بيان القدرة الإلهية
- القدرة الإلهية ظاهرة في رسوخ الجبل لا في تداعيه
- لكن الناس يحتاجون المعجزة لكسر رتابة الحياة اليومية، واستعادة دهشة الطفولة ولو للحظات، ولهذا كانت المغارة مزارا مقدسا حتى من قبل الأديان السماوية[1]
صعدا بعد ذلك لصحن المسجد المقام فوق المغارة لرؤية الأربعين محرابا التي تحتل جداره الأيمن و ينسب المسجد إليها، وتقول الأسطورة أنها محاريب للأبدال الأربعين، وهم من جاء في الأخبار أنهم من أولياء الله الصالحين وعددهم أربعون رجلا، كلما مات واحد منهم أبدل الله به غيره! وحين سألته "ماري" عما يراه في أمرهم، رفع كتفيه وهو يجيب: من قال لا أعلم فقد أفتى
لاحظ في تعليقها عندما كانا في المغارة أن المادية العتيدة تشتاق لدهشة الطفولة، فلم يرد أن يفسد عليها الجو المؤسطر لجبل قاسيون بمزيد من التفنيد المنطقي، وأوله أن مسجد الأربعين لا يتسع لصف من أربعين رجلا لو اصطفوا كتفا لكتف في جماعة
اتجه الزوجان بعد ذلك لجامع "ابن عربي" على سفح الجبل جهة الصالحية، والذي شيد على الطراز العثماني، الابن الشرعي للعمارة المملوكية بعد زواجها من العمارة البيزنطية على ضفاف البوسفور، وأسفل المسجد توجد غرفة الأضرحة وفيها ضريح شيخ الصوفية "محيي الدين بن عربي" وضريحان آخران لولديه، فضلا عن ضريح فارغ، كان للأمير "عبد القادر الجزائري"[2]، قبل أن تسترد الجزائر وديعتها بعد الاستقلال، فيحمل جثمانه لوطنه عام 1965م، كانت هذه هي الزيارة الأولى لعلي لمسجد ابن عربي كما هي لزوجته، فالتصوف وأئمة الصوفية لم يحتلا مرتبة متقدمة في اهتماماته إلا في السنوات الأخيرة .. أراد أن يداعب رغبتها الطارئة في سماع الأساطير، فحكى لها حكاية يرددها الناس عن خادم لابن عربي مات بعد مولاه، وحين اعتزم الناس دفنه في مكان بعيد عن ضريح "ابن عربي" طار نعش الخادم الوفي حاملا جثمانه ليستقر بجوار شيخه، علقت على حكايته قائلة: اليوم بحق يوم الأساطير؟
- اليوم خمرٌ .. وغدا أمر
هكذا قال مشيرا لسفرهما غدا للعراق، حتى الآن لا تكاد "ماري" تستوعب فكرة السفر للعراق في هذه الظروف، وإن كان التحدي الأكاديمي قد قضى على رفضها بضربة قاضية بمجرد سماعها عن مخطوطات من القرون الهجرية الأولى، أجابته بإجابة بعيدة عن شأن سفرهما في الغد قائلة: وهل تعتبر الأساطير خمرا؟
- مؤكد، ففي كل منهما خدر لذيذ أول الأمر لكن الإفراط في أي منهما يودي بالعقل
- وفيم تختلف الأساطير في هذا عن الغيبيات الدينية؟
لطالما تقبل الشك في الدين وحاور المشككين والمنكرين بصدر رحب، لطنه حين يسمع منها ما يوحي بعمق شكوكها يشعر بوخزة في قلبه، فقد اعتبرها مسيحية متشككة منذ كانا في المملكة المتحدة، ربما ليبقي على أمله في الزواج منها ككتابية، لهذا كان قلبه يخفق كلما سمع منها ما يوحي بغلبة الشك على اليقين في ضميرها، وحين أخبرته بحلمها بالمسيح وموافقتها على الزواج طار فرحا بالأمرين معا، فزيارة المسيح تلك حلت عقدة وعدها لأمها وعقدة تصنيفها دينيا، لكن عليه أن يتقبل مراودة الشك لليقين في كل حال، فهذا حال كل من أوغل في الشك يوما، ولا يعني هذا أنها منكرة، فهو يعلم أنها ترى الله في الكون بضميرها وإن لم تدركه بعقلها، تجاهل كل هذا وأجابها قائلاً: الغيب لله، والأساطير للبشر
مالت برأسها وقطبت حاجبيها مستوضحة وهي تنتظر المزيد، فتابع حديثه وهما خارجان من المسجد قائلاً: الغيبيات تمنحنا اضاءات إيمانية، تدور حول الخلق وهدفه ومآل الكون ونهاية الإنسان في هذا العالم، وكلها أمور خارجة تماما عن منظومة حياتنا البشرية، أما الأساطير فدنيوية جدا، تجدينها دوما مقترنة بشخص أو بمذهب أو فرقة وما إلى ذلك، وهدفها جمع العوام حول ذلك الشخص الذي تنسب إليه الكرامات والمعجزات حيا أو ميتا، أو ضم الأتباع لهذا المذهب أو ذاك من خلال تبهير تراثه المكتوب والشفوي بفيض من المعجزات الحادثة على يدي أقطابه، لإظهار تأييد الله لهم وأنهم الفرقة الناجية، وأحيانا تخترع الأساطير لهدف اقتصادي بحت هو في الغالب جذب التبرعات والنذور، والأمثلة كثيرة، منها موضوع الأبدال الأربعين هؤلاء والأحاديث المتهافته الإسناد التي تروى حولهم وتنسب للرسول عليه الصلاة والسلام، فدلالة هذه الأسطورة سياسية، وهي أن أهل الشام فيهم الأبدال، وعلى ذلك فمعاوية وجيش الشام هم الفئة الناجية في الفتنة الكبرى
- وبقية الميثولوجيا الصوفية كالنقباء والأوتاد والغوث[3]، هل كانت تهدف لجذب الأتباع كذلك ؟
- الصوفية بدأت فلسفة إسلامية، واشتق اسمها نفسه من لفظ الحكمة اللاتيني الذي اشتق منه اسم الفلسفة "صوفي"، وتأثرت بأفكار فلاسفة اليونان من جهة وبالميثولوجيا الهندية من جهة ثانية، فظهرت فيها مفاهيم مثل وحدة الوجود والغيب المطلق والحقيقة المحمدية[4] وغيرها، ثم دخلها عنصر الدروشة وانتشرت تحت مظلتها الدعوات الباطنية، وأقل الأساطير هي المنسوبة لمتصوفة بحجم "ابن عربي" و"ابن الفارض" و"الحلاج"، أما أكثرها فمنسوبة لمن يسمون الأولياء، مثل "الدسوقي" و"البدوي" وغيرهما، فالولاية بمفهومها المنتشر بين العوام هي التي قامت على التجارة بمشاعر البسطاء، وليس التصوف
عاد الزوجان للسيارة ليعودا لدمشق، وفي أثناء رحلة العودة بالسيارة، ألقى "علي" نظرة أخيرة على جبل قاسيون، وطالت نظرته كأنها نظرة وداع وهو يقول بصوت مسموع: دمشق بلد يحبنا ونحبه

Thursday, September 18, 2008

انهيار برج بابل- 35-36

(35)
اغتيال رؤية

الجمعة، الحادي و العشرون من سبتمبر
في الصباح، تناولا فطورا مهجنا من أصناف سورية ولبنانية، مناقيش الزعتر وجبن قشقوان بزيت الزيتون، وجبن حلومي مقلي، فضلا عن الكنافة النابلسية، كانت إذاعة المطعم الداخلية تذيع أغنية من التراث السوري تقول كلماتها: "لعبوا الفرسان ع خيول الأصايل .. والملعب لان لحلو الخصايل" فاستدعت كلمة الفرسان إلى ذهن "علي" حلم الليلة الماضية، حتى في ليالي زفافه الأولى لا يريد طيف الإمام أن يفارقه؟ وقد شهدت ليلته الماضية جوانبا من أم معارك الفتنة الكبرى، صفين
...
رأى الإمام "علي" يدعو الله وهو يلبس لأمته للحرب فيقول "اللهم إن أظهرتنا على عدونا فجنّبنا البغي وسدّدنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة، واعصم بقيتنا من الفتنة"[1] ثم رآه وقد اصطف الجيشان وتهيأ الناس للقتال، يخرج فيقف بين الصفوف، ويدعو "معاوية" للمبارزة حتى لا يقتتل الناس بينهما، فلا يجد مجيبا[2]، فقد ضربت لمعاوية خيمة في مؤخره جيشه، ليقي نفسه بجيشه لو جد الجد، ثم رأى الإمام وقد التقى الجمعان، ممتطيا صهوة جواد أدهم[3] وممتشقا سيفه "ذو الفقار"، فكأن الشمم والإباء والشجاعة تجسدوا جميعا، فكانوا فارسا نبيلا يدافع عن الحق كما علمه، يوغل في صفوف العدو بجرأة من اتخذ على الموت عهدا، يردد بينهم عبارة ذات صدى، كأنها تتردد في صدره قبل أن تخرج من فمه: "أقاتلكم على تأويله كما قاتلكم النبي على تنزيله"[4]
...
سألته "ماري" عما شرد فيه، فلم يرد أن يخبرها بحلمه حتى لا يزعج عروسه بحلمه الدامي بعد ليلة عشق من ليالي الجنة، لكنه أراد ألا يكذبها، فاختار التعبير عن حلمه رمزا، وقال: ذكرتني الأغنية عن الفارس حلو الخصال بمثل شامي يقول "الرجال عند أغراضها نسوان" - مع كامل احترامي للنسوان - فالغرض حين يتمكن من الإنسان يصبح كمرض حل بعقله، فيجعله يرى الحق باطلا والباطل حقا، ولطالما كان تاريخ البشر في مجمله صراع بين أهل الرؤية وأهل الغرض، بين رؤية التطور والنماء والحب، وأغراض المال والسلطة والنفوذ، عذرا للمثل المناهض للمساواة
ردت عابثة وضحكاتها الهادئة تتخلل كلماتها: مثل متوقع من العقلية العربية بتكوينها الذكوري
- هذا تعميم مخل، فوضع المرأة هنا في سوريا اتسم دوما بالمساواة مع الرجل، حتى في زمن الاحتلال العثماني المتفنن في قهر الحريم، لم يكتسب الرجل السوري تراث قهر المرأة من الترك
- بسبب الأصل الفينيقي، فقد اشتهرت المرأة الفينيقية في العالم القديم بقوة الشكيمة وعظمة أثرها في مجتمعها، و"بيير هوبك" يقول في هذا قولا جميلا مفاده أن الرجل الفينيقي لم يكن يتزوج المرأة .. بل يقترن بها
- لكن هذا ليس محدودا في سوريا، فللسودانية والتونسية كذلك وضع اجتماعي مميز نتيجة لتراث شعبي مختلف، فليس كل التراث الشرقي مجحف للمرأة، في حالة تونس مثلا تأثر وضع المرأة إيجابا بطبيعة المجتمع الزراعي، وبتميز مكانة المرأة عند البربر، فبعض المؤرخين اعتبر البربر مجتمعات شبه-ماترياركية[5]، وتعريب تونس بالكامل لا ينفِي جذورها الحضارية البربرية
- أحبك
قالتها وهي تميل لترتكز على حافة الطاولة بذراعيها، مغيرة دفة حديث التاريخ الذي طال، فابتسم خجلا وقال: آسف للحديث عن التاريخ على مائدة الإفطار، لكني حين أحدثك أجدني مسترسلا كأني أفكر وأحادث نفسي .. فقد توحدت معك يا .. يا أنا
- كم تمنيت أن أكون شاعرة لأعبر عن خفقات قلبي مثلك
- عيناك تعبران يا مريمي، وإنما أحاول أن أكسب كلامي مذاقا لعله يجاري بلاغة عينيك
- حسن جدا
قالتها بلهجة مزاح متوعدة، وهي تقوم مرتكزة على الطاولة بينهما، وتميل بجزعها عبر الطاولة، لتمسك برأسه وتقبله قبلة خاطفة، ابتسم وهو يداعب شعرها بيديه، فقالت وهي تعود لجلستها الأولى: لو كنت تخجل من تقبيلي إياك أمام الناس فلا تتغزل ثانية أمامهم
- فليذهب الناس للجحيم، الجحيم يا غاليتي هو الآخرون كما كان خالك "سارتر" يقول
قالها مداعبا، فسارتر أحد أعمدة الفكر الوجودي الذي كانت والدتها تعتنقه، ضحكت للدعابة بفتور، ثم ذكرت أمها فاربد وجهها سريعاً، فطن لذلك في وجهها، وقرر في نفسه أن عليه ألا يذكرها بوالدتها كثيرا حتى لا يثير بداخلها الصراع القديم، فالفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، فكر للحظة أن يغير الموضوع ليخرجها من الذكرى، لكن السنين علمته أنه شاعر أكثر منه دبلوماسي، وحين يتحدث لمجرد تصحيح ما يفلت من لسانه عفوا، غالبا يقول ما هو أسوأ! .. مرت لحظة قبل أن تستعيد صفاء وجهها وتسأله عن برنامجهما لذلك اليوم، فيجيبها بأنه خطط للمرور على قلعة دمشق سيرا على الأقدام ثم زيارة ضيعة يقضيان بها بقية اليوم، ولما احتجت على إهدار يوم كامل بمكان واحد في تلك الزيارة القصيرة، وعدها بأن يمد الزيارة يوما لو لم يرق لها المكان، بدا واثقا وهو يعدها بينما بدت هي غير مقتنعة بالفكرة المهدرة للوقت، وانطلقا نحو القلعة
فريدة هي قلعة دمشق، ممتدة التاريخ من العصر الروماني قبل الميلاد وحتى اليوم في غير انقطاع، بنيت بعقلية المدينة-القلعة، فاختار لها الرومان هذا السهل المنبسط في مستوى المدينة، وخلال زيارتها أخذهما الحديث للسلطان المملوكي "ركن الدين بيبرس" الذي استخدم هذه القلعة يوما، فقد كانت "ماري" معجبة به، بينما كان لعلي العديد من التحفظات عليه، أهمها اعتلائه كرسي السلطنة على جثة المظفر "سيف الدين قطز"، كانت "ماري" تنتقد في "علي" دوما نزوعه لعواطف شبه شخصية نحو الشخصيات التاريخية، وكانت ترى في هذا عيبا خطيرا فيه كمؤرخ، أما هو فكان يرى أن المؤرخ إنسان لا يستطيع تحييد مشاعره في تقييم الحدث أو الشخصية التاريخية، فأمانته ألا يخفي أو يبرز في رواية الحدث وفقا لهواه، أما تحليل الحدث وشخوصه المحورية فمنطقي أن يعكس مجمل قناعاته الذاتية، وحين خرجا من القلعة متجهين نحو ساحة انتظار السيارات ليستقلا تاكسيا كان يقول: التاريخ يسجل عبر عيون المؤرخ، ويتأثر بقناعاته دوما، لهذا نحتاج للمقارنة بين نصوص مختلفة لتحصيل رؤى مختلفة للحدث والخروج بقناعاتنا الشخصية حوله
- أرى حكمك على "بيبرس" بالانتهازية غير موضوعي تماما، فهو ابن زمنه وبيئته كما تقول أنت دائما، المماليك كانوا يقتلون بعضهم بعضا كما يتنفسون[6]! و"ٌقطز" ذاته شارك في قتل الأتابك "أقطاي"، فعلى أي أساس نصنف "قطز" بطلا و"بيبرس" ميكيافيلِّيا؟
- كانت آفة المماليك قتل بعضهم بعضا كما يتنفسون .. هذا صحيح، كان هذا شأنهم قبل اللحظة الفارقة التي هددت فيها جيوش "هولاكو خان" مصر، فارتفع "قطز" لمستوى اللحظة وعفا عن المماليك المتهمين بقتل أستاذه "أيبك"، وعاهدهم على توحيد الجيش تحت قيادته لمواجهة الغزو على أن يتنحى عن السلطة بعد المعركة ليختاروا من يريدون عليهم سلطانا، ثم تنازل عن جميع ممتلكاته لصالح المجهود الحربي قبل أن يطالبهم بالتبرع له، وشارك بنفسه في القتال في الصفوف الأمامية، فحقق الله على يديه النصر، وظن أن نفوسهم قد تطهرت من الصغار مثله فصاروا إخوانا، لهذا خرج معهم للصيد منفردا بغير حرس، لكن كل هذا لم يثنِ "بيبرس" ورفاقه عن عزمهم الغادر، فقتلوه وبايعوا "بيبرس" سلطانا ليوزع عليهم الإقطاعيات مكافأة على وصوله لكرسي السلطنة[7]، لهذا ينتمي "قطز" لأصحاب الرؤى الكبيرة في الحياة، وقد حقق ذاته بتحقيق هدف كبير هو حماية مصر والبشرية من خطر التتار، أما "بيبرس" فينتمي لمدرسة الغرض، وطريقه لتحقيق الذات لم يتجاوز السلطة والثروة فتآمر للوصول إليهما مع من يبيعون ولاءهم بالمال، فكان وصوله للحكم بيعا لا بيعة
- فكرة أهل الرؤية وأهل الغرض هذه دواليزمية[8] جدا، والدنيا ليست خيرا وشرا .. ليست أبيض وأسود، فبينهما طيف واسع من الدرجات الرمادية
- الرؤية والغرض أعبر بهما عن الخطوط العريضة في حياة الإنسان، لكنهما ليسا نقيضين بنقاء الخير والشر، فرؤية "قطز" مثلا لم تعصمه من المشاركة في خطأ إغتيال "أقطاي"، وأغراض "بيبرس" لا تنزع عنه شرف مواجهة التتار والجيوب الصليبية في الشام، الفارق أن رؤية "قطز" التي اغتالوها معه كان من شأنها تغيير مصير دولة اللماليك البحرية كلها، خصوصا فكرته في التخلي عن السلطة وتطبيق مبدأ البيعة بالاختيار بين عدة مرشحين لكرسي السلطنة
- مازلت غير مقتنعة
- لماذا أشعر أنني منذ تزوجتك فقدت قدرتي على الإقناع؟
قالها مازحا وهو يربت على كتفها قبل أن يتركها ليتفاوض مع سائق التاكسي، وحين سمعت اسم المكان الذي يتجهان إليه من حديثه مع السائق، دق قلبها بشدة وتغير رأيها في الفكرة تماما، وابتسمت بكل خلية في وجهها الجميل، فما أن انتهى زوجها من التفاوض ودعاها للركوب حتى نظرت إليه بود غامر وشكرته على المفاجأة التي اختارها، فقد كانت وجهتهما هي ضيعة معلولا الساحرة، أجابها زوجها بأن خبيرة لغة آرامية تزور سوريا لابد لها من قضاء يوم في هذه الضيعة التي فرت من يد الزمن!
...

(36)
مخرج النجاة

معلولا ضيعة مسيحية تبعد قرابة الستين كيلومترا عن دمشق، فوق هضبة مرتفعة عليلة الهواء، وهي المكان الباقي فوق الأرض الذي يتحدث الناس فيه باللغة السريانية في حياتهم اليومية، لغة المسيح المميزة آرامية المصدر التي تميز المذهب السرياني حتى اليوم، فغير معلولا لا توجد سوى جماعات إثنية متفرقة في العراق وتركيا وغيرهما تتحدث السريانية، لكنها لا تكون مجتمعا كاملا كهذه الضيعة الرائعة
وحين كانت السيارة تجتاز المروج الخضر حول دمشق، ربتت "ماري" على ساق "علي"، فقبل باطن كفها بإعزاز وهو يقول: اليوم تكونين أنت دليلنا، فمعلولا تقع في نطاق تخصصك أكثر
- لدي فكرة عن تاريخ المكان بالطبع، لكن تذكر أنني متخصصة في اللغات وليس التاريخ، فلا تتوقع الكثير
- كلي آذان صاغية
- القرية ضاربة في القدم، مسكونة قبل ميلاد المسيح، حين كان اسمها سركوبوليس أيام الرومان، والدير الأساسي بها هو دير تقلا البطريركي، والذي كان بدوره معبدا وثنيا كالمسجد الأموي وهيا صوفيا، وهناك تلك النقوش المميزة داخل الكهوف، الباقي سأتذكره حين أرى المكان
من بعيد بدت جبال قلمون وعلى قممها تستقر الثلوج البيضاء، مرت ربع ساعة أخرى على طريق جبلي قبل أن تظهر بيوت معلولا البيضاء بعمارتها المميزة من بعيد، وبعد لحظات كان العروسان يغادران السيارة نحو القرية الوادعة، فأخذا يصعدان ممرا جبليا معبدا بحجارة بيضاء، تسارعت أنفاس "ماري" قليلا، مقارنة بحركة صدر "علي" العنيفة صعودا وهبوطا، والتي جعلتها سنون التدخين متسارعة مع كل خطوة، تذكرت شيئا فانطلقت تقول: لفظة معلولا تعني مخرج النجاة، وسبب التسمية غير معروف، لكن يرجح أنه بسبب الممر الجبلي فيها، يردد الرهبان أن بركة الرب شقته في الجبل كمهرب للقديسة "تقلا" من مطاردة الرومان، فصار مخرجا للنجاة، وعمارة البيوت المبنية في قلب الصخور فيها تتميز بارتفاع موحد، فلا يرتفع أي بيت عما حوله أكثر من ارتفاع طابق واحد، وذلك أنهم يعدون أسطح البيوت ملكية عامة كالشارع يستخدمها الناس للتنقل بلا قيود، فتصبح بمثابة دور ثان للضيعة الجبلية يتميز بسهولة السير عليه مقارنة بالممرات الجبلية الوعرة
أشارت بسبابتها نحو شق جبلي يبدو مظهره غريبا بالفعل، وإن كان حدوثه في الجبال يحدث طبيعيا بغير خوارق، وقالت: هذا هو الشق الجبلي، أعتقد أن الطريق للدير من هنا
- نعم
قال "علي" و هو ينظر لها بإعجاب لأنها استنتجت جغرافية المكان في أول زيارة له، بينما سألته هي: هل زرت الضيعة من قبل؟
- نعم
- ومع ذلك تركتني أشرح كل هذه التفاصيل التي لابد أنك سمعتها من قبل؟
- بالعكس، كنت مستمتعا جدا بمتابعة شرحك
- لا بأس، من أين نصل لدير تقلا؟
- من هنا كما استنتجتي تماما
وصلا للفج الصخري الضخم الذي يشق طريقا في الجبل بين جانبين، وفيه حفرت بيوت، عاشت القديسة "تقلا" في واحد منها فرارا بدينها لهذا المكان النائي، ثم تفجر الماء من سقف البيت الصخري الذي سكنته، فظنه الناس شافيا من الأمراض ورددوا عنه المعجزات
دلفا لدير تقلا أسفل الفج الجبلي، كان تردد اللغة الآرامية حولها بين الناس يسبب لماري شعورا رائعا، فتسري بجسدها قشعريرة إثارة ودهشة، وكلما شعرت بهذا أثناء اليوم كانت تضغط على يده في امتنان، فلو كانت معلولا لكل شخص تجربة رائعة، فهي بلا شك لمتخصصة الآرامية تجربة فريدة ولحظات لا تتكرر في العمر كثيرا، تماما كدارس لتاريخ الفراعنة يجد نفسه فجأة في الأقصر عام 3000 قبل الميلاد! .. حين دلفا من بوابة الدير، أخذت تترجم له ما تسمعه بالسريانية حولهما، وكان معظمه دعوات من أجل الشفاء أو رد الغائب وما إلى ذلك، فقد اعتاد الناس طلب شفاعة القديسة ورفاتها المدفون بالدير لقبول الدعوات، ويبدو أن واحدة ممن يلقون الأدعية كانت تعرف العربية جيدا فقالت بلهجة سورية محببة: عجائب كثيرة تحدث هنا على يدي الطاهرة "تقلا"، وببركة صلوات الآباء، وعجائب أكثر تحدث في دير صيدنايا في طريقكما للشام
- شكرا يا أمي
أجابها "علي" باسما في رقة وامتنان، وحين ابتعدا بخطوات قالت "ماري" معلقة: ظنتنا زوجين مسيحيين لهذا نصحتنا بزيارة دير صيدنايا
- ليس بالضرورة، هنا وفي مصر يزور الناس مسلمون ومسيحيون مساجدا وكنائسا وأديرة يظنون أنها مباركة طلبا للمعجزات، يزورون الأولياء والقديسين بل والحاخامات أحيانا كأبي حصيرة لتحقيق حاجاتهم، فأصحاب الحاجات وصوليون تماما فيما يتعلق بهذه الحاجات، المهم .. ألن تحكِ لي قصة القديسة "تقلا"
- كانت تلميذة صديقك القديس "بولس"
ابتسم وهو يوميء مشجعا لها على الاسترسال، فاستأنفت حديثها قائلة: اضطهدها أهلها فجاءت هنا وعاشت حتى ماتت في التسعين من عمرها
- ولماذا اضطهدها أهلها؟
- بسبب دينها الجديد، لقد كانوا وثنيين
أحاط كتفها بود بالغ وهو يقول: متخصصو اللغات يتعاملون مع سطح التاريخ لا باطنه، وثنية أهلها ليست سببا كافيا للاضطهاد، فالديانات الوثنية متعددة الآلهة لم تكن تضيق بإضافة مقدسات جديدة، واقع الأمر أنها كانت تنتمي لأسرة غنية في أيقونيا، وكانت فضلا عن ذلك خطيبة لشاب من النبلاء، وعندما مر "بولس" بأيقونيا عام خمسين للميلاد بعد سماح القديس "جيمس" له بالتبشير للجينتيلز[9]، وكان بصحبته "برنابا" الرسول، سمعت القديسة واحدة من خطبه التبشيرية، فآمنت وعمدها "بولس" بنفسه، فوهبت بتوليتها للرب وأسرت لأمها برغبتها في فسخ خطبتها لأنها وهبت عذريتها للمسيح، وهنا ثار عليها أهلها وأهل خطيبها من أعيان أيقونيا، فهربت لتلحق ببولس في أنطاكية، لكنها حين وصلتها قبض عليها، وتقول الأسطورة أن حاكم أنطاكية ألقاها للأسود عارية، فسترها الله برداء من نور، ونامت الأسود عند قدميها كالنعاج! لهذا تظهر الأسود دوما في أيقوناتها، ولما رأى الحاكم كرامتها، حررها لتأت هنا وتعيش متفرغة للعبادة[10]
كانت "ماري" تتابعه في دهشة، وغضبها يتصاعد برغم محاولتها ألا يبدو هذا عليها، حين انتهى لم تتمالك نبرة الغضب في صوتها وهي تقول: تعاملني كطفلة وتطلب مني الشرح لترضيني؟ أم أنك أردت أن تختبرني وتظهر لي ضعف معلوماتي مقارنة بك؟
- من قال هذا؟
- لا بأس، شرحك كان مفيدا، لذا سأطلب منك العودة لدورك المفضل كراوٍ للتاريخ
هكذا قالت وهي تتأبط ذراع "علي" الذي أدرك أن موضوع تركها تشرح لمجرد إرضاءها هذا قد ضايقها فعلا، لكنها لم تحب أن تجعله موقفا حادا في شهر العسل، هذا ما يحبه فيها، تعرف كيف ومتي ولأي درجة تقف وقفة لتحدد ما يسرها وما يضايقها بدون تحويل الحياة لمسلسل نكد، وضحت أمرا يضايقها بذكره مرتين متتاليتين بصيغة المرح، في رسالة واضحة وذكية، قال "علي" ليمرر الموقف: هناك نبع مياه يخرج من بين الصخور هناك، فما رأيك في دش بارد؟
أشار للطريق فتقدمته فيه حتى وصلا للكهف الصخري عدواً، فوقفا أسفل نبع المياه الصافية المنهمرة من سقف الكهف وهما يتبادلان دفع الرذاذ، ثم شربا من ماء النبع العذب البارد، الذي يترك في النفس إحساسا عميقا بالنقاء، لا ريب أن إحساس كهذا يساعد على شفاء المريض لاعتقاده في قداسة ما شرب، هكذا فكرت "ماري" فقالت وهي تنظر لعلي بعد أن ارتكنت متأبطة ذراعه ثانية وهما خارجان من المغارة كالخارجين من حوض سباحة، وبعض الزوار العجائز ينظرون إليهما بشيء من الدهشة: هل تصدق موضوع الشفاء بالشرب من ماء مقدس؟ أم تراه مثلي إيحاءً
- إيمانٌ وليس إيحاء
- وما الفارق يا فيلسوفي العزيز؟
- الإيمان تحرير طاقة داخلية جبارة في الإنسان، أما الإيحاء فهو سقوط في بئر الوهم، الإيمان نور والإيحاء ظلام
شرح لها رأيه في أن الإيحاء يحتاج لوجود الوسيط، كراسبوتين الذي كان يبيع الوهم مقابل ثمن مادي أو سلطة أو جسد امرأة، أما الإيمان فهو تجربة فردية بحتة بين الفرد وربه، بغير وسيط، فلما عارضته بأن البعض يخضع للإيحاء بغير وسيط، أسهب موضحا أن الوسيط ليس قاصرا على البشر، بل قد تلعب الأساطير المترددة حول مكان ما أو شخص ما دور الوسيط في التمهيد والايحاء، وقد يلعب الواقعون في الوهم دور الوسيط نحو غيرهم، فأي تمهيد سابق للتعرض المباشر للمكان أو الحدث أو الشخص يعد وسيطا، ثم ضرب مثلا فقال: رويت لمحمد بن سيرين[11] نادرة تبين الفارق بين الإيمان والشعوذة، فقد سألوه في أمر رجل إذا سمع القرآن أو قرأه يبكي حتى يغشى عليه، فقال لهم: ميعاد ما بيننا وبينه[12] أن يجلس على حائط عال ثم يقرأ عليه القرآن، فإن وقع فهو كما قال[13]، وتكمن مهارة "ابن سيرين" هنا في كون أغلب المبالغين في مظاهر الإيمان واقعين بين أمرين، شعوذة مقصودة أو هستيريا، وفي الحالتين سيفيق الموهوم مع الشعور بالخطر فوق سور عالي
- حيلة بسيطة وذكية، لعلكم تحتاجون لتطبيقها مع الكثير من البكائين في فضائياتكم اليوم
- زرت مسجد السيد البدوي في طنطا مع والدي طفلا، فأشار يومها نحو إطار خشبي بجوار الضريح قائلا أنه أثر لقدم الرسول على الصخر، اقتربت من الأثر متأملا، ليلفت نظري خلوه من أي تضاريس لقدم، فضلا عن حجمه الهائل الذي ينم عن عملقة صاحبه، وكنت أعرف أن الرسول كان ربعة بين الرجال، صحت أقول لوالدي ببراءة أنها مزيفة، فوجدت وجوها متنمرة تنظر إلي نظرتها إلى شيطان صغير، فما كان من والدي إلا أن اعتذربأني طفل غرير، ثرت باكيا حين عدنا للمنزل لأنه أهانني بقوله هذا، وحين سألته لو كان ما قلته صوابا أم خطأ قال لي أنه صواب، لكن ليس كل صواب يجوز مواجهة الناس به، فعلينا مخاطبتهم على قدر عقولهم، صدمت هذه الحكمة الحياتية عقلي الطفل، الحكمة التي صورها "يحيى حقي" رحمه الله أروع تصوير
- قنديل أم هاشم رواية رائعة بحق، العلم والحقيقة في غلاف من الوهم يتقبله البسطاء
نظر لها نظره تفيض إعجابا وعجبا وهو يقول: لو أنني تمنيت من الله أن يخلق لي حبيبة كما أريد لما فزت بأكثر منك! لطالما أعجبت بالكثير من عناصر تكوين المرأة الأوروبية، لكنني كنت أرى الخلفية الحضارية المشتركة كذلك جوهرية من أجل التفاهم بين الزوجين، فقسم لي الله زوجة إنجليزية تعرف قنديل أم هاشم، فما أروع ما قسم لي!
دخلا بعد ذلك دير "سرجيوس" و"باخوس"، قائدان رومانيان خسرا مكانتهما ثم رأسيهما عقابا على التمسك بالمسيحية في عهد الإمبراطور "مكسيميانوس هرموليوس"، وانتهيا من هذا الدير سريعا لأنهما لم يجدا ما يسترعي الاهتمام، ثم هبطا نحو بلدة صيدنايا، حيث تناولا غذاء سوريا تقليديا في مطعم جبلي، تكون من ورق العنب والسمبوسك مع كبة السفرجل الحلبية المميزة والقاورمة، ثم استقلا سيارة عادت بهما لدمشق، مدينة التاريخ، مدينة ينتمي إليها رجلان بارزان في تاريخ الأديان، "بولس" الرسول، الرجل الذي غير دفة التاريخ المسيحي، و"معاوية بن أبي سفيان" الذي انطلق منها ليغير اتجاه التاريخ الإسلامي! فما أكبر أثرك على حياة العالم الروحية يا دمشق؟